العنوان كاتب غربي يقدم إجابة منصفة.. هل فشل الإسلام؟
الكاتب مايكل نيومان
تاريخ النشر السبت 16-أغسطس-2003
مشاهدات 55
نشر في العدد 1564
نشر في الصفحة 32
السبت 16-أغسطس-2003
- لا نستطيع أن نحمل الإسلام وزر تخلف العالم الإسلامي.. فالتخلف والتقدم يخضعان لمقاييس أخرى
تقدم الغرب بسبب النهضة العلمية والتكنولوجية... وهي سبقت الديمقراطية ولم تكن نتيجة لها
لماذا لم تتقدم سيراليون التي كانت مركزًا للمؤسسات الإدارية والتعليمية البريطانية؟.. إن سبب بؤسها الحالي يرجع إلى الحكم الإرهابي لجوني بول كوروما المسيحي الإنجيلي
نسبة وفيات الأطفال في أفغانستان كانت أكبر في عهد الحكم العلماني بقيادة نجيب الله.. المدعوم من روسيا
الحرب الكورية.. لعب فيها المسيحيون الدور الرئيس.. وحرب فيتنام التي راح ضحيتها 4 ملايين نسمة والحروب الاستعمارية في أنجولا وموزمبيق كلها حروب مسيحية
في العصر الحديث.. أينما يوجد فشل فهو مسيحي.. الأمر لا يتعلق فقط بتسبب العالم المسيحي في حربين عالميتين وخلق قائد كهتلر
في ضوء المقاييس غير الأيديولوجية للرفاهية فإن الإسلام لم يفشل بالمقارنة مع العالم المسيحي.. إن اللوم يقع على العالم المسيحي في التقاعس عن توفير الخدمات للفقراء
في القول بفشل الإسلام من الناحية الأخلاقية وفي مقارنته بغيره وهمٌ ناجم عن النظر إلى العالم بصورة مشوهة كتلك التي نراها في مرايا مدينة الملاهي
المذابح الضخمة التي جرت ضد الشيوعيين في إندونيسيا أكبر بلد إسلامي حدثت في إطار التدخلات الأمريكية المستمرة ولم تكن جزءًا من بعض الموجات الأصولية
الحرب العراقية الإيرانية تسبب فيها العراق العلماني الذي كان يسير على خطى الغرب
من واقع الإحصاءات الدولية عن الفقر وسوء التغذية.. لا شيء يشير إلى أن الإسلام بصفة خاصة سيئ في تغذية أهله
لماذا يتم تجاهل أمريكا اللاتينية عند القياس والمقارنة مع أنها منطقة غربية مسيحية برمتها؟ لأن المقارنة ليست في صالح الغرب
ليس في الحضارة الإسلامية مجازر تعلمها للحضارة الغربية المسؤولة عن أشفيتز وهيروشيما
إذا كانت المقارنة بين نجاح الغرب في التقنية والتخلف النسبي للبلاد المسلمة.. فلا شيء يدل على أن الفضل في ذلك يرجع إلى القيم الديمقراطية أو المسيحية
نسمع مرارًا وتكرارًا أن الإسلام فشل وأنه في أزمة، ودائمًا ما تتضمن هذه الادعاءات مقارنة الإسلام بشيء آخر رغم أن هذا الشيء غير واضح، وإذا كانت كلمة «فشل» تعني «أنه لم يجار الغرب قط»، فإن الإسلام يكون بذلك قد فشل في واقع الأمر، مثله في ذلك مثل أي حضارة أخرى، في المدى الذي تم تغريبه فيه. وإذا كان فشل حضارة ما هو سقوطها خلف الخطوط الأولى للاقتصاد والتكنولوجيا فإن الحضارة الإيطالية تكون قد فشلت مقارنة بالحضارة اليابانية أو الأمريكية. ولكن إذا كانت كلمة «فشل» تعني شيئًا آخر فما هذا الشيء؟
يقول برنارد لويس: «خلال القرن العشرين كان من الواضح تمامًا أن هناك أشياء نحت المنحى الخاطئ في الشرق الأوسط وفي كل أرض الإسلام في الواقع، فبالمقارنة مع العالم المسيحي –منافس الإسلام لأكثر من ألف سنة- فإن العالم الإسلامي أصبح فقيرًا وضعيفًا وجاهلًا.. » (۱). ويقول لنا أيضًا إن «الدول العربية تأتي في الصفوف المتأخرة للحرية الاقتصادية».
وحتى إذا ما علمنا أننا نقارن الغرب أو العالم المسيحي بالشرق الأوسط أو العالم العربي أو العالم الإسلامي فإن عناصر المقارنة يكون مشكوكًا فيها، ويبدو الأمر وكأن أي جهاز قياس سينجح ما دام الإسلام يحتل المؤخرة؛ وبتعبير آخر هل يجب أن يمتلئ قلبي بالفخار لمجرد سماعي أن بلدي يتمتع «بحرية اقتصادية» كبيرة؟ وأحيانًا يبدو أن الإسلام فشل بالدرجة الأولى في المناطق التي لا يوجد فيها إجماع على أنه صالح للنجاح. فمثلًا هل على المصريين أن يحسدوا الأمريكان لتمتعهم بنظام انتخابي جيد يفرز قادة مؤثرين؟ هل على التونسيين أن يتعلموا العدالة الجنائية من المحاكم والسجون الأمريكية؟ هل على الإيرانيين الفقراء أن يطمحوا إلى رعاية طبية مثل تلك التي يمكن أن يحصلوا عليها في أمريكا؟ نحن لسنا بحاجة لأن نكون «نسبيين» عندما نقارن الحضارات بعضها ببعض، ولكن الإصرار على تطبيق «القيم الغربية» على ممارسات معينة مثل الرق أو ختان الإناث شيء، والافتراض بأن القيم الغربية هي كل ما يعلنه المتأثرون بالأيديولوجية الغربية اليوم -مثل الحرية الاقتصادية في مواجهة بعض القيم الغربية الأخرى مثل التقشف ونزعة حماية البيئة والاشتراكية والشيوعية– شيء آخر، كما أن مقارنة الواقع الإسلامي بأمريكا وليس بالواقع الغربي شيء آخر.
فلنفترض إذًا أننا نحتفظ «بالقيم الغربية» ونوفر على أنفسنا الهراء الأيديولوجي المتعلق بالديمقراطية والحرية الاقتصادية، واعتقد أن أحد القيم الغربية أننا يجب أن نحاول أن نكون موضوعيين إلى حد ما عندما نقارن بين الثقافات المختلفة؛ فإذا لم يتمكن المرء من الامتناع كليًا عن تطبيق قيمه الخاصة فيجب عليه أن يعتمد على الأقل على العناصر العالمية التي لا جدال فيها، وهذا يعني أن على المرء تجنب المقاييس التي تبدو في ظاهرها مقاييس عملية مثل «متوسط الدخل السنوي» «وهو أيضًا أحد مقاييس لويس». فما الأهم من ذلك: هل هو المتوسط أو الحد الأدنى؟ وما الذي سيحدث إذا ما ارتفع المتوسط لأن الأغنياء أصبحوا أكثر غنى على الرغم من المعاناة الكبيرة التي يعانيها الفقراء؟ فالقيم الغربية تحضنا على قياس نجاح المجتمع بمعايير أخلاقية بحتة وليس بمصطلحات أيديولوجية.
فإذا ما أصررنا على تقييم حضارة بأكملها فإن ثلاثة قيود قد تكبح جماح غرورنا.
الأول أننا يجب أن ننظر إلى الأساسيات –الفقر والصحة والتعرض للعنف– إذ إن جميع من ينتقدون الإسلام يمتدحون الحرية والديمقراطية ويقدمون –كدليل على أيديولوجيتهم– قدرة المجتمعات غير الإسلامية على توفير هذه الأساسيات.
والقيد الثاني أننا يجب أن نقيس نجاح المجتمع بالوضع الذي عليه الأحوال في أدنى طبقاته، فتوفير الأساسيات لا يعني الكثير إذا كانت لا تقدم لكل فرد من أفراد المجتمع، كما أن الحضارة المبهرة لا تعد ناجحة إذا كانت مبنية على البؤس.
والقيد الثالث أن التقييمات يجب أن تقدم في مقارنة محضة، فالقضية ليست في أن الإسلام فشل في تلبية معايير معينة، ولكنها تكمن فيما إذا كانت نقاط فشل الإسلام أكثر من نقاط فشل المسيحية.
فالمقارنة بهذا الشكل تحدد حضارتين بمدى التزامهما بديانتيهما، فالإسلام لا يقارن بالغرب –أي لا يقارن بمنطقة معينة– بل يقارن بالعالم المسيحي لبرنارد لويس. ومن ثم يمكننا مقارنة الشرق الأوسط المسلم بأوروبا الغربية والولايات المتحدة، وهذا سيؤدي إلى الحقيقة غير المذهلة بأن الغرب الذي استعمر أو احتل الشرق الأوسط لسنوات عدة كان أداؤه أفضل من الشرق، وسنصل إلى النتائج نفسها إذا ما قارنا الغرب بأمريكا اللاتينية أو بالصحراء الكبرى في إفريقيا أو بشبه القارة الهندية، فمقارنة المناطق لا تعني مقارنة الحضارات، كما أن التركيز على وجود منطقة إسلامية متأخرة عن العالم مع وجود مناطق غير إسلامية متأخرة عن العالم أيضًا يعد شيئًا غير أمين، ومن ثم فإن مقارنة لويس «لجميع أرض الإسلام»، مع «جميع أرض العالم المسيحي» -التي تركز على حضارات وليس على مناطق– تبدو وكأنها تتجاوز مشاكل ومميزات إقليمية معينة. وسنقول فيما بعد شيئًا عن الشرق الأوسط في مقابل الغرب «من واقع إحصاءات الأمم المتحدة».
ولعقد المقارنة علينا أن ننظر إلى بعض المؤشرات التي تظهر أرقامًا عن الرفاهية وإلى جزء من التاريخ الحديث، فالمرء لا يمكنه تقييم الرفاهية في ثقافة من الثقافات أو في مجتمع من المجتمعات تقييمًا جيدًا دون النظر إلى الحروب التي مرت بها، فالفكرة هي هل الإسلام أسوأ من المسيحية في حماية الناس من شرور الحياة؟ وأنا سأبني المقارنة المبدئية على إحصاءات الأمم المتحدة فهي أفضل ما يتوافر من إحصاءات رغم وجود عائق واحد فقط، وهو أن أرقام الأمم المتحدة في كل مقياس تقدم معلومات عن مجموعة من البلاد تختلف اختلافًا بسيطًا.
وقد قدمت الأمم المتحدة «مؤشرات في الألف عام المنصرمة» عن الرفاهية المادية شملت الصحة «يوجد ٤٨ مؤشرًا تتضمن مرض الإيدز واستخدام الواقي الذكري ومرض الملاريا ومؤشرات التعليم والوصول إلى السوق واستخدام الإنترنت وغير ذلك، وقد اخترت المؤشرات التي تتصل اتصالًا مباشرًا بالرفاهية المادية، ويمكن للقارئ أن يتحقق من أن اختياري لا يميل إلى محاباة الإسلام» والأرقام ستتكامل مع معلومات عن ديانات البلاد المذكورة في القائمة، وهي مأخوذة من مؤسسة «إنفورميشن بليز ألمانك» وكتاب «حقائق العالم» الذي تصدره وكالة المخابرات الأمريكية. ولنبدأ بمعدلات وفيات الأطفال في العام المتوافر وهو عام ۲۰۰۰ (۲) هل هذه الأرقام تجعل الإسلام يبدو أسوأ من المسيحية؟
وفيما يلي أرقام لسبع وعشرين دولة تصل نسبة وفيات الأطفال فيها إلى نسبة مفزعة ١٠% أو أكثر؛ أي مائة في الألف على الأقل.
بالتأكيد يبرز الدين الإسلامي بجلاء بين هذه الدول بنسبة عالية من وفيات الأطفال، غير أن الحضارة الإسلامية ليس لها دخل بالأمر. فسيراليون على سبيل المثال لم تكن مستعمرة بريطانية من ۱۸۰۸ إلى ۱۹6۱ فحسب بل إنها كانت مركزًا للمؤسسات الإدارية والتعليمية البريطانية في المنطقة، والسبب في بؤسها الحالي يرجع إلى «حكم الإرهاب» «طبقًا لمؤسسة إنفور ميشن بليز» لجوني بول كوروما ذي التعليم الكاثوليكي وهو مسيحي إنجيلي، أما في أفغانستان فإن نسبة وفيات الأطفال كانت أسوأ في عهد الحكم العلماني الغربي بقيادة نجيب الله الذي كانت تدعمه روسيا، والنسبة في العراق ترجع إلى نتائج سياسات العقوبات الغربية ونظام حكم صدام حسين العلماني، ومن ناحية أخرى فإن كل بلد في القائمة له عدد سكان كبير من المسلمين كان إما مستعمرة أو محمية لدولة مسيحية لفترة طويلة من تاريخها، أما الدول الإسلامية المحضة فلا نجدها في القائمة، ومن ثم لا يوجد شيء هنا يشير إلى أن نسبة وفيات الأطفال أعلى في الدول الإسلامية عنها في العالم المسيحي.
فلنفترض إذًا أننا ننظر إلى شيء قد يكون أكثر أهمية وهو التغذية، وبخاصة أولئك الذين يعانون من نقص في التغذية كنسبة كبيرة من مجموع السكان، وبهدف التبسيط سوف نتناول أسوأ عشر حالات فقط، ويمكن للقراء مرة أخرى أن يرجعوا إلى المصدر للتحقق من أن هذا المقطع المختصر لا يشوه المقارنة.
ماذا عن الفقر؟
توجد أرقام للأمم المتحدة عن نسبة السكان الذين يعيشون على أقل من دولار يومًا.
مرة أخرى الأرقام لا تشير إلى فرضية «فشل الإسلام».«أقر بأن القائمة غير كاملة، فمثلًا أين الدول المسيحية التي تعاني بشدة من الفقرة مثل هاييتي وأثيوبيا؟ ولكني أعتقد أن القائمة ترمز لشيء».
تعزيز الصحة العامة
أما تعزيز الصحة العامة فهو أحد المؤشرات التي تشير دون خلاف إلى أن المجتمع يسير في الاتجاه الصحيح، في هذه المرة سوف أنشر قائمة بأسوأ اثني عشر بلدًا لأن الثلاث دول الأخيرة في القائمة ترتبط ببعضها البعض.
ولا يمكن وصم الإسلام بالعار بسبب ذلك. لاحظ أن هذه المؤشرات تعمل جيدًا لبلاد معينة وكما هو متوقع فإن بلادًا كهاييتي وبوروندي وأفغانستان والصومال وإثيوبيا تمثل فيها هذه النسب جميعًا مستوى أقل من بريطانيا وفرنسا وسويسرا والولايات المتحدة، وسوف يتفق أي شخص –بغض النظر عن دينه أو ثقافته– على أن النسب الأقل تكون أسوأ من النسب الأعلى فإذا كنا نقارن الديمقراطية أو الحرية أو الجهل فإنه لا يمكننا الوصول إلى الإجماع نفسه.
نسبة جرائم العنف
ولذلك في ضوء هذه المقاييس غير الأيديولوجية للرفاهية فإن الإسلام لم يفشل بالمقارنة بالعالم المسيحي، بل إنه في الواقع قد يستحق العالم المسيحي –بكل هيمنته الاقتصادية وتفوقه التكنولوجي– اللوم على هذا الفشل في توفير الخدمات للفقراء. وأحد المقاييس غير المجحفة نسبيًا والتي تعد أقل مادية هي درجة العنف في المجتمع، ونسبة جرائم القتل هي أحد هذه المؤشرات وتوجد النسب الكبيرة لجرائم القتل في الدول المسيحية، ولكن بما أن إحصائيات جرائم القتل مختلف فيها فإننا قد نحتاج إلى عمل مسح لنزعة هاتين الحضارتين على التسبب في الحروب، ففي العصور الحديثة أينما يوجد فشل فهو مسيحي، فالأمر لا يتعلق فقط في تسبب «العالم المسيحي»، في حربين عالميتين وخلق قائد كهتلر، بل إن مرحلة ما بعد الحرب أكثر تشجيعًا على القتل، فهناك الحرب الكورية التي لعب فيها المسيحيون –وليس المسلمون– دورًا رئيسًا، وحرب فيتنام التي تسببت في وفاة حوالي أربعة ملايين نسمة والحرب الأهلية البغيضة أو الحروب الاستعمارية في موزمبيق وأنجولا، كما أن نسبة الوفيات ليست ببساطة وظيفة التكنولوجيا الغربية، فالقتال الرهيب الذي يستخدم التكنولوجيا غير المتقدمة في رواندا والكونغو هو قتال مسيحي، بكل ما في الكلمة من معنى.
ولكن على الصعيد الإسلامي لا نجد الكثير من ذلك، نجد فقط الحرب العراقية– الإيرانية التي تسبب فيها العراق العلماني الذي كان يسير على خطى الغرب، والحرب الأهلية اللبنانية التي اشتركت فيها كلتا الحضارتين كما حدث في الماضي الاستعماري الجزائري وإلى حد أقل في حاضره، ولذلك عند مقارنة الإسلام بالغرب أو المسيحية نجد أنه مسؤول يقينًا عن أعداد أقل من القتلى.
ماذا عن القمع الداخلي؟
المذابح الضخمة ضد الشيوعيين في إندونيسيا التي توجد بها أغلبية مسلمة حدثت في إطار التدخلات المستمرة لأمريكا في فترة الحرب الباردة ولم تكن جزءًا من بعض الموجات الأصولية.
وبالنسبة لسورية والعراق يقول برنارد لويس نفسه.
إذا نظرنا على سبيل المثال إلى نظامي الحكم الراحل لصدام حسين في العراق وحافظ الأسد في سورية فإننا سنجد أنهما ليسا جزءًا من التقاليد الإسلامية أو العربية، بل إنهما نتاج التدخل الأوروبي ومحاولة جعل الشرق الأوسط يسير على نهج أوروبا؛ هذا الإجراء الذي يسمى أحيانًا التحديث أو التغريب. «أنظر: ترومان نيوز، الجامعة العبرية بالقدس، المجلد الخامس، الطبعة الأولى، ۱ مارس ۲۰۰۳».
وإيران إسلامية بالتأكيد، ولكنها ورثت الشرطة السرية المتوحشة من نظام الشاه الذي سار على النهج الغربي والذي كانت ترعاه الولايات المتحدة، وعلى الرغم من ارتكاب مجازر بشعة لا يمكن إنكارها في العالم الإسلامي، فإن المسيحية –مع تناسينا لما قام به هتلر– قامت بأعمال مشابهة في الماضي الحديث كما حدث في هاييتي واليونان وشيلي والبرازيل والأرجنتين وباراجواي والسلفادور وجواتيمالا وجنوب إفريقيا وبيرو وإثيوبيا وفي كثير من الدكتاتوريات المسيحية الأقل قسوة وعلى الرغم من أن هذه الأنظمة «المسيحية» لا تستحق أن تسمى «مسيحية»، فإن جرائمها هي نتاج كلي للحضارة المسيحية. وعلى النقيض من ذلك فإن جرائم الأنظمة الإسلامية ترتبط في أكثر الحالات أهمية بتدخلات غير إسلامية، بل في الواقع «مسيحية».
ولذلك مقارنة بالعالم المسيحي فإن الإسلام لم يفشل، ماذا لو قارناه بالغرب؟ المقارنة بالتأكيد ستكون في صالح الغرب بأغلب مقاييس الرفاهية المادية «ما عدا العنف بالطبع»، ولكن عمليًا لا يستطيع أحد أن يدعي أن المسيحية مكنت الغرب من التقدم، لأن بزوغ نجم الغرب تزامن مع الهدم العنيف في أغلبه للمسيحية وانتشار العلمانية.
الخبراء والنقاد يفضلون إرجاع السيطرة الغربية إلى الديمقراطية، ولكن الغرب لم ينتخب نفسه ليجلس في المقدمة، غير أنه انتصر بسبب تقدمه العلمي والتكنولوجي، ومن الغريب أن تنظر إلى نجاح الغرب على أنه فشل للإسلام كما لو كان المسلمون يعانون من بعض الأمراض العقلية الغربية؛ فكل حضارة من هاتين الحضارتين تخلفت للوراء بدرجة مساوية للأخرى، وعلى أية حال هل يمكن أن نعزو تقدم الغرب إلى الديمقراطية؟ لا يحتمل أن يكون ذلك صحيحًا إذ إن سيطرته العلمية والتكنولوجية أتت أولًا قبل الديمقراطية.
والخطوات الكبرى الأولى التي دفعت الغرب إلى الأمام تضمنت علم الفلك لكوبر نيكوس وتايكو براهي وجاليلو وكيبلر، واستكشافات كولومبس وماجلان، وكذلك رياضيات باسكال وفيرمات. وقد حدثت هذه الخطوات قبل أن تكون هناك لمحة ولو بسيطة عن الديمقراطية، وفي موجة أخرى من موجات الاستكشاف والاختراع قدم الإنجليز قوة الدفع اللازمة، وقد حدث ذلك عندما بدأت سلطة الملكية في التقلص وبكل تأكيد قبل أن توصف إنجلترا بالديمقراطية؛ حيث منعت النساء في هذه الحقبة وجزء كبير من الطبقات الدنيا من حق التصويت، كما أنه كان في جميع الأحوال فاسداً بحيث لم يعتبره أحد معبراً عن الديمقراطية، وقد بدأ تصحيح ذلك مع
قانون الإصلاح الأول عام ۱۸۳۲، وحتى بحلول عام ١٨٦٧ كانت نسبة البالغين الذين لهم حق التصويت أقل من ١٠% من مجموع السكان، ولم تشهد إنجلترا الديمقراطية الحقيقية إلا في أوائل القرن العشرين، وقد حصلنا قبل عام ١٨٣٢ على لوغاريتمات نابيير، وقانون سينل لانكسار الضوء، وما توصل إليه هارفي عن دورة الدم، والتفاضل والتكامل لنيوتن واقتصاديات آدم سميث، واستكشاف هيرشيل لكوكب أورانوس، واستكشاف بريستلي للأوكسجين، وتطعيمات جينير ضد الجدري وقوانين دالتون. وفي مجال التكنولوجيا حصلنا على مغازل هارجريفز، ومحرك البخار لجيمس وات، والنول الذي يعمل بالكهرباء لكارترايت، ومحلج القطن لويتني والقارب الذي يعمل بالبخار لفلتون، وقاطرة استفنسون، وأول طريق سكة حديد، واستكملت هذه الأنشطة في القارة –التي لم تكن حتى ديمقراطية اسمًا– بعمل بيرنيولي عن الاحتمالات وميكانيكا الموائع، ومنطاد الهواء الساخن لمايكل ومونتجولفاير، ومجموعة المصطلحات الكيمائية لبيرثولت، وبطارية فولتا، وعمل أمبير في مجال الكهرباء، ورياضيات جوس ولوباتشفيسكس، وكمياء أفوجادرو، وقانون الروافع لأمبير.
وقد حدثت جميع التطورات اللاحقة في القرن التاسع عشر بما فيها نظرية النسبية قبل منح النساء حق الاقتراع (۱۹۱۹) وقبل حق الاقتراع العالمي الحقيقي (۱۹۲۸)، ومن ثم قبل وجود أية ديمقراطية بالمعنى الحديث للكلمة، «هذه الحقائق تضعف ادعاءً آخر وهو أن معاملة الإسلام للمرأة ساهمت في تخلفه النسبي». ومن الجدير بالذكر أنه عندما قضت إنجلترا على المجاعة في عام ١٦٢٠ وعندما قضت فرنسا عليها عام ۱۷۰۹ كان كلا البلدان في قبضة الاستبداد. «وبالنسبة للإنجازات الأدبية والثقافية لا يستطيع أحد أن يدعي أنها ازدهرت في الغرب في مرحلتها الديمقراطية». ولذلك إذا كانت المقارنة بين الشرق الأوسط والغرب فإنه من المقبول أن نعزي تفوق الغرب إلى تكوين دول متماسكة وغير ديمقراطية وليس إلى التقدم في مجتمعات الديمقراطية، ويتناسب ذلك وقصة ألمانيا –ذلك العملاق العلمي والتكنولوجي خلال القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين- التي عرفت بفشلها الواضح في الديمقراطية.
