العنوان قمة شتراسبورج الأوروبية: منعطف جديد لمسيرة التميز الأوروبي
الكاتب نبيل شبيب
تاريخ النشر الثلاثاء 21-أكتوبر-1997
مشاهدات 58
نشر في العدد 1272
نشر في الصفحة 38
الثلاثاء 21-أكتوبر-1997
- التفاوت الكبير في تطبيق المعايير التي تقوم عليها الحضارة الغربية هو أخطر العقبات أمام نشأة صيغ أمنية وسياسية متجانسة.
في تعليقها على اجتماعات قمة المجلس الأوروبي في شتراسبورج قبل أيام، قالت صحيفة سيفودنيا اليومية الروسية: «في تصريحات الرئيس الروسي بأن باستطاعة أوروبا تشكيل مجموعة تعتمد على نفسها بسياستها الأمنية، ما يشير إلى أن اللقاء الثلاثي -بين روسيا وألمانيا وفرنسا- يستهدف إيجاد ثقل مضاد للديكتاتورية الأمريكية في ميدان الأمن الأوروبي».. أما صحيفة لوديرنيير نوفيل دي إلزاس الفرنسية، فاعتبرت نتائج الاجتماع «خطوة حاسمة.. قد تتعثر، وقد لا يعرف منتهاها بعد، ولكنها خطوة أولى يمكن مقارنتها بما كان في الخمسينيات الميلادية الماضية عند المصالحة الفرنسية – الألمانية».
ويدرك المعلقون الأوروبيون، ومعظمهم ينحو منحى مماثلًا بين هاتين النظرتين، أنهم يتحدثون عن المجلس الأوروبي الذي يعتبر منظمة جامعة، ولكنها أقل شأنًا ومشاركة في صنع القرار السياسي من المنظمات الأخرى في الشريط الشمالي من الكرة الأرضية، بدءً بحلف شمال الأطلسي والاتحاد الأوروبي وانتهاءً بمنظمة الأمن والتعاون في أوروبا، ولقد كان الحديث عن هذا المجلس الأوروبي، ينطوي على كثير من الاستهزاء، فقد مضى على نشأته عشرات السنين دون أن يحدث تغييرًا يستحق الذكر في القارة الأوروبية، وكان يوصف بالعملاق المشلول عندما عقد أول لقاء له على مستوى القمة في فيينا قبل أربع سنوات بحضور الرؤساء ورؤساء الحكومات من ٣٢ دولة عضوًا فيه آنذاك، وارتفع العدد في هذه الأثناء إلى ٤١ دولة «منها روسيا البيضاء التي جمدت عضويتها مؤقتًا» وتقدمت ٤ دول أخرى بطلبات الانضمام وكانت مشاركة في قمة شتراسبورج.. فلم تعد «أوروبا» بذلك مقتصرة على الحدود الجغرافية للقارة نفسها، بل امتدت شرقًا إلى أواسط آسيا، لتشمل كتلة بشرية يزيد عدد أفرادها على ۷۰۰ مليون نسمة.
والمعروف أن منظمة الأمن والتعاون في أوروبا تضم بضعًا وخمسين دولة، وتشمل بعضويتها الولايات المتحدة، وكندا، ولكن المجلس الأوروبي هو المنظمة الوحيدة التي تضم سائر الدول الأوروبية دون مشاركة أمريكية، هذا علاوة على بعض دول وسط آسيا، أو بتعبير آخر، هو المنظمة التي تضم منطقتي النفوذ الأمريكية القديمة في غرب أوروبا، والروسية الجديدة في وسط آسيا، والتي كان الاتحاد السوفييتي مسيطرًا عليها، ويمكن القول إن ما تصفه الجريدة الفرنسية بالخطوة الحاسمة، وتصفه الجريدة الروسية بخطوة مضادة للديكتاتورية الأمريكية لا يعني أكثر من مساعي إيجاد صيغة «مستقبلية» جديدة في المجلس الأوروبي للعلاقات الأوروبية - الروسية على أرضية لا تمارس واشنطن نفوذها فيها.
المجلس الأوروبي نشأ في الأصل لغاية رئيسية هي إيجاد معايير وتطبيقات مشتركة في قطاع الدفاع عن حقوق الإنسان وحقوق الأقليات في الدول الأعضاء، وهذا ما يدركه الاتحاد الروسي الذي واجه عند الموافقة على طلب عضويته المطالبة بتعهدات تتركز على «تثبيت دعائم الديمقراطية وحقوق الإنسان في الاتحاد الروسي وفق المعايير الأوروبية الغربية» وهو ما يسري على الدول الأخرى الأعضاء من شرق أوروبا ووسط آسيا، ولكن حتى الاهتمام بهذا الميدان بقي محدودًا غالبًا في نطاق تقارير دورية عن أوضاع حقوق الإنسان في البلدان الأعضاء، دون أن تبنى على ذلك إجراءات عملية، ربما باستثناء تركيا لأسباب لا تفصل فيها في هذا الموضع.. وهنا يبرز مؤتمر القمة في شتراسبورج على أنه يمثل بالفعل الخطوة الأولى للارتفاع بمستوى المجلس إلى مستوى منظمة ذات فعالية ملموسة على أرض الواقع، وهو ما انعكس شكليًّا في تطوير المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان في شتراسبورج وانعكس مضمونًا في استصدار «خطة عمل» لما بعد عام ۲۰۰۰م، وانعكس سياسيًّا في لقاء القمة الثلاثي المتفق عليه بين ألمانيا وفرنسا -وهما محرك الاتحاد الأوروبي- والاتحاد الروسي الذي يريد أن يعزز مواقعه الجديدة على الساحة الأوروبية.
التميُّز.. على مراحل:
الرئيس الروسي يلتسين الذي كان «النجم الساطع في القمة» على حدتعبير بعض وسائل الإعلام، كان حريصًا على تأكيد هدف رئيسي تحدث عنه في كلمته وفي المؤتمر الصحفي بعد الاجتماعات، وهو قدرة أوروبا على الاعتماد على نفسها في الميدان الأمني بصورة كاملة دون مشاركةخارجية أي «أمريكية» ونوَّه بإمكانية التوصل إلى صيغة جامعة لذلك عن طريق المجلس الأوروبي بالتعاون مع منظمة الأمن والتعاون في أوروبا، ولئن خلا البيان الختامي للمؤتمر، وكذلك تصريحات المسؤولين من غرب أوروبا، من إشارات مماثلة، إلا أن ذلك لا يمنع صحيفة «نيسافيسيمايا» الروسية من القول: المعتاد في مثل تلك اللقاءات أن يجري الحديث وراء الكواليس بما لا يعلن عنه رسميًّا، والواقع أن الاتفاق على القمة الثلاثية يعني استجابة مبدئية فرنسية وألمانية للرغبات الروسية الطامحة إلى تأكيد التمييز الأوروبي عن الولايات المتحدة بمشاركة روسية، ولئن كانت فرنسا تسعى لهذا الهدف بشكل علني وقوي منذ فترة طويلة كما هو معروف، فقد بقيتبون أشد حذرًا فيما تتبناه من سياسات وخطوات في اتجاه التميز الأوروبي مراعاة للعلاقات الألمانية - الأمريكية، ولكن ألمانيا تقدر أهمية علاقاتها مع موسكو أيضًا ولأسباب عديدة منها التطلع إلى مقعد دائم في مجلس الأمن الدولي، ومنها أن هذه العلاقات الجيدة يمكن أن تمنع وجود عراقيل أمام امتداد النفوذ الألماني شرقًا، وبالتالي أوروبيًّا ودوليًّا.
ولكن قد يكون مجهولًا نسبيًّا أن الموقف الروسي بشأن التميز الأمني الأوروبي قد تبدل بصورة ملحوظة في عهد يلتسين، فإلى وقت قريب كانت السياسة الأمنية الروسية قائمة على التعاون مع واشنطن بصورة مباشرة، مع مراعاة المصالح الأمريكية والروسية أكثر من المصالح الأوروبية ابتداءً باتفاقيات الحد من التسلح، مرورًا بتمكين موسكو من الوصول إلى الساحة الأوروبية عبر ثغرة البلقان، وانتهاءً بعرقلة واشنطن لمشروع توسعة حلف شمال الأطلسي شرقًا لمدة ثلاثة أعوام تقريبًا... فجميع ذلك ساهم في دعم مواقع جديدة لموسكو على الساحة الأوروبية، كانت قد انهارت بانهيار الشيوعية، هذا علاوة على دعم واشنطن لاستعادة النفوذ الروسي في وسط آسيا، وترسيخ انفراد الاتحاد الروسي بالإرث النووي السوفييتي.
في الشهور القليلة الأخيرة قبل قمة مدريد وقرار التوسعة الأطلسية فيه، بدأت المواقف الأمريكية تثير خيبة أمل يلتسين.. فطموحه إلى موقع «الدولة الكبرى» من جديد لم ينقطع، لكنه اصطدم بثبات تطلع واشنطن إلى «الانفراد» بالزعامة في نظام دولي جديد، لا يبقى لموسكو فيه سوى موقع القوة الكبرى «إقليميًّا» ويمكن اعتبار نقطة البداية في خيبة الأمل هي تحول التصريحات الأمريكية الرسمية من مراعاة المصالح الأمنية الروسية، إلى الإصرار على توسعة حلف شمال الأطلسي شرقًا «سواء اعترضت موسكو أم لم تعترض» مما كان العنصر الحاسم الأخير في تحول وجهة السياسة الأمنية الروسية من الاعتماد على العلاقات المباشرة مع الولايات المتحدة إلى البحث عن البدائل.. كسواها من الأطراف الأوروبية التي وجدت أن نهاية الحرب الباردة لم تبدل علاقاتها الأمنية مع الحليف الأمريكي المهيمن.
ولكنَّ ما تقرر في قمة شتراسبورج لا يتجاوز أن يكون خطوة صغيرة وحذرة على طريق طويل.. معالمها العامة محدودة في نطاق دعم تثبيت الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان والأقليات في المجال الجغرافي للمجلس الأوروبي، وهذا مالا تتجاوزه «خطة العمل» لما بعد عام ٢٠٠٠م، ولكن لا يُستهان بتأثير ذلك على الصعيدين السياسي والأمني، فما زال من أهم عقبات نشأة صيغ سياسية وأمنية متجانسة بين الدول الأوروبية التفاوت الكبير بين تطبيق المعايير التي تقوم عليها «الحضارة الغربية» أو ما يوصف بحضارة «الإنسان الأبيض».. ولئن كانت أحداث البلقان والقوقاز قد طرحت هذا التفاوت بصورة دامية وربطته بمخلفات الأنظمة الشيوعية فإن القضايا المزمنة في إيرلندا الشمالية والباسك وقبرص تؤكد أن أوروبا لم تتخلص من مخلفات تاريخ الحروب المستمرة فيها منذ بدءالتاريخ إلى منتصف القرن العشرين الميلادي.
إن دعم المجلس الأوروبي وتطوير فعاليته يمكن أن يوصل على المدى البعيد إلى أرضية أوروبية مشتركة جديدة، ولكن إلى ذلك الحين ستبقى صناعة القرار حكرًا في المستقبل المنظور على مواقع أخرى في الاتحاد الأوروبي، وحلف شمال الأطلسي.. وجزئيًّا في منظمة الأمن والتعاون في أوروبا، وعلى قدر ما يتمكن الاتحاد الأوروبي من دعم استقلاله المالي والاقتصادي أولًا، والسياسي والأمني ثانيًا، يمكن أن يصبح قوة رافدة، لصالح ما بدا في ردود الفعل الإعلامية على قمة شتراسبورج مجرد أمل في الأفق البعيد، يستمد قوته الرئيسية من حقيقة أنه هو ما يتطلع إليه سائر الأوروبيين ومن يسير معهم من الأسيويين، ممن جمعهم المجلس الأوروبي على صعيد واحد..
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل