العنوان قوانين كونية
الكاتب عبدالرحمن بعكر
تاريخ النشر الثلاثاء 25-مايو-1993
مشاهدات 17
نشر في العدد 1051
نشر في الصفحة 50
الثلاثاء 25-مايو-1993
قوانين كونية
صنعاء - اليمن
مدلول "كلمات الله"
وردت في القرآن الكريم وفي أكثر من سورة عبارة "كلمات
الله"، ففي سورة الأنعام ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ
رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ
الْعَلِيمُ﴾ (الأنعام: 115) وفي سورة لقمان ﴿وَلَوْ
أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ
بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ
حَكِيمٌ﴾ (لقمان: 27) وفي سورة الكهف: ﴿قُلْ
لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ
تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ (الكهف: 109).
ونبحث عن مدلول هذه العبارة فنجد القرآن الكريم يفصل خبرها ويحدد
معناها في أكثر من موضوع من القرآن، ففي سورة يونس ﴿وَكَذَلِكَ
حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾
(يونس: 33) وفيها أيضًا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ
حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ ٭ وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ
آيَةٍ حَتَّى يَرَوْا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ (يونس: 96-97).. وفي الصافات ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا
الْمُرْسَلِينَ ٭ إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ ٭ وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ
الْغَالِبُونَ﴾ (الصافات: 171-173). وعلى ضوء هذه النصوص القرآنية وأمثالها
نعرف أن المقصود بكلمات الله هو أحكامه المبرمة وقوانينه النافذة في هذا الكون
وعلى كل الكائنات.
وهذا هو ما عنيناه بهذا العنوان إذ نريد في حدود المستطاع الوقوف على
طرف ضئيل وجانب محدود من قوانين الله - سبحانه وتعالى - في كونه وكائناته مستعينين
بالله ومستلهمين هداه لعل ذلك يقرب فهمًا ويعين على تبصرة في هذا الدين وما توفيقي
إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب.
(1)
الخلق
وموضوع الخلق هو الموضوع الذي تحجم عن تحديد بداياته كل العقول
والأقلام وتعجز عن استيعاب تفاصيله كل العلوم والأفهام. والمصدر الوحيد الموثوق في
كل هذه الدنيا هو كتاب الله الذي يشير إلى بدايات الأزل ويحدد خواتيم الأبد فهو
يحدثنا عن الأول الذي ليس قبله شيء... ﴿وَهُوَ
الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ
عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ (هود: 7).
ويحدثنا عن سديمية الكون بمجراته وشموسه وعوالمه والتحامها كلية
ببعضها. ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ
السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ
الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ﴾ (الأنبياء: 30) ويحدثنا
بتفصيل أكثر عن خلق السماوات والأرضين في حم السجدة ﴿قُلْ
أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ
وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ ٭ وَجَعَلَ فِيهَا
رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي
أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ ٭ ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ
وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا
قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ ٭ فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ
وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا
بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ (فصلت: 9-12).
كما يحدثنا عن النباتات بأنواعها ﴿أَنَّا
صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا ٭ ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا ٭ فَأَنْبَتْنَا
فِيهَا حَبًّا ٭ وَعِنَبًا وَقَضْبًا ٭ وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا ٭ وَحَدَائِقَ
غُلْبًا ٭ وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ (عبس: 25-31).
وعن الحيوان يحدثنا فيقول في سورة النور... ﴿وَاللَّهُ
خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ
وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ
يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (النور:
45).
أما حديثه عن خلق الإنسان ومراحل تطوره من تراب إلى طين إلى حمأ مسنون
إلى صلصال كالفخار إلى النفخ فيه من روح ذي الجلال وإسجاد الملائكة له واستكبار
إبليس عن السجود وحسده لهذا المخلوق الجديد ومعالنته بالكيد له وإضلاله، فقد ورد
في كثير من السور الكريمة وبالأخص سورة البقرة والأعراف والحجر والإسراء وطه وص
إلى جانب ما ورد في غيرهن من السور عن نفسية الإنسان المتقلبة بحسب مكانته من
الإيمان أو الكفر وهو كثير مستفيض في ثنايا القرآن.
وفي ختام موضوع الخلق نشير إلى الفرق بين كلمتي الخلق والتصوير إذ أن
دلالة كلمة الخلق هي الإيجاد من عدم. أما التصوير فهو تشكيل المادة المخلوقة، وفي
القرآن ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ
كَيْفَ يَشَاءُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (آل عمران: 6)، وفيه
مضغة مخلقة وغير مخلقة، أي مصورة وغير مصورة، وفي كلامه تعالى عن آدم وبداية خلقه:
﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ﴾
(الأعراف: 11)، ومن أسمائه تعالى «الخالق المصور».
(2)
الرزق
والمجمل اللغوي لمعنى الرزق هو إعطاء كل ما ينتفع به، ونجد القرآن
يتوسع في إطلاق هذه الكلمة على الأسباب الناتجة منها والمؤدية إليها على طريقة
العرب في المجاز المرسل لعلاقة السببية والمسببية فيعتبر المطر رزقًا ﴿وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ
فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ
الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾
(الجاثية: 5) باعتباره سبب الحياة والنماء. ويعتبر القرآن الكريم نفسه
رزقًا.. ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ
تُكَذِّبُونَ﴾ (الواقعة: 82)، فهو إذًا كل ما منحه الله للإنسان من مواد
النفع والأسباب المؤدية إليها.
وإنك لتنظر إلى كل مخلوقات الله من نبات وحيوان وإنسان فترى لكل رزقه
المقدور يساق إليه في الأعماق أو في الآفاق في نطاق القدرة المدبرة والعلم الشامل.
﴿وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَنْ
لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ ٭ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ
وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ (الحجر: 20-21) وإنك لتقرأ
قوله تعالى ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ
إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا
كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ (هود: 6) فتعجب أن يكون "في" بدلاً
عن "على" وحين تتعمق الإعجاز البلاغي للقرآن تجده بوضعه حرف الجر
"في" قد استوفى كل ما في أعماق المحيطات والبحار والأنهار والجبال من
كائنات مختزنة سارية في أغوار الأرض أو سائرة على أديمها.
وعلى هذا فما من سابح في البحار وناطح ورامح وسارح على وجه الأرض
وسائح وبارح على أطباق هذا الجو إلا وله رزقه المبثوث والمستكن في مستودعاته التي
علم الله مقدرة كل كائن عليها وميسر سبيله إليها ﴿وَكَأَيِّنْ
مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ
السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (العنكبوت: 60) فللنمل في ثقوبه كما لأكبر
الحيوانات وأقواها رزقه الميسر وقوته العتيد. أما الإنسان فما أكثر وما أرحب
مجالات رزقه وميادين معاشه ويكفي أن يقف المرء على سورة النحل مثلاً حتى يعلم
أبواب الرزق الواسعة ومظاهر النعم السابغة التي منحها الله لهذا الإنسان، ولو ذهب
الإنسان بخياله يتتبع ما تأخذه الأجيال من خيرات هذه الأرض المتنوعة وهي على كثرة
الأخذ وطول الأمد موفورة الخير دفاقة العطاء، لعلم معنى قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ
خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ (سبأ: 39).