ولذلك إذا تأخر الإسلام عن الغرب فإن ذلك لا يعزى إلى المسيحية أو الديمقراطية، وفي هذا السياق فإن الإسلام لا يختلف عن أي ثقافة غير غربية، مهما تكن أسباب تقدم الغرب التكنولوجي الرهيب في القرنين السابع عشر والثامن عشر لأنها أسباب كبيرة ومعقدة وغير أمريكية، وهذا جيد. وهذا لا يعني «انتحاء النحو الخاطئ» الذي يدلل عليه لويس وآخرون، ولكن فلنفترض أننا نعقد المقارنة التي يريدنا لويس أن نعقدها بين الشرق الأوسط المسلم والغرب، ولنفترض أيضًا أننا لا ننظر إلى ما إذا كانت الديمقراطية مسؤولة عن «نجاح الغرب» بل إلى ما إذا كان الإسلام قد انتحي نحوًا جيدًا مثل الغرب، فهل يمكننا إذا أن نقول إن الإسلام قد فشل؟
أعتقد أنه يكون فاشلًا إذا لجأنا إلى حيلة ما في تحديد كلمة «الغرب» وبالتأكيد إذا اقتصر هذا التعبير على أوروبا الغربية والولايات المتحدة فإن الإسلام يكون قد فشل بمعايير الرفاهية وليس –مرة أخرى– بمعايير العنف، وقد نستبعد أوروبا الشرقية لأنها ظلت مدة طويلة تحت حكم سوفييتي «غير غربي»، ولكن هناك جزءًا من عالم يجب أن ينظر إليه على أنه ينتمي إلى الغرب وهو أمريكا اللاتينية، حيث كانت تحت حكم غربي «إسباني وبرتغالي بدرجة أساسية» لمدة قرون، كما أنها مجال معلن من مجالات التدخل الأمريكي منذ عام ۱۸۲۳، وهي بؤرة اهتمام كبيرة للاستثمار البريطاني في القرن التاسع عشر وهي منطقة مسيحية برمتها، كما أنها مستفيدة من مشروع كيندي «التحالف من أجل التقدم»، وتمتعت جميع أقطار أمريكا اللاتينية تقريبًا في وقت معين من تاريخها الديمقراطية، فرؤيتها الثقافية غربية بالأساس، مثلها في ذلك مثل اللغة التي تتكلم بها، ولكن مجرد إدراج هذه المنطقة في المقارنة لا تبدو الأمور مناسبة للغرب، فأقل مستويات الرفاهية في بلدان الشرق الأوسط أعلى من مثيلاتها في كولومبيا وهاييتي وفنزويلا ونيكاراجوا وبيرو الإكوادور وبوليفيا وجواتيمالا والأرجنتين حاليًا، ففي التقارير السنوية عن العنف والقمع مثل بلاد مثل كولومبيا وشيلي والأرجنتين وهاييتي وباراجواي والبرازيل والسلفادور جواتيمالا مرتبة بارزة مثل الجزائر أو العراق أو إيران، كما أن ترتيبها يسبق ترتيب مصر بقائمة الاهتمام بالعقل الليبرالي (۳). وبما أننا نتناول الشرق الأوسط «الإسلامي» فيجب أن نلاحظ أن أغلب بلاد الشرق الأوسط القمعية عاشت طويلًا تحت التأثير الغربي المنتشر في كل مكان، مثل نظام حكم صدام حسين، والجزائر تلك المستعمرة الفرنسية السابقة، وتركيا التي تنحو النحو الغربي، وإيران العميل السابق للولايات المتحدة. ويمكن قول الشيء نفسه على أفغانستان التي قد تكون أسوأ بلد من بلاد الشرق الأوسط من الناحية المادية، أما دول الخليج التي تعد أكثر «نقاءً»، وغالبًا أكثر أصولية فوضعها أفضل من الغرب «متضمنًا أمريكا اللاتينية» حتى إذا نظرنا إلى المتوسط وليس إلى أقل المستويات، ومرة أخرى لم نستدل هنا على فشل الإسلام.
ومن المحتمل أن تكون الحضارة الإسلامية مثلها مثل الحضارة الغربية قد فشلت بسبب بعض المعايير الموضوعية، لكنها لم تفشل في ظل المقارنات النسبية، فهي ليست أسوأ من المسيحية في تقديم نفسها، فحتى في أسوأ نزواتها لم يكن لها مجازر تعلمها للحضارة المسؤولة عن أشفيتز وهيروشيما، وإذا كانت المقارنة هنا منعقدة بين النجاح الغربي التكنولوجي والتخلف النسبي للإسلام فلا شيء يدل على أن الفضل في ذلك يرجع إلى القيم الديمقراطية أو المسيحية، ومن المحتمل أن الحضارة التي سيطرت على فيينا عام ١٦٨٣ اعتمدت على ثروتها وأمجادها حتى فات الأوان، إن القول ب«فشل» الإسلام من الناحية الأخلاقية وفي مقارنته بغيره وهم ناجم عن النظر إلى العالم بصورة مشوهة كتلك التي نراها في مرايا مدينة الملاهي.
هوامش وملاحظات
برنارد لويس «المنحى الخاطئ» مجلة «أطلانتك منثلي» يناير ۲۰۰۲، الجزء ۲۸۹، رقم ٤٣١ – ٤٥.
أنظر قسم الإحصاءات بالأمم المتحدة، مؤشرات الألفية.
التفاوت في الاهتمام بعنف الشرق الأوسط في مقابل عنف أمريكا اللاتينية تفاوت مذهل، فقد ذكرت هيئة الإذاعة البريطانية أن حكومة هندوران شكلت هيئة خاصة للتحقيق في جرائم القتل التي حدثت في الشوارع والتي تضمنت ١٥٦٩ طفلًا في السنوات الخمس الماضية، وأضاف التقرير أنه طبقًا لمنظمة العفو الدولة فإن القتلة قد يكونون من أفراد الشرطة أو الجيش، ومن ثم لم تتم محاكمات في الواقع، وقد مر ذلك مرور الكرام.
- مايكل نيومان هو أستاذ الفلسفة في جامعة ترنت في أونتاريو بكندا، ويجب ألا نعتبر آراء البروفيسور نيومان معبرة عن آراء الجامعة وكتابه: ما الذي تبقى: السياسة الراديكالية والعقل الراديكالي؟ أعيد نشره بواسطة برودفيو برس.
- مارك جلين: التطرف الإسلامي قد ينقذ الحضارة الغربية شبكة مديا مونيتورز ۱۸ أبريل ۲۰۰۳
الاهتمام الرئيس للولايات المتحدة الآن هو المحافظة على هيمنتها، وبإعادة استعمارها للعراق تكون قد أقامت جسرًا مهمًا في الأراضي الأوروبية. الآسيوية، وهذا الاستعمار هو تقدم عسكري واقتصادي نحو الإمبراطورية، ولقد شاهدنا الرد في الرياض، وبتعبير آخر فإن الأصولية الإمبريالية للولايات المتحدة تحدد مصالحها طبقًا لاحتياجاتها الخاصة، وهذا يسبب المقاومة...
الأصولية الدينية في الولايات المتحدة قوية جدًا ولكنها تختلف عن الأصولية الإمبريالية، وقد حدث وأصبح النظام الحالي للولايات المتحدة تحت سيطرة أصوليين بروتستانت إنجيليين «بوش وأشكروفت هما أكبر مثالين على ذلك» وهذا النظام عقد تألفًا مع الليكوديين الحاليين الذين يمثلهم وولفويتز وبيرل وعصابة المشروع الأمريكي «طارق علي» الإمبراطورية تتقدم، کاونترینش ۱۹ مايو ۲۰۰۳.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل