العنوان كفاح الشعب الجزائري.. دور جمعية علماء المسلمين الجزائريين
الكاتب أحمد لطفي عبد اللطيف
تاريخ النشر الثلاثاء 27-مارس-1973
مشاهدات 81
نشر في العدد 143
نشر في الصفحة 15
الثلاثاء 27-مارس-1973
كفاح الشعب الجزائري
دور جمعية علماء المسلمين الجزائريين
الجزء الثاني من المحاضرة التي ألقاها الأستاذ: سعيد الصالحي وعلى رأسهم ابن باديس يجاهدون لإيقاظ المسلمين
جاءت الحرب العالمية الأولى فتبدت في الأفق آمال لعل فرنسا تنكسر ولعل ولعل وما أن انتهت حتى تبددت الأحلام لكن ﴿وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ۗ﴾ (البقرة: 216) فلقد ترك دوي المدافع وأزيز الطائرات وويلات الحرب في آذان الناس أصداء سرعان ما تحول كل ذلك إلى إرهاصات.
فبرزت بعض الشخصيات التي تعلمت في الشرق العربي أو بالزيتونة وأوربا أو بالوطن على مسرح الحوادث وتكونت بعض الجرائد بالعربية والفرنسية تحفز الهمم وتدعو الناس لنفض غبار الكسل والدعوة إلى الإقبال على العلم وتربية النشء على الأخلاق الفاضلة ﴿إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (الرعد: 11)، وفتحت نافذة صغيرة لحرية الكلام، فأسس المصلح الكبير الزعيم الروحي السياسي المحنك الشيخ عبد الحميد بن باديس جريدة المنتقد وسرعان ما صودرت من طرف الاستعمار، غير الاسم إلى الشهاب وبقي المسمى، وتبعتها صدى الصحراء، والإصلاح، وغير ذلك فكانت ترسل شظاياها على المستعمرين والتوجيهات للغافلين من أبناء الأمة فتجدد في الشعب روح الأمل وأقبل الناس على قراءتها بنهم وارتياح، فكان نصيبها التعطيل تارة والسماح لها بالصدور تارة أخرى، كما صدرت عدة جرائد بالفرنسية انتقادية للوضع والتنديد بالظلم السافر والدعوة إلى التكتل منها: الإقدام والتقدم، والوطن.
دامت هذه الحالة حتى سنة (۱۹۳۰) م فكان تمام القرن للاحتلال الفرنسي للجزائر حيث أقاموا بمناسبتها احتفالات كبيرة في سائر المدن الجزائرية.
أيها السادة أتدرون كيف احتفلوا؟ أنهم احتفلوا بالرقص والخمور والفجور. فمن أين يبدأون احتفالاتهم؟ لا يبدأون بالعاصمة التي احتلوها أول ما احتلوا، ولكن يبدأون بقرية «سيدي عقبة رضي الله عنه» بالصحراء حيث ضريح سيدي عقبة بن نافع الفهري الصحابي الجليل الذي فتح أفريقيا للإسلام والذي قال عندما وقف على المحيط الأطلسي بالمغرب الأقصى طبنجة: «اللهم اشهد أني بلغت ولولا هذا البحر لمضيت بدأت حيث مدفنه ومدفن أكثر من ثلاثمائة صحابي جليل استشهدوا في معركة هناك إبان الفتح الإسلامي لأفريقيا الشمالية في كمين نصب لهم عند رجوعهم إلى القيروان ثم احتفلوا بعد ذلك بالعاصمة. فبماذا يحتفلون يا ترى؟
إنهم جاءوا بأفواج من أيتام المسلمين كانوا التقطوهم بعد المعارك الثورية والمجاعات العامة، فكانوا يجوبون المدن الرئيسية بالأناشيد الدينية المسيحية، ومن أغرب ما يسمع أن يخطب خطيبهم بأن اليوم تم احتلال الجزائر وأنها فرنسية إلى الأبد وإننا ما جئنا اليوم للاحتفال بمرور القرن على تمدين هذا القطر وإنما جئنا لدفن الإسلام- استغفر الله- استغرب صدور هذا من هؤلاء القساة الغلاظ؟ فهم كما قال المثل العربي «شنشنة أعرفها من أخزم» فهذا ضابط كبير منهم القائد «قورو» لما احتل دمشق وقف على قبر صلاح الدين -رحمه الله- وقال: «قم صلاح الدين فها قد رجعنا» وهذا ابن عمهم السكسوني «اللورد اللمبي» لما احتل فلسطين والقدس في الحرب العالمية الأولى قال «الآن انتهت الحروب الصليبية» وصدق المثل العربي إذ يقول «ومن يشابه أباه فما ظلم» فهذا الظلم السافر لشعب عربي مسلم وهذا التحدي الفاضح لله والرسول أيقظ الهمم الغافلة والنفوس الراكدة لما يبيت لها من المسخ والكفر والإبادة فلم تمض بضعة أشهر حتى تكونت جمعية العلماء المسلمين الجزائريين شعارها: الإسلام ديننا والعربية لغتنا والجزائر وطننا، وهنا من الواجب أن يطرح سؤال: ما هي جمعية العلماء: وما هي أهدافها: ما هي الوسائل المعدة لتنفيذ برنامجها وتحقيق آمالها.
إن الجمعية قد قسمت أعمالها على مراحل ثلاث حسب الظروف التقيد في البداية والصراحة في النهاية. فهي ما لم تبدأ بالثورة الفكرية فلا يمكن أن تنجح الثورة المسلحة، أما جمعية العلماء كمؤسسة فتتفق جميع المراحل في هذا الجواب: إنها شلة من العلماء الأحرار شاهدوا ما وصلت إليه أمتهم من الانحطاط الفكري والأخلاقي وتفكك الروابط بينهم بسبب الضربات المتوالية عليهم من طرف الاستعمار وما خالط وعشش في عقائدهم وأدمغتهم من الأوهام والخرافات وما يبذره في أفكارهم بعض المشعوذين من أن هذا.
الفرنسيون يقولون: جئنا لطمس الإسلام!!
... من الكفار قدرة الله ووقع عليه ... الأولياء والصالحين، وأن خروج ... من الوطن سيأتي عفوا بأمر ... يجمع عليه الأولياء، فأخذوا ... الأرض بعد طول الكفاح واستسلموا ... لهذا اليوم السعيد بدون ما ...
... هؤلاء العلماء فقد قدروا ... الملقاة على عاتقهم وأن رسول الله... عليه السلام قال «الدين النصيحة».. وقال أيضا «لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر».. وغير ذلك من الأحاديث. ولما لم يأت بالثمرة المرجوة... واحد منهم بمفرده في ناحيته، ... الواجب أن تتضافر الجهود ... الصفوف كما أمر الحكيم العليم ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ )آل عمران: 103) وكما قال الشاعر...:
جميعا يا بني إذا اعترى
... ولا تتفرقوا آحادا
... الرماح إذا اجتمعن تكسرا
وإذا افترقن تحطمت أفرادا
... أهداف الجمعية فأولا تصحيح ... قبل كل شيء ونبذ الخرافات.. يتجهوا لربهم ولربهم وحده ... له فيعتصمون به ويستمدون ... منه ويلتجئون إليه في المدلهمات ... الله العظيم إذ يقول: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ (النمل: 62).
ثانيا: محاربة البدع التي عششت ... كثير من الناس وبتشجيع الاستعمار وأذنابه حتى بعدوا عن ... الذي جاء به رسول الله عليه السلام.
ثالثا: بث الروح وتقوية الآمال في ... المسