العنوان هندسة التأثير.. قيمة الدقيقة الواحدة
الكاتب د. علي الحمادي
تاريخ النشر السبت 01-مايو-2010
مشاهدات 82
نشر في العدد 1900
نشر في الصفحة 54
السبت 01-مايو-2010
المقصود بإدارة الدقيقة الواحدة «One Minute Management» أو الإدارة فائقة السرعة «High Speed Management» أن تدير حياتك وأعمالك وطموحاتك بصورة لا تسويف فيها ولا تأخير ولا تردد، وإنما بسرعة فائقة «دون تهور» وبحزم وجد وقوة واجتهاد، وهذه هي وصية الله لنبيه يحيى حيث قال له: ﴿يَا يَحْيَىٰ خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ ۖ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ (مريم: 12).
يقول الشاعر:
فلا تستشر غير العزيمة في العُلا
فليس سواها ناصٌح ومشير
إن تمطيط الأعمال، والبطء في أدائها، والإدارة المسترخية، والحماس البارد، والتساهل في إنجاز مشروعك التأثيري، كل ذلك معناه أنك تلهو وتلعب، وأنك غير جاد فيما تريد من تأثير، وأنك تضحك على «ذقنك» و «ذقون» الآخرين، وأن شأنك هذا لا يتفق وشأن العقلاء من العمالقة الأبطال وصناع الحياة، الذين بقيت آثارهم عبر التاريخ.
وصدق الله تعالى إذ يقول: ﴿وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ (آل عمران:146).
يقول الشاعر:
والذل في دعة النفوس ولا أرى
عز المعيشة دون أن يشقى لها
ولذا تجد أحيانًا بعض الممارسات، من بعض من لا يفقه إدارة الدقيقة الواحدة، تكاد تنفطر لها قلوب الجادين.
فهذا يريد أن ينشيء مؤسسة لتحقيق مشروعه التأثيري، لكنه يستغرق سنة في استخراج الرخصة، وسنة أخرى لإعداد المكتب، ثم سنة ثالثة في التسويق، وهكذا تمر السنوات الطوال العجاف دون أن يشعر أو يتألم لمرورها وانقضائها .
وآخر يريد أن يتقن صنعة يمكنه بها صناعة التأثير، فيترك تعلمها للفرص والظروف، ويتردد كثيرًا قبل أن يشتري كتابًا في هذه الصنعة أو يشارك في دورة تدريبية تسرع به في تعلم هذه المهارة، أو يجالس خبيرًا متخصصًا في هذه المهارة، أو يستمع إلى محاضرة تتناول هذه المهارة أو بعض جوانبها، أو يقتني شريطًا سمعيًا أو مرئيًا يسبر أغوار هذه المهارة.
ثم تمر السنوات فيجد أقرانه قد تقدموا عليه، ويجد أعداءه ومنافسيه قد سبقوه في هذا الميدان وسحبوا البساط من تحت قدميه وحازوا على قلوب الناس وأثروا في خلق كثير، وصاحبنا هذا ما زال مترددًا متهاونًا متباطئًا متكاسلًا متثوبًا متواكلًا متقاعسًا متراخيًا.
مسكين هذا النوع من البشر ما أرخص حياته وما أقل قيمته، كيف لا؟ وهو لم يعرف بعد قيمة الدقيقة الواحدة، ولم يدرك أن الوقت هو الحياة، وأن العمر يمضي سريعًا، وصدق القائل:
دقات قلب المرء قائلة له
إن الحياة دقائق وثوان
فاصنع لنفسك قبل موتك ذكرها
فالذكر للإنسان عمر ثان
إن عصرنا اليوم هو عصر السرعة، إذ المستجدات سريعة، والتقدم التقني سريع، والمعلومات تتضاعف بسرعة فائقة، وحركة الحياة سريعة، والتغييرات في دنيا الناس سريعة أيضًا، ولذا فإن الحاجة ماسة إلى التفكير السريع والتعلم السريع، والقراءة السريعة، والإنجاز السريع- طبعًا دون تهور.
ولو تأملنا سيرة رسول الله ﷺ لوجدناها عطاًء دون ملل، ومبادرًة إلى الخير دون توقف، واجتهادًا في كسب كل لحظة وجعلها في طاعة الله تعالى وفي منفعة أمته، وما كانت أوقاته تضيع هدرًا أو تذهب سدى.
لقد كان رسول الله ﷺ يحض أمته على المبادرة والإسراع إلى فعل الخير وعدم التأخر وتضييع الفرص، وما كان هذا نهجه إلا لأن الله تعالى أدبه وعلّمه.
فقال تعالى: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ (البقرة: ١٤٨). وقال تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾(آل عمران: 133 ).
وقال تعالى: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْض السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِالله وَرُسُلِهِ ذَلكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلَ الْعَظِيمِ﴾ (الحديد :21).
إن الإسراع والاستباق إلى طاعة الله والجنة لا يكون إلا بكسب الزمن ومعرفة كيفية إدارته.
ولأهمية الوقت عند الله تعالى أقسم به في سورة العصر، فقال تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ* إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ (العصر:1-2)، قال ابن كثير: «العصر: هو الزمان الذي يقع فيه حركات بني آدم من خير وشر» «مختصر تفسير ابن كثير، 3/674».
وما أجمل ما سطره أبو مسلم إذ يقول:
طال الرقاد بكم هُبوا فديتُكم
فالشمس طالعٌة والسيل أرعانُ
هبوا لأخذ المعالي من مراقدكم
فليس يستدرك العلياء نَومانُ
هبوا لداعي الهدى هبوا لعزتكم
وكيف نومُكم والخصم يقظان
جدُّوا فديتكم في نصر دينكم
فاليوم فيكم لنصر الدين إمكانُ
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل