العنوان كتاب الأرائك
الكاتب مبارك عبد الله
تاريخ النشر السبت 23-يونيو-2007
مشاهدات 61
نشر في العدد 1757
نشر في الصفحة 46
السبت 23-يونيو-2007
كتاب الأرائك
خباب بن مروان الحمد
يُحسن بعض المثقفين والمفكرين تشخيص الداء، ووصف الخطر الداهم على الأمة المسلمة، ومن ثم يخرجون بمجموعة توصيات للمخاطبين أو المتلقين، ولكن المتابع لبعض المثقفين يرى أن طروحاتهم الفكرية، لا تتناسب مع دورهم المفترض في مسار الدعاة والمفكرين.
إن بعض المقالات والخطب والكتب تنجح في التوصيف الدقيق للأخطاء أو الممارسات المنتقدة في الواقع الإسلامي، إلا أنه ينقصها النظرة التربوية التي تعنى بدراسة الحلول الأفضل.
حاجة الوعي إلى الإرادة: إن كثيرًا من المثقفين والدعاة لا ينقصهم الوعي بقدر ما ينقصهم امتلاك الإرادة في تحويل أفكارهم إلى واقع حي، فنحن بحاجة إلى أن نفعل ما نقول، فما احترق لسان بقوله نار وما اغتني إنسان بقوله ألف دينار.
إن داء الكلام والتنظير بلا عمل وتطبيق أمر خطير، ولهذا لا يستغرب أن تجد أكثر من يكثر الكلام لا يحسن العمل، وصدق الحسن البصري، إذ قال: «إن هؤلاء ملوا العبادة، ووجدوا الكلام أسهل عليهم، وقل ورعهم فتحدثوا»، وقال الأوزاعي: «إن المؤمن يقول قليلًا ويعمل كثيرًا، وإن المنافق يتكلم كثيرًا ويعمل قليلًا».
وعليه فما أحسن الخطاب إذا كان مذيلًا بعرض المشكلة، وتقديم علاجها الناجع الذي يرسم طريق النهضة الإصلاحية بنظرة واقعية عملية، ومن ثم الربط بين ذلك وبين من يبتدئ التنفيذ والتخطيط، مع الإشراف على تلك البرامج، أما أن نظل نكرر ونعيد المشكلة وخطر المشكلة من دون رسم لحلولها والشروع في تطبيقها، فإن هذا الخلل في ظني من الضروري بمكان أن يعاد النظر في آليته حتى لا نكون جزءًا من المشكلة.
فالأفضل أن نخرج من هذه البوتقة الضيقة إلى الدائرة الأوسع دائرة الحلول العملية الواقعية.
إن دور ووظيفة رواد الإصلاح، وقادة النهضة التوعوية من العلماء والمفكرين والدعاة إبراز المشكلة ومآسيها، بالتزامن مع عرض السبل الصحيحة لحلها.
إن أمتنا اليوم تعاني في الحقيقة من قلة وجود المنظرين والمفكرين العاملين في الواقع، والمتميزين في إيقاظ الهمم بالطرق العملية، وبالنماذج الباذلة لنفسها، وغير المتقوقعة حول كينونتها.
وإن من المفيد والجيد أن نقرأ تجارب الدعاة والمفكرين العمليين، ولعلي أقتصر بالتمثيل على تجربة الإمام عبد الحميد بن باديس -رحمه الله- حيث باشر تأسيس المدارس، وتولّى بنفسه مهمة التعليم، وركز على تعليم الكبار، بفتح مدارس خاصة بهم لمحو الأمية، كما اهتم بالمرأة من خلال المطالبة بتعليم الفتيات، فأنشأ أول مدرسة خاصة للبنات بقسنطينة سنة ١٩١٨، واعتبر تعليم المرأة من شروط نهضة المجتمع، لكن تعليم المرأة لا يعني تجاوز الأخلاق الإسلامية، ومن ثم فقد وسع ابن باديس نشاطه ليفتتح عدة مدارس في جهات مختلفة من الوطن بالتعاون مع عدد من شيوخ الإصلاح أمثال الشيخ محمد البشير الإبراهيمي وغيره، كما ساهم في فتح النوادي الثقافية مثل نادي الترقي والإصلاح بالعاصمة.
حتى لا نبقى في حيز التنظير
حتى لا يكون كلامي كذلك تنظيريًا فإنَّ هناك عدة مقترحات لعلها تسهم في التأكيد على الحذر من الإبقاء على طريقة يجب ويلزم وأهمية بناء سواعد العمل وبناء أسس التطبيق:
مخالطة الناس والشعور بشعورهم ومعايشة أوضاعهم، وهذا من سنن الأنبياء والمرسلين، ولقد ظن مشركو قريش أن الرسول يجب أن يكون متقوقعًا على نفسه، ولهذا استغربوا معايشته لوضع الناس وأحوالهم، والدخول في أماكن بيعهم وشرائهم: ﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾ (الفرقان: 7) ولهذا فمن صفة الرجل الذي يسعى لبناء منهج تغييري رصين أن يسند قوله بعمله، وكلامه بتطبيقه، وإلزامه للناس بسبقهم إلى الفعل.
تفعيل جانب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والانخراط في واقع الناس، وتوجيههم وخدمتهم والسعي في مصالحهم وما هم بحاجة إليه، وقد جاء في الحديث: «لأن أمشي مع أخي المسلم في حاجة أحب إليَّ من أن أعتكف في المسجد شهرًا». أخرجه الطبراني وحسنه الألباني في صحيح الجامع برقم (١٧٦).
تحويل الحدث المأساوي إلى صياغة عملية موفقة، وقد سلكه رسول الهدى -صلى الله عليه وسلم- فقد قال: «لأن يغدو أحدكم فيحتطب على ظهره فيتصدق به، ويستغني به عن الناس- خير له من أن يسأل رجلًا أعطاه أو منعه؛ ذلك بأن اليد العليا خير من اليد السفلى» أخرجه مسلم.
تجربة عملية: وحين جاءه رجل يطلب منه -عليه الصلاة والسلام- مالًا، ويشكو إليه داء الفقر وقلة ذات اليد صنع -عليه السلام- موقفًا إيجابيًا، وحول فيه النقمة إلى نعمة، فعن أنس بن مالك أن رجلًا من الأنصار أتى النبي -صلى الله عليه وسلم- يسأله فقال: «أما في بيتك شيء»؟ قال: بلى جلس (الحلس: كساء يوضع على ظهر البعير) نلبس بعضه ونبسط بعضه، وقعب نشرب فيه الماء.
قال: «ائتني بهما» فأتاه بهما، فأخذهما رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وقال: «من يشتري هذين»؟ قال رجل: أنا آخذهما بدرهم وقال: «من يزيد على درهم»؟ مرتين أو ثلاثًا، قال رجل: أنا آخذهما بدرهمين، فأعطاهما إياه، وأخذ الدرهمين وأعطاهما الأنصاري وقال: «اشتر بأحدهما طعامًا وانبذه إلى أهلك، واشتر بالآخر قدومًا فائتني به»، فشد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عودًا بيده، ثم قال له: اذهب فاحتطب وبع، ولا أرينك خمسة عشر يومًا»، فذهب الرجل يحتطب ويبيع، فجاء وقد أصاب عشر دراهم، فاشترى ببعضها ثوبًا وببعضها طعامًا، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «هذا خير لك من أن تجيء المسألة نكتة في وجهك يوم القيامة».
فهو هنا -عليه الصلاة والسلام- صنع له البديل الأفضل، والطريقة الأمثل لعلاج ما به من فقر وفاقة، وكما يقول المثل الدارج: «لا تطعمني كل يوم سمكة، ولكن علمني كيف أصطاد».