العنوان المجتمع الثقافي: (العدد: 1314)
الكاتب مبارك عبد الله
تاريخ النشر الثلاثاء 25-أغسطس-1998
مشاهدات 80
نشر في العدد 1314
نشر في الصفحة 50
الثلاثاء 25-أغسطس-1998
قراءات لغوية: القرآن والمعرب
كتاب «المهذب فيمَا وقع في القرآن من المعرب» للإمام جلال الدين السيوطي "ت 911" جمع فيه المؤلف الألفاظ غير العربية التي وقعت في القرآن الكريم، ويطلق عليها مصطلح «المعرب»، ومعلوم أن القرآن الكريم نزل على الرسول- صلى الله عليه وسلم- بلسان عربي مبين، وما فيه من ألفاظ فارسية أو حبشية أو نبطية أو غيرها، فهو من من قبيل توارد اللغات، تكلم به العرب والعجم على السواء، لأن العرب قبل نزول القرآن كانت لهم مخالطات في أسفارهم بالأمم الأخرى، فدخلت في العربية ألفاظ أعجمية، عربها أجدادنا بألسنتهم، فنزل القرآن حين نزل، وقد اختلطت هذه الأحرف بكلامهم فشملها، وذلك من إعجازه البياني.
وفي مقدمة الكتاب عرض المؤلف لمسألة الخلاف بين العلماء في وجود المعرب في القرآن، وذكر ثلاثة آراء للعلماء في ذلك: «فالأكثرون، ومنهم الإمام الشافعي، وابن جرير وأبو عبيدة، والقاضي أبو بكر، وابن فارس، على عدم وقوعه فيه لقوله تعالى: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ (يُوسُف: 2)، ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ﴾ (فصلت: 44)، وقال آخرون: كل هذه الألفاظ عربية صرفة، ولكن لغة العرب متسعة جدًّا، ولا يبعد أن يخفى على الأكابر الجلائل، وقد خفي على ابن عباس معنى فاطر.. وذهب آخرون إلى وقوعه فيه، وأجابوا عن قوله تعالى: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ (يُوسُف: 2) بأن الكلمات اليسيرة بغير العربية لا تخرجه عن كونه عربيًّا، فالقصيدة الفارسية لا تخرج عنها بلفظة فيها عربية».
وقد اختار المؤلف الرأي الأخير، وساق مجموعة من آثار التابعين تدل على أن القرآن فيه من كل لسان، وأن حكمة وقوع هذه الألفاظ في القرآن أنه حوى علم الأولين والآخرين، ونبأ كل شيء، فلا بد من أن تقع فيه الإشارة إلى أنواع اللغات والألسن لتتم إحاطة بكل شيء، فاختير له من كل لغة أعذبها وأخفها وأكثرها استعمالًا عند العرب، ثم شرع المؤلف في سرد الألفاظ المعربة في القرآن مرتبة على حروف المعجم، فذكر ألفاظًا تحت الهمزة منها: أباريق، أب، الأرائك، إستبرق، أسفار، وتحت الياء ذكر ألفاظًا منها: ياقوت، يس، اليم، اليهود... إلخ، وقد بلغ عدد الألفاظ المعربة التي أحصاها السيوطي في القرآن غير المكرر مئة وسبع عشرة لفظة، تنتمي إلى لغات منها: الحبشية، والرومية، والفارسية، والسريانية، والعبرية، والقبطية، والبربرية، والنبطية، والزنجية، والهندية.
محمد علي حسين
أين تمضي رابطة الأدب الإسلامي العالمية
بقلم: محمد شلال الحناحنة
منذ مدة عكفت بعض الأوساط الثقافية على إثارة قضايا الأدب الإسلامي[1]، فأثارت قضية الشعر الحماسي ودوره في ظاهرة العنف، وقضية الوطن في الشعر الإسلامي، وقد أثار ذلك الطرح ردود فعل مختلفة، ولكنها في النهاية كانت لصالح الأدب الإسلامي، فقد دلت على صدق تأثيره، وعظمة مكانته في حياة الأمة، وعادت تلك الأوساط الإسلامية الثقافية أخيرًا لطرح مناقشة مسألة مهمة، لا بد لنا من أن نشارك فيها بحثًا عن الحق الذي نسعى إليها جميعًا، وحبًّا لهذا الأدب السامي، فقد أجرى حوار مع الأخ الأديب د. مأمون فريز جرار- رئيس المكتب الإقليمي لرابطة الأدب الإسلامي في الأردن-، وقد أبرز الهدف الأساسي بكل وضوح من هذا «الحوار» القيم، فقد جعل امتدادًا لمشروع «المراجعات» التي طرحت من قبل في مسألة الأدب «الملتزم»، وذلك لبلورة مفهوم ثابت واضح تجاه هذه المسألة، كما جعل الهدف النبيل: «تقديم أصوات مختلفة، تحمل حماسًا للأدب الملتزم، ولكنها تختلف في الأسلوب الأمثل لرعاية هذا الأدب».
ولا شك في أن المسلم كثير بإخوانه، وأننا مع هذه الأوساط في «المراجعات» الصادقة الهادفة لضبط الرؤى الناضجة الثابتة الواضحة تجاه أدبنا الإسلامي، فهذه المراجعات إن استثمرت بوعي وإخلاص تثري أدبنا، وتزيد من نهوضه في تحمل الأعباء الجسيمة الملقاة على عاتقه في هذه المرحلة من تاريخ أمتنا، والحق أن أدباءنا الإسلاميين مع هذه المراجعات، ومع هذه الحوارات «البعيدة عن التشنج» وليسوا ضدها، وهم مع الأصوات الناضجة الداعية الباحثة عن الحق وإن خالفتهم في الأسلوب، فهذه الطروحات تضعهم أمام مسؤولياتهم العظيمة، وتنهض بدورهم في تفعيل القضايا الإسلامية الساخنة!
أما ما يراه بعض المهتمين في الشأن الثقافي العربي، أن هذه «المراجعات» اصطياد في الماء العكر، فلهم أن يروا ما يريدون، ولكن تظل المسألة في النهاية مكسبًا للأدب الإسلامي الذي سيبقى طودًا شامخًا بإذن الله، مهما نعى الناعون، وتبجج المرجفون!! أما عنوان اللقاء: «هل أشهرت رابطة الأدب الإسلامي إفلاسها؟» فقد عبر بجلاء أن هذه الرابطة ثرية غنية بأدبائها، وأفكارها وسمو أهدافها، ولأن هذا العنوان حمل في طياته استفزازًا وإثارة مقصودة، فقد وقع في شراك مغالطة واضحة كبرى لكل ذي بصيرة، وقد جاءت الاستعارة المكنية في العنوان لتشهد للرابطة لا عليها، فالإفلاس يسبقه الثراء والغني، والفكر لا يتغير ويتبدل من غني وثراء إلى فقر بسنوات معدودة هي عمر الرابطة، وهي كذلك ليست شركة استيراد وتصدير تتعامل بالمادة القابلة للربح أو الإفلاس، إنما سلعتها سعلة ربانية غالية، فهي من الله، وإلى الله، وقائمة في عرضها على منهج الله، فهي إذن غير قابلة إلا للربح الدائم، فسلعتها رائجة، سلعة ضمنها الله من فوق سبع سماوات ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً﴾ (البقرة: 138)، ومن هنا كانت الكلمة الطيبة التي هي بضاعتها كالشجرة الطيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء.
والرابطة مع سمو رسالتها، وغلاء سلعتها، وطيب نبتتها لم تقل يومًا إنها منزهة عن الأخطاء، لأن القائمين عليها بشر، يصيبون ويخطئون، فإن أصابوا كان بتوفيق الله، وإن أخطأوا كان من أنفسهم، أما قلوبهم فهي مفتوحة للنصيحة الأخوية المخلصة، بعيدًا عن التعصب المغرض!.
وهناك بعض الأسئلة التي أود الرد عليها كقارئ وكاتب مشارك في المجلة الأدبية للرابطة أحيانًا، فما المقياس الذي اعتمدته تلك الأوساط الحريصة على الأدب الإسلامي- كما تدعي- لوصف الرابطة بالضعف؟! فأرى صوتها قويًّا بمقياس عمرها، فقد استطاعت في فترة وجيزة أن تضم نخبة من أدباء الإسلام في مختلف الأنحاء، كما أصدرت مجلتها الإسلامية الرائدة قبل سنوات، ولهذه المجلة تأثير طيب بشهادة كبار المفكرين والمثقفين والأدباء، وممن ليسوا أعضاء في الرابطة[2]، وكذلك مجلة «المشكاة» في المغرب التي تعني بالأدب الإسلامي، ومجلة الأدب الإسلامي التركي، ومجلة قافلة الأدب التي تصدر في الهند، وهذه المنابر نوافذ مفتوحة لكثير من الأدباء والنقاد وأصحاب الأقلام المتميزة، وقد أجرت لقاءات ثرية مع مفكرين وأدباء لهم مكانتهم في عالمنا الإسلامي، ويمكن متابعة ذلك من خلال هذه المنابر.
كما عقدت الرابطة عشرات المسابقات الثقافية والندوات الأدبية والفكرية في مختلف أنحاء العالم، وهي تعقد مؤتمرات دورية لدراسة أوضاعها، وعلاج العوائق أمامها، وبيان ما حققت من أهداف، ومن المؤكد أنها لم تحقق جميع أهدافها السامية، ولكنها تطمح لتحقيق المزيد من النهوض بفكرنا وأدبنا!.
أما «إن وجد» كما يدعى أنصاف متعلمين من أعضاء الرابطة العاملين- مع تحفظنا الشديد على طرح هذا السؤال الذي يشعل سخرية مريرة من الآخرين- فينبغي معالجته، علمًا أن الرابطة لا تقبل إلا صاحب الإنتاج المنشور، والذي أمن بالإسلام نهجًا وفكرًا، وكتب في ذلك، أما مسألة القوة والضعف في الأدب فهذا أمر بدهي عند نقاد الأدب، فيختلف الأدباء في قيمة إنتاجهم حسب مواهبهم وقدراتهم وثقافتهم وعوامل أخرى كثيرة، كما قد يصيب الأديب نفسه أو يخفق في نص إبداعي دون آخر، وهذا جلى للقارئ المتذوق والأديب الناقد!
لقد حققت الرابطة بفضل الله، ثم بجهود العاملين فيها من أدباء ومفكرين الكثير، مما لم تستطع تحقيقه اتحادات أدبية قامت منذ عشرات السنين، وبدعم رسمي، والأمثلة على ذلك كثيرة، ولسنا معنيين بإحصائها.
أما السؤال عن إنتاج أعضاء الرابطة، فقد أصدرت الرابطة منشورات عديدة لأعضائها، وعلى حسابها الخاص[3]! إضافة لجهود الأعضاء أنفسهم في إصدار إنتاجهم وطبعه، ويمكن للباحث عن الحق مراجعة دليل مكتبة الأدب الإسلامي للأستاذ الأديب د. عبد الباسط بدر، والذي سيصدر الجزء الثاني منه قريبًا إن شاء الله.
أخيرًا.. نشكر جميع الإخوة الأدباء الحريصين على دفع عجلة أدبنا الإسلامي من خلال هذه «الحوارات» والمراجعات الهادفة، ونسأل الله أن تكون خالصة لوجهه، وفي ميزان حسناتنا!.
واحة الشعر
معاناة أمة
شعر: حمد بن فهيد العضيلة
أحد أبناء الأمة الإسلامية، وقد آلمه وأحزنه ما تعانيه أمته من كثر الجراح والذل، فصرخ في وجهها:
يا أمتي ما هذه الآهات يكفيك نياح *** يا أمتي صبرًا ففي الصبر التئام للجراح
فتجيبه أمته بتنهد وحسرة:
جرحي خطير.. صابه سم الرماح *** جرحي عميق.. طبه صوت الفلاح
الكفر أظهر نابه أعلا النباح *** والقوم ناموا في سكون وارتياح
قوموا.. وهبوا.. وارفعوا علم الكفاح *** قوموا سريعًا قبل أن يقع الوشاح
قوموا جميعًا.. شاهرين يد السلاح *** والله أكبر.. رددوا أهل الكفاح
علم الجهاد ممزق فوق البطاح *** فلترفعوه مرفرفًا صوب الرياح
كونوا كما كان معاذ وصلاح *** كونوا كما كان بلال بن رباح
كانوا جنودًا في غدو ورواح *** كانوا جنودًا.. أرهبوا جيش السفاح
ثم ينادي الابن من حوله قائلًا:
يا إخوتي هيا اصدعوا أعلوا الصياح *** قولوا.. ترى الإسلام.. مكسور الجناح
لا بد من ليل ويعقبه صباح *** والصبح يؤذن فجره بالانسياح
سيكون يومًا مشرقًا فيه انشراح *** ويعود عز كان للإسلام.. طاح
طريق النصر
شعر: محمد علي حسني حمودة
دع الأوهام وامتشق الحساما *** فقد عفنا الخطابة والكلاما
سلكنا الشجب والتنديد دهرًا *** فلا وطنًا أعاد ولا سلاما
ونلهث خلف من يشدو بحل *** ونستجدي لنصرتنا اللثاما
ونزرع دربنا صابًا وشوكًا *** ونستسقي السحائب والغماما
ونطمع بعدها بقطاف كرم *** تحف به الأقاحي والخزامى
ونجتنب المحبة والتآخي *** ونختلق العداوة والخصاما
وتغدو كالوحوش إذا اقتلنا *** ولا نرعى العهود ولا الذماما
ونفزع حينما نلقى عدوًا *** يدق اللحم فينا والعظاما
ونجترح المعاصي كل يوم *** ونهوى المال والكسب الحراما
ونسهر للمعازف والأغاني *** ويسهر خصمنا يبري السهاما
ويؤنس غيرنا طلب المعالي *** وتؤنسنا المدامة والندامى
ونسخو عند أقدام الغواني *** ونبخل حين نسألنا اليتامى
غرقنا في الضلالة واستكنا *** وأسلمنا لغاصبنا الزماما
وأطلقنا النفوس على هواها *** لنصيح من جهالتها حطاما
فأين المكارم الأخلاق غابت *** رسول الله كان لها إمامًا
وأين الدين نحمله سراجًا *** يبدد عن بصائرنا الظلاما
وأين الفارس المقدام فينا *** يقود الخيل والجيش اللهاما
يدك معاقل الأعداء ذكًا *** ويزرع فيهم الموت الزؤاما
يعيد المسجد الأقصى طليقًا *** ويحمي فيه من صلى وصاما
فنصر الله معقود بحق *** لمن رام الهداية واستقامًا
* * *
كامل كيلاني
رائد أدب الأطفال بالعربية
القاهرة: محمود خليل
● د. ليلى كرم الدين: اهتدى الكيلاني بعمق إلى المكونات الأساسية لثقافة الطفل في وقت لم يكن فيه هذا العلم معروفًا على مستوى الوطن العربي على الإطلاق.
● ألف كامل كيلاني «ألف قصة».. لم يطبع منها في حياته إلا «مائتين».
● عبد التواب يُوسُف: كتب الكيلاني العلمية وقصصه الرائعة، تعتبر جسرًا إلى اللغة الفصحى، واللغات الأجنبية.. ولقد ترجم أدبه إلى أكثر من عشرين لغة أجنبية.
يعتبر الأديب الرائد الكبير كامل كيلاني (1897م- 1959م) بحق، هو الأب الشرعي لأدب الأطفال في اللغة العربية، وزعيم مدرسة الكاتبين للناشئة في البلاد العربية، فهو أول من وضع أساس هذا الفن في الأدب العربي وأرساه على أرض صلبة من الموهبة الواسعة، والدراسة الأدبية الرفيعة، والاطلاع الموسوعي على الآداب العربية والأجنبية، وفتح به آفاقًا جديدة من المتعة والمعرفة للطفل العربي المسلم، على نحو لم يكن لأدبنا به عهد قبل الكيلاني.
وضمن فعاليات وزارة الثقافة المصرية، أنهى مؤخرًا المجلس الأعلى للثقافة احتفالاته بمناسبة مرور مئة عام على ميلاد هذا الرائد الكبير.
شارك فيها عدد كبير من الأدباء والمفكرين وأساتذة الجامعات، والمتخصصين بثقافة وأدب الطفل، كما شاركت وفود من دول عربية، تناولت بحوثهم ومناقشاتهم عدة محاور أساسية في أدب الكيلاني.
- تناول الأديب محمود قاسم «قصص كامل كيلاني العلمية» التي تعلمت منها الأجيال، وسوف تتعلم لقرون طويلة، وبخاصة سلسلته «قصص علمية»، وهذه المجموعة تفتح بابًا جديدًا من الفن التربوي في تزويد الناشئة بالمعلومات، بعيدًا عن تعقيدات العلوم وتداخلها وصعوبتها.. ويذكر لهذا الرائد الكبير أنه أول من طرق هذا الباب الصعب في أدب الأطفال متناولًا حقائق جغرافية ونباتية وحيوانية وطاف بالأطفال حول هذه الحقائق في عوالم الحيوانات والحشرات والجياد والسناجب والقطط وحيوانات الغابات، تبدو فيها المعلومات متناسقة مع الحكي، وإن كان الأديب محمود قاسم يرى أنها «قصص معلوماتية» أكثر منها علمية.. وقد نجح الكيلاني في عمل التوازن الإبداعي لهذا القصص المعلوماتي الشيق الجميل، محافظًا فيه على لغة عربية رصينة، تأخذ بيد الطفل نحو قاموس لُغَوي يتعامل معه الكيلاني باقتدار وتمكن.
- وإذا كانت الكتابة للأطفال عملًا شاقًا وصعبًا، ذلك لأنه بالإضافة إلى غزارة العلم والاطّلاع يحتاج إلى رقة عاطفة الشاعر ودقة ملاحظة الفيلسوف، إلا إن الكيلاني كما ترى «د. ليلى كرم الدين»، قد فعل ذلك في مرحلة لم تكن تتوافر في مصر، ولا في أي دولة عربية، أي معلومات علمية، أو دراسات أو بحوث حول مختلف الجوانب السيكولوجية والتربوية للأطفال العرب.
والشيء العجيب أن الكيلاني قد اهتدى بعمق موهبته إلى هذه المكونات الأساسية لثقافة الطفل، وأساسيات التعامل معه من حيث لغة الطفل وتراكبيها وقاموسها اللغوي، واهتمامات الأطفال وحاجاتهم النفسية عند مختلف المراحل والأعمار، إلى جانب ميولهم القرائية والموضوعات والمواد والأشكال والشخصيات التي يفضلونها، والألوان والرسوم التي يميلون إليها.
والدليل على ذلك أن قصص الكيلاني لا زالت الأكثر رواجًا وانتشارًا.
وترى الدكتورة ليلى كرم الدين- وكيلة معهد الدراسات العليا للطفولة بجامعة عين شمس- أن عبقرية الكيلاني تكمن في هذه النقطة.. فقد تمكن من الكتابة للأطفال بكل هذا القدر من التمكن والمهارة والنجاح، مما يدل على أنه توافر لهذا الرائد الكبير من الذكاء والفنطة والبصيرة، ما جعل الطفل أمامه كتابًا مفتوحًا، يتعامل معه بجاذبية خاصة، فتحت الطريق لبناء كيان متكامل لأدب الأطفال.
كامل كيلاني باني أدب الأطفال:
ولد كامل كيلاني في 20 أكتوبر سنة 1897م، وحفظ القرآن الكريم- وكان والده أشهر منهد في عصره، وكان يعمل مهندسًا للري- نال شهادة البكالوريا، ثم تخرج في الجامعة الأهلية المصرية القديمة، وعكف بعد ذلك على دراسة الأدب الإنجليزي، ثم تعلم الفرنسية، كما حضر دروسًا في الأزهر الشريف، وأجاد النحو والصرف والمنطق، واشتغل بالتدريس للإنجليزية والترجمة في الجامعة، ثم عمل بوزارة الأوقاف من سنة 1922م حتى سنة 1954م، وعمل بالصحافة، حيث رأس تحرير جريدة الرجاء سنة 1922م، ورئيسًا لنادي التمثيل الحديث سنة 1922م، ثم أسس أول نِقابة للأدباء، وعمل نقيبًا للأدباء حتى لقي ربه.
- ألف «1000 قصة»، طبع منها في حياته مائتي قصة، ونشر خليفته، وحامل لواء تراثه ابنه الأديب رشاد كيلاني أكثر من «خمسين قصة» وما زال يواصل النشر.
يقول عن نفسه.. ألفت أول قصة وأنا تلميذ بالابتدائي عام 1908م، وهي قصة «الملك والنجار»، حيث فكرت في قصص الأطفال منذ كنت صبيًّا صغيرًا، حيث كنت أضيق بكتب المطالعة المشحونة بالعظة والإرشاد، البعيدة عن فهم الأطفال ومداركهم»، وإذا كانت كتب الكيلاني وقصصه تعتبر جسرًا إلى اللغة الفصحى، فهي أيضًا جسر إلى اللغات الأجنبية، فقد نشر عدد منها مزدوج اللغة: العربية مع الإنجليزية أو الفرنسية أو الألمانية أو الإسبانية، فعلم النشء كيف يقرأ باللغات الأجنبية، كما عرف النشء في البلاد الأجنبية بآدابنا ولغتنا.
تعريب وتأديب:
ويرى الأستاذ عبد التواب يُوسُف أن الجميل في قصص الكيلاني أنها لا تصور الحياة للأطفال كوهم رهيب، أو خرافة كاذبة، بل تصورها صورة جميلة عادية، مع تأكيدها انتصار الخير الفضيلة، حتى تكسب القارئ ثقة في ثمرة الكفاح.. وأن الخير لا ينتصر إلا بعد عقبات وصراع وكفاح.
كذلك عرف الكيلاني ناشئتنا بنماذج الآداب الأجنبية، كما في سلسلة قصص «شكسبير» أو القصص الهندي أو الأمريكي.. إنها آداب تخلق للأطفال دنيا جميلة حافلة، يعيشون فيها في بهجة وحب استطلاع في عالم من المعرفة والثقافة لا ينتهي.. يؤمن من خلاله أن الأديب له مهمة بنائية جليلة، وأن عمله عمل نافع.. يلخص ذلك شعاره الذي ظل طواله حياته يمثل بشارة له:
أنفع الناس وحسبي *** أنني أحيا لأنفع
أنفع الناس ومالي *** غير نفع الناس مطمع
قال عنه «أحمد شوقي» أمير الشعراء: «كامل كيلاني كعقرب الثواني، قصير ولكنه سريع الخطى، منتج يأتي بدقائق الأمور»، قفز مرة واحدة إلى أدب الأطفال، بعد أن أنفق صدرًا من حياته، وأرسى إمكاناته الفكرية في فنون الأدب وضروبه.
وكتب محمد البشير الإبراهيمي عام 1956م: كتب كامل كيلان لطفل العجم تعريب، ولطفل العرب تدريب، ولهما معًا تسهيل للتلاقي وتقريب، وأكبر حسناتها أنها ترقي الذوق، وتنبه الإحساس، وشر آثار التربية السيئة في الطفل عثر الذوق وبلادة الإحساس.
ويرى الأستاذ عبد التواب يُوسُف أن «الكيلاني» قام بمجهوده على منهج أصيل يتخلص في:
- تشويق الطفل وتحبيبه في الكتاب.
- تجنيبه الخطأين: اللفظي والمعنوي.
- التدرج به من مستوى لآخر.
- محاولة تكوين ثقافة موسوعية للأطفال.
- الإيمان برسالة الثقافة العالمية من منطلق عربي وإسلامي.
وكان يحارب اللهجة العامية بكل ما يستطيع، بل حمل كثيرًا من أدباء عصره على الإقلاع عن العامية تمامًا كمحمود تيمور على سبيل المثال.
ولقد جمع الكيلاني- رحمه الله- في قلمه وفكره ثقة العالم العميق، وموهبة الأديب الرشيق، يلخص ذلك ما ذهب هو إليه حين وصف نفسه قائلًا: والله ما أعرف لنفسي محمدة غير أني طالب مجد، دائب التحصيل، يسأل نفسه كل يوم: ماذا أخذت؟
ندوة كامل كيلاني.. عروبة وإسلام
أما عن ندوة كامل كيلاني.. فيقول الأستاذ أنور الجندي.. هي ندوة الأدب الخالص.. والعروبة الكريمية.. والإسلام الرائق.. ولقد رأيت من روادها.. «أمين الحسيني» المجاهد الفلسطيني الكبير، وفؤاد شيرين وزير الأوقاف المصري في ذلك العهد، وعلي ماهر السياسي البارز، وأحمد حلمي، كما رأيت شوقي، ومطران.. وداود بركات، وأحمد زكي شيخ العروبة، والدكتور شهبندر، وصادق عنبر، والدكتور عبد الكريم جربماتوس المستشرق الشهير.. وفارس الخوري، وسامي العظم، والبشير الإبراهيمي، وناصر الدين الأسد، وعلى بساطها تلاقي أحمد زكي أبو شادي، ووديع فلسطين، وسيد قطب.
لقد كانت ندوة الكيلاني دائرة مستديرة لقضايا العروبة والوطنية والإسلام.
- ولكن يتبقى في الحلق بعض المرارة، أن هذه الاحتفالية الكبيرة لم تتعرض لأعظم أعمال «كامل كيلاني» على الإطلاق.. ألا وهي السيرة النبوية للأطفال.. هذا العمل الرائد الذي قدم فيه الكيلاني سيرة المصطفى- صلى الله عليه وسلم- للأطفال لأول مرة في تاريخ كتابة السيرة، ربما كان ذلك اتجاهًا مقصودًا من المجلس الأعلى المصري للثقافة الذي تأخذ احتفالاته بعدًا علمانيًّا محددًا، في ظل حملات التنوير الواسعة التي يكرس المجلس كل أنشطته لها.
مما أهملته الوثائق والبيانات الوضعية.. الحق الأول من حقوق الإنسان (2 من 2)
القوى العاملة في الفطرة
بقلم: د. عدنان علي رضا النحوي
● عندما تنحرف الفطرة لا يكون الري متوازنًا فتنمو بعض القوى والغرائز والميول على حساب غيرها فيختل الأداء ويضطرب.
● الحياء مغروس في فطرة المرأة لحمايتها من الفتنة فإذا فسدت الفطرة فقدت المرأة حياءها وانزلقت في الرذيلة وجاهرت بها.
في الحلقة السابقة تناول د. النحوي حماية الفطرة ورعايتها، ويستكمل اليوم موضوعه حول الحق الأول من حقوق الإنسان بالحديث عن بقية القوى العاملة في الفطرة.
5- ولادة العطاء المتميز من القوى العاملة في الفطرة:
فهذا العطاء المتميز تطلقه عدة قوى تعمل في داخل الإنسان، في ذاته، في فطرته التي هي مستودع القوى، وأهم هذه القوى التي تعمل على إطلاقه قوتان في الإنسان، طاقتان في فطرته، هما قوى الفكر والتحليل والتدبر، ولنسميها قوة «الفكر»، والأخرى هي قوة «العاطفة»، وتعمل هاتان القوتان معًا في آن واحد، مع اختلاف في قوة هذه وقوة تلك مع هذا العطاء أو ذاك، ولكن لا يمكن أن تنعدم أي منهما في أي عطاء مبدع، وربما كان هنالك قوى أخرى لا نعلمها!.
ومع مسيرة الإنسان في الحياة ينال تجارِب وخبرة وزادًا من مختلف العلوم، وتمر هذه التجارِب وهذا الزاد على مصفاة الإيمان والتوحيد ما دامت النية تعمل خالصة لله، وما دام الإيمان والتوحيد يعمل في الفطرة السليمة، حتى إذا صفا هذا الزاد من التجارب والعلوم، توجه ليترك على كل قوة من القوتين- الفكر والعاطفة- شحنات تغذيهما، ومع مسيرة الحياة يظل الواقع يمد هاتين القوتين بهذه الشحنات، فكان القوتين قطبان كهربائيان تتجمع عليهما الشحنات الكهربائية، على حكمة لله غالبة، وسنن الله ماضية، قد نعلم بعضها ونجهل بعضها الآخر، حتى تأتي اللحظة المناسبة على قدر غالب من الله، وحتى تنمو الشحنات نموًّا يجعلها قابلة للتفاعل، وحين تظل النية تعمل عملها بفتح نبع الإيمان والتوحيد ومصفاتهما، وحين يظل هذا النبع الغني الطاهر يروي الفكر والعاطفة وما عليهما من شحنات، ويروي الزاد والتجارب ويصفيهما، ويروي الموهبة، ليظل عمل جميع هذه القوى في ساحة التقوى، حين يحدث هذا كله وتأتي اللحظة المناسبة على قدر غالب من الله، تأتي الموهبة المروية بالإيمان، فتطلق التفاعل بين القطبين، وما عليهما من شحنات، وينطلق من هذا التفاعل ومضة الإبداع، تحمل العطاء الإيماني المتميز، عطاء غنيًّا على قدر غني الفكر والعاطفة، والإيمان والتوحيد، والزاد وشحناته، وعلى قدر غني الموهبة أيضًا، إن هذه العوامل كلها تعمل في ذات الإنسان، في داخله، في فطرته، ليقدم الإنسان عطاءه، ويكون الإنسان مؤمنًا، وعطاؤه عطاء إيمانيًّا ما دامت الفطرة سليمة سوية لم تنحرف.
وقد يحث أن تنحرف الفطرة، أو يضعف الإيمان، فلا يكون الري متوازنًا، فتنمو بعض القرى والغرائز والميول على حساب غيرها، فيختل الأداء ويضطرب، ويدخل بعضه أو كله في ميدان الفجور.
وقد نجد في واقع الحياة عملًا يبدو لنا في ظاهرة طيبًا مع فساد صاحبه أو انحرافه أو كفره وضلاله، أما عمل الكافر الملحد فقد بين الله ورسوله لنا أمره، فمهما حمل من زينة وزخرف فهو مرفوض عند الله: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ (الفرقان: 23).
وحين سألت عائشة- رضي الله عنها- رسول الله- صلى الله عليه وسلم- عن عبد الله بن جدعان، وهل يقبل عمله، وقد كان يصل الرحم ويقري الضيف؟ فقال: «لا.. إنه يصل الرحم ويقري الضيف؟ فقال: «لا إنه لم يقل قط اللهم اغفر لي يوم الدين»[4]، وقد يحدث أن يصدر عمل طيب في ظاهره من رجل منحرف تختلف درجة الانحراف من إنسان إلى إنسان، ويتساءل الناس كيف يصدر هذا العمل من هذا الرجل؟.
ومن خلال ما عرضناه عن الفطرة نرى أنه من الممكن أن يصدر عمل طيب- كما يبدو لنا- من رجل نظن أنه ليس أهلًا لهذا العمل، فيكون هذا العمل من أثر البقية الباقية من فطرته التي انحرفت أو شوهت، فيبقى جزؤها يعمل فيها، فتصدر بعد ذلك بعض الأعمال التي تبدو لنا في ظاهرة طيبة، والله أعلم بخلقه وحسابهم على الله.
6- حماية الفطرة ورعايتها وسبيل الإسلام إلى ذلك:
من هذا العرض السريع الموجز لأهمية الفطرة ولخطورة دورها في حياة الإنسان، ندرك أهمية حمايتها وصونها من أن تتعرض للانحراف أو التشويه.
والفطرة ليست «عضلة» في جسم الإنسان، ولا هي مادة ذات شكل وحجم ووزن وموضع محدد في الجسم، إنها أمر من عند الله أعلمنا بها سبحانه وتعالى، إنها مجموعة قدرات وطاقات، وغرائز وميول ورغبات، أودعها الله في كيان الإنسان، تتفاعل مع أجهزة الجسم: من قلب، ودماغ، وجهاز عصبي، وغير ذلك مما لا يعلمه إلا الله.
ومن هذا التصور أيضًا ندرك مدى امتداد أهميتها في كيان الإنسان، وهي تتفاعل وتؤثر وتتأثر بأجهزة الإنسان المختلفة على سنن الله ماضية وحكمة بالغة.
ومهما كان التصور فإنه يقودنا في النهاية إلى أهمية الفطرة البالغة وخطورة دورها، ففيها أودع الله الحقيقة الكبرى في الكون والحياة، قضية الإيمان والتوحيد، ومنها ينطلق عطاء الإنسان مرويًّا بنبع الإيمان غنيًّا به، أو جافًا منحرفًا.
من هذا التصور ينطلق الأدب الملتزم بالإسلام بتميزه الفكري والإيماني والفني على قدر الإيمان والموهبة والزاد، ومن هذا التصور يخرج العطاء المتميز كله من علم وفن وصناعة وغير ذلك.
ولذلك كانت القوى التي أودعها الله فطرة الإنسان تقرر مصيره في الدنيا والآخرة.. وهل هناك أخطر من ذلك؟!.
ولذلك كانت حماية الفطرة هي الحق الأول للإنسان في هذه الحياة الدنيا، فإن لم يعرف هذا الحق تعطلت سائر الحقوق، أو انحرفت، أو تشوهت، فدخلها الظلم والفتنة والفساد، وتعطلت المسؤوليات كذلك.
وإذا كانت حماية الفطرة حقًا لكل إنسان، بل هي الحق الأول والأكبر، فإنها في الوقت نفسه مسؤولية الأمة بكل مستوياتها ومؤسساتها وقوانينها، ابتداء من الأسرة والبيت والوالدين، وانتهاء بالدولة ورجالها، ومرورًا بالمعاهد والجامعات وسائر المراكز.
ستختلف القوانين كثيرًا حين يحرص واضعوها على حماية الفطرة، أو حين لا يحرصون على ذلك، لذلك جاءت الشريعة الإسلامية حريصة كل الحرص على حماية الفطرة من أن تلوث بالآثام والمعاصي والجرائم، حرصت على ذلك في بناء الأسرة ورابطها ونظامها، وحرصت على ذلك في تنظيم العلاقة بين الرجل والمرأة، ومنع الاختلاط الذي يفسد الفطرة، ويدفع إلى الفجور، وحرصت على ذلك في تربية الفتاة خلقًا ودينًا وعلمًا ولباسًا، حتى تحفظ على الفتاة سلامة فطرتها، ألا ترى الحياء مغروسًا في فطرة الفتاة، في فطرتها السلمية حتى يكاد يكون سلاحًا يحميها من الفتنة، فإذا فسدت الفطرة فقدت الفتاة حياءها وانزلقت في الرذيلة، وجاهرت بها، وكذلك حرص الإسلام على حماية فطرة الفتى وحماية ما أودع الله فيه من قوى، لتؤدي كل قوة ما خلقت له.
لقد جاء الإسلام بتشريعات كاملة تهدف إلى تحقيق هذه الحماية والرعاية، فهو يحرص على الإنسان وسلامة فطرته قبل الزواج، فسن للزواج تشريعًا كريمًا دقيقًا، فحرم زواج المسلم أو المسلمة من مشرك أو كافر، وجعل الإسلام أساس علاقة الزوجين، وأباح زواج الرجل المسلم من الكتابية ما دام الرجل صادقًا في دينه عارفًا بمسؤولياته وحقوقه، يدرك أن من أهم مسؤولياته الدعوة إلى الله ورسوله، إلى الإيمان والتوحيد.. فإن كان كذلك فهو أول ما يكون داعية في بيته، ولا يختار الكتابية إلا عن علم وبينة ليطمئن أنه سيوفي بعهده مع الله في أداء واجبات الرسالة الربانية، وأنه لن يترك منفذًا لانحراف أو فتنة، وإنا هنا نأخذ قبسات ليعود المسلم إلى الكتاب والسنة فيجد التفصيل البين المعجز: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ (البقرة: 221).
وحرم الإسلام زواج الأمهات، والبنات، والأخوات، والعمات، والخالات، وبنات الأخ، وبنات الأخت، والأمهات اللاتي أرضعن الرجل، وأخواته من الرضاعة، وأمهات الزوجات، والربائب اللواتي في الحجور من النساء اللاتي دخل الرجل بهن، وحلائل الأبناء الذين من الأصلاب، كما حرم الجمع بين الأختين، ولا بين المرأة وعمتها، ولا بين المرأة وخالتها.
وعن عائشة- رضي الله عنها- عن النبي- صلى الله عليه وسلم: «يرحم من الرضاعة ما يحرم من الولادة» "رواه الخمسة"[5].
وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: «تنكح المرأة لأربع: لمالها، ولحسبها، ولجمالها، ولدينها، فأظفر بذات الدين تربت يداك» "رواه الخمسة".
فالدين هو الأبعد أثرًا في حماية فطرة المولود ورعايته بعد ولادته.
وكذلك عن أبي حاتم المزني عن النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه، إلا تفعلوه تكن في الأرض فتنة وفساد كبير»، قالوا يا رسول الله! وإن كان فيه؟ قال: «إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه» أعادها ثلاث مرات، "رواه الترمذي"[6].
وعن عائشة- رضي الله عنها- عن النبي محمد صلى الله عليه وسلم: «تخيروا لنطفكم فانحكوا الأكْفاء وأنكحوهم» "رواه ابن ماجه والحاكم في مستدركه، والبيهقي في السنن"[7]، والكفاءة هي الدين والخلق.
وعن معقل بن يسار عن النبي صلى الله عليه وسلم: «تزوجوا الودود الولود، فإني مكاثر بكم» "رواه أبو داود والنسائي"[8](6).
وعن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم: «تزوجو الأبكار، فإنهن أعذب أفواهًا، وأنتق أرحامًا، وأرضى باليسير» "رواه الطبراني في الكبير"[9](7).
وقواعد أخرى كثيرة جاء بها الإسلام لرعاية الزواج مما يعين على حماية الفطرة ورعايتها.
هذا قبل الزواج، ثم بعد الزواج حدد الإسلام حقوق الزوجة وحقوق الزوج وآداب الأسرة تنظيمًا وتحديدًا كاملًا، حتى يكون بيت الزوجية سكنًا ترعى فيه الفطرة وتصان.
فقد جعل الإسلام للولد حقوقًا على أبيه، نذكر أهمها: أن يحسن اختيار أمه، وأن يحسن اختيار اسمه، وأن يعلمه، وأول العلم كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وفي واقعنا اليوم تدخل اللغة العربية وتعلمها حقًا للولد على أبيه وأمه.
لقد جعل الله البيت سكنًا تسكن فيه الأسرة كلها، تسكن نفوسها في جو من التراحم كريم، وفي جو من البر والتعهد.
﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ﴾ (النحل: 72).
﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا... ﴾ (النحل: 80).
وكذلك: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (الروم: 21).
مع الفطرة السوية السليمة يتحقق السكن في جو الأسرة، وتتحقق المودة والرحمة، والبر، وتتصل الأرحام، وتتواصل، أما حين تفسد الفطرة، فإن الأسرة تتمزق، وروابطها تتقطع، والأرحام كلها تتفرق، ويذهب السكن والبر والرحمة: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾ (محمد: 22).
السكن والرحمة والبر وصلة الرحم تنشأ مع الفطرة السليمة في عبق الإيمان والتوحيد، في رعاية الإسلام وتشريعه، لتقوم حقوق الإنسان سليمة نقية، حقوق الجميع، جميع أفراد الأسرة، وجميع أسر المجتمع، وجميع مؤسساته ومستوياته.
أما في حقوق الإنسان خارج الإسلام كما هي في الغرب، حيث تولى الناس عن الإيمان والإسلام، فهناك تتقطع الأرحام، ويذهب السكن والبر والرحمة، كما نجدها في حضارة الغرب وقوانينه مع رعايتهم للفاحشة والفتنة والفساد.
من هنا، ومن هذا الحق الأول والأخطر للإنسان- حق حماية فطرته- تنطلق سائر الحقوق والمسؤوليات، وتترابط الحقوق والمسؤوليات، من خلال فطرة سوية سليمة قادرة على استقبال رسالة الله وتدبرها والإيمان بها، والخضوع لها والتزامها، رسالة الله التي ختمت بمحمد- صلى الله عليه وسلم- ليبلغها للناس كافة، للعالمين، رحمة من عند الله، إنها منهاج الله، قرآنًا، وسنة، ولغة عربية.
حين ندرك هذه الخطوة لحماية الفطرة ستتغير أسس التربية والبناء، وقواعد الإعداد والتدريب، سيختلف النظام الاجتماعي، وستنتظم العلاقات بين الأفراد، وبين الشعوب، لتخضع كلها إلى منهاج رباني معجز، فيه وحده نجاة الإنسان في الدنيا والآخرة، وبه وحده الحقوق الكاملة والمسؤوليات الكاملة للإنسان، وهو البيان العالمي الحق المتكامل لحقوق الإنسان.
فعسى أن يعي المسلمون ذلك، ويعيه الدعاة، لتستقر الدعوة الإسلامية على أسس ربانية ثابتة، ولتلتقي القلوب المؤمنة صادقة مع ربها، وفيه لعهدها، صفًا واحدًا كالبنيان المرصوص، تجمعها الفطرة النقية السوية السليمة.
ولا تقف القضية عند حد الحماية والصون، ولكنها كذلك تمتد إلى الرعاية المستمرة خلال الرضاعة والطفولة والفتوة والصبا، وخلال مراحل الحياة كلها ليظل الإنسان في جو طاهر نظيف، ولتظل الفطرة على سلامتها، توفي بمسؤولياتها وتنال حقوقها.
[1] -أثارت ذلك جريدة «المسلمون» في أعداد متتالية منذ مدة ولم نزل.
[2] -أشادت بالرابطة ومجلتها المجتمع في مناسبات عدة.
[3] -عرفت المجتمع بمنشورات أعضاء الرابطة، لأنها المنبر الكبير للأدب الإسلامي، كما وصفها د. عبد القدوس أبو صالح- نائب رئيس الرابطة- في مقابلة مع «المسلمون»!.
[4] - أحمد: المسند: 6/120.
[5] -صحيح الجامع الصغير: ط3، جـ3، ص 327، حديث 7894.
[6] - المصدر السابق: جـ1، ص 134، حديث 267.
[7] -المصدر السابق: جـ3، ص 27، حديث 2925.
[8] -المصدر السابق: جـ3، ص 40، حديث 2937.
[9] - المصدر السابق: جـ3، ص 40، حديث 2936.