; قيمة العمل في الإسلام | مجلة المجتمع

العنوان قيمة العمل في الإسلام

الكاتب محمد سلام مدكور

تاريخ النشر الثلاثاء 27-فبراير-1973

مشاهدات 16

نشر في العدد 139

نشر في الصفحة 16

الثلاثاء 27-فبراير-1973

محاضرة للأستاذ الدكتور محمد سلام مدكور، أستاذ التربية الإسلامية بجامعة الكويت مساء الاثنين 19-2-1973

تفضل الدكتور محمد سلام مدكور مشكورًا بإلقاء محاضرة عن قيمة العمل بقاعة الجمعية مساء الاثنين 19-2-1973 في الإسلام، بيّن فيها أن الإسلام حث معتنقيه على العمل والكدح في الأرض بما يعود على الإنسانية كلها بالخير والنفع العام، وبيّن أن دعوة الإسلام إلى الزهد لا تتعارض مع دعوته للعمل وحثه عليه، وبيّن أن العمل الذي جاءت به النصوص التشريعية في القرآن والسنة لم يكن قاصرًا على العبادات الدينية والطقوس الروحية وإنما جاء شاملًا لكل عمل ينفع الفرد والجماعة.

وساق سيادته الكثير من النصوص من كتاب الله وسنة رسوله وأقوال السلف الصالح، وبيّن أن الإسلام وإن كان يدعو إلى العمل فإنه يطلب من كل عامل أن يخلص في عمله وأن يؤديه على وجهه الصحيح، كما أوضح سيادته أن رب العمل يجب عليه أن يتعاون مع العاملين معه فيؤدي إليهم حقهم كاملًا دون تسويف ومن غير إجحاف وأن يكافئ المحسن منهم على إحسانه.

وقال إن الدولة يجب أن تكفل لكل عامل حقه لتقف من خلفه لتنصره إذا لجأ إليها وكان على حق، ولتقومه إذا انحرف وأخل ببعض واجباته، ولتكفل له العيش الشريف دائمًا كي لا يكون عرضة للانحرافات أو التردي في السيئات. وقد امتلأت القاعة بجموع الحاضرين من مختلف الهيئات والأوساط، وخاصة أن الدكتور مدكور معروف لرواد الجمعية فقد سبق أن تكرم في العام الماضي فألقى محاضرة بقاعة الجمعية، وإنا إذ نشكره على استجابته لنا فإننا نقتطف بعض عباراته لنقدمها لقراء «المجتمع»:

وكان مما قاله الأستاذ الدكتور:

إن الإسلام لم يفصل بين شؤون الدين والماديات، ومزج العقيدة بالحياة، وجعل الأولى طريقًا للثانية، واعتبر كل عمل من أعمال الخير فيه عبادة وفي إتيانه طاعة. فقد ربط الإسلام بين الدين والدنيا بقول الله سبحانه: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ﴾ (القصص: 77)، فقد قرن الله سبحانه العمل بالعبادة ونبه إلى أنه لا ينبغي أن يصرف التفرغ في العبادة الناس عن أمور معاشهم وشؤون دنياهم.. وقد اعتبر الشارع العمل للدين من العبادات التي يثاب عليها الإنسان لأنها فضلًا عما تقدمه للمجتمع من خير تحول دون الشخص والتفكير في الشر وإيقاعه بأحد من المواطنين.

وإن حرص الإسلام على العمل لمن أهم ما يتجلى في توجيهاته الرشيدة وتشريعاته الحكيمة، فقد كلفنا الله سبحانه وتعالى بالعمل والضرب في الأرض في أكثر من ثلاثمائة آية مما يشير إلى حث الإسلام على العمل الصالح سواء أكان من العبادات التكليفية أم كان من الشؤون المعيشية وما يعود على المجتمع بالنفع. يقول الله سبحانه: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (النحل: 97). وفي ربط الحياة الطيبة بالعمل الصالح ما ينبه الأذهان إلى أن ذلك العمل لا يقتصر على العبادات وحدها.

إن العمل الصالح المشار إليه في قوله تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ (سورة العصر) يتحقق بالأعمال النافعة للشخص وأهله وقومه وللناس أجمعين. وإن التواصي بالصبر في الآية يتحقق باحتمال المشاق في العمل الطيب النافع للمجتمع الإنساني عامة وللمجتمع الإسلامي خاصة ما دام العمل يقره الإسلام ويباركه.

وقال الدكتور مدكور إن جماعة من التابعين فسروا قول الله تعالى: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ﴾ (الشرح: 7) أي إذا فرغت من أمور دنياك فانصب وصل. وعلى ذلك فالآية توصي بأن الدعوة إلى النصب الذي هو الإقبال في العبادة والرغبة في الإنابة إلى الله معلقة على الفراغ من شؤون الدنيا وأداء حقها، وشيء من ذلك لا يشغل الإنسان عن ذكر الله وعبادته وأداء ما عليه من تكاليف وهي في الإسلام قليلة محدودة. وقد وصف الله عباده عمار المساجد بقوله: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ﴾ (النور: 37).

ومما يؤكد حرص الإسلام على العمل قوله تعالى: ﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ (القصص: 73). فإن ذلك التعليل لجدير أن يحفز الناس إلى العمل حفزًا وأن يبعثهم إلى الحركة وابتغاء الرزق، والابتغاء من فضل الله في لسان الشريعة الإسلامية عبارة عن السعي في الأرض والكدح فيها لطلب الرزق كما يقول سبحانه وتعالى في شأن الحج: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (البقرة: 198). فإن ابتغاء الفضل -على ما قاله المفسرون هنا وفي كل موضع ورد فيه هذا التعبير- عبارة عن طلب الرزق والسعي لتحصيله، فكل من الليل والنهار في هذه الآية لخدمة مصالح الإنسان وتحقيق تساميه لتحصيل الخير والبركة من مقدر الأرزاق، وإن تخلل ذلك جزء من الطقوس والمبادئ الروحية التي تطهر النفس وترقق القلب وتدفع إلى الخشوع والحث على التعاون والبر.

ولقد نبه الله سبحانه في فريضة الحج إلى ما يبين أن حضور الناس إلى تلك الأماكن المقدسة إنما يكون لشؤون الدنيا ولشؤون الدين: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَلِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ﴾ (الحج: 28).. ولعل فقد كان بعض الصحابة يتحرجون عن مباشرة شؤون الدنيا أثناء عمل الحج فبين الله لهم أن هذا أمر لا حرج فيه بقوله: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (البقرة: 198). وقد فسر مجاهد رضي الله عنه المنافع في الحج بالتجارة وكل ما يرضي الله.

فإذا كانت هذه نظرة الإسلام إلى العمل والسعي في ابتغاء الكسب الحلال أثناء الحج فكيف يكون توجيهه للعمل في غير هذه المواطن وبعد الفراغ من ذلك النسك. تروي كتب السنة فيما أخرجه الطبراني وأبو نعيم أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: «إن من الذنوب ذنوبًا لا يكفرها إلا الهم في طلب العيش».

كان رسول الله مثلًا أعلى في السعي والكفاح والعمل فكان يشارك في الشؤون العامة حين يتحركون لتحقيق رغبة أو غرض منشود، وهكذا فقد انطبعت هذه المعاني في صدور المسلمين الأولين.

ثم قال: إن حث الإسلام على العمل لا يتنافى مع الدعوة إلى التوكل على الله فإن مقتضى التوكل الاستعانة بالله واللجوء إليه في تيسير الشؤون المنشودة والمصالح المطلوبة، وليس معناه التواكل وإهمال جانب الأخذ بالأسباب عن طريق العمل والإنتاج.. والدين يقاوم التواكل وينفر منه فقد نبه النبي صلى الله عليه وسلم إلى أن التوكل ليس معناه ترك العمل وعدم السعي في طلب الرزق إذ يقول فيما أخرجه الترمذي وابن ماجه: «إنكم لو توكلتم على الله حق التوكل لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصًا وتروح بطانًا». فقد قرن الرسول التوكل بالحث على العمل لأن الطير إذا غدت فإنما تغدو لطلب الرزق.

وبعد أن عرض سيادته بعض الأحاديث والآثار المروية عن الصحابة في أن الحث على العمل لا يتعارض أبدًا مع التوكل على الله. قال: إن الزهد الذي يدعو إليه الإسلام هو ألا يتكالب الناس على طلب الدنيا ولا يتنافسوا فيها تنافسًا يورث بينهم العداوة والبغضاء، فإذا طلب أحدهم رزقه فليطلب برفق وإحسان دون بغي ولا عدوان وفي حدود ما شرع الله لعباده ومن يفعل ذلك كان زاهدًا. ونقل عن الصوفية أن حقيقة الزهد أن يخرج الإنسان حب الدنيا من قلبه مهما كثرت في يده، يقول الفضيل بن عياض: ليس الزهد أن تترك الدنيا من يدك وهي في قلبك وإنما الزهد أن تترك الدنيا من قلبك وهي في يدك.

وإذا كان الإسلام يحث كل من يوكل إليه عمل أو يقوم به أن يتوخى الدقة والإتقان فإنه حث أصحاب العمل أيضًا على أن يقدروا العامل وأن يعطوه أجره وجزاءه كاملًا بنفس رضيّة، يقول الله تعالى: ﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾ (الشعراء: 183). ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: «أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه».

ولقد وضع الرسول عليه السلام دستورًا عادلًا كريمًا بيّن روح الإسلام في معاملة العاملين والتعاون معهـم ومساعدتهم فيما يشق عليهم بقدر المستطاع أيًا كانت منزلتهم في مختلف الطبقات دون استعلاء ولا تعاظم إذ يقول: «إخوانكم خولكم جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يطعم وليلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم فإن كلفتموهم فأعينوهم».

إن من الحق على ولاة الأمر في الأمة الإسلامية أن يكفلوا للعامل حقه وأن يحولوا دون البغي عليه وأن يكفلوا لرب العمل إخلاص العامل فيقومونه إذا انحرف أو أهمل فيه. وقال: إذا كانت الحضارات الحديثة عرفت التأمين ضد البطالة والمرض والشيخوخة فإن قواعد الإسلام توحي إلى ذلك بما تدعو إليه من الرحمة والرفق المتكافل في العيش وما درج عليه المسلمون الأولون من اعتبار بيت المال موردًا يتسع لرعاية من أدركه الضعف أو الشيخوخة فعجز عن الكسب وكذا من لم يجد عملًا يقتات منه، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «من ترك مالًا فلورثته، ومن ترك كلًا (أي ذرية ضعافًا) فليأتني فأنا مولاه».

ومن الطبيعي أن الرسول e يتولى أمره من مال المسلمين عامة باعتباره واليًا عليهم، وهكذا فقد أخذ خلفاؤه وولاة المسلمين من بعده بهذه التوجيهات وانطبعت في نفوسهم وكانوا يلاحظونها ويعملون بها حتى مع غير المسلمين.

وأنهى الدكتور مدكور محاضرته القيمة بقوله: إن تعاليم الإسلام تهدف إلى تحقيق الصالح العام. فالفرد في المجتمع الإسلامي جزء من كل، الفرد مسؤول عن الجماعة والجماعة مسؤولة عن الفرد، وهذا التقابل بين الفرد والجماعة أساس مقاومة الآفات الاجتماعية وبذا يتم الترابط ويشعر كل فرد بأنه مسؤول عن صالح الآخرين ومطالب بأن يعمل على إسعاد الجماعة وأن يحقق لها كل ما ينفعها ما استطاع إلى ذلك سبيلًا.

لقد كان هذا مصدر سعادة المجتمع الإسلامي حينما كانت أحكامه وتعاليمه هي السائدة المسيطرة على نفوس الأفراد والجماعة والموجهة لهم في كل تصرفاتهم فبلغوا حينذاك درجة رفيعة بين سائر مجتمعات البشر. فأين نحن الآن من ذلك؟ وفي أنفسكم أفلا تبصرون؟ لتعملوا وتعلموا أن الله سيرى عملكم ويحاسبكم عليه، وما أحوجنا في هذه الآونة إلى العمل متكاتفين متساندین معتصمين بحبل الله لتعود لنا سيرتنا الأولى ومهابتنا في المحيط الدولي حيث كانت لأمتنا من قبل الصدارة في جميع ميادين العمل حينما كانت تعاليم الإسلام هي التي لها الصدارة ولها السلطان والنفوذ، فاعملوا أيها المسلمون بتعاليم دينكم السمح فهو دين التقدم والرقي دين العمل والكفاح، وفقنا الله للعمل الصالح والإخلاص في العمل والتعاون فيه.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 71

183

الثلاثاء 03-أغسطس-1971

من يصلح للإرشاد؟

نشر في العدد 400

126

الثلاثاء 20-يونيو-1978

وجاءت سكرة الموت

نشر في العدد 321

139

الثلاثاء 19-أكتوبر-1976

التعليق الأسبوعي (321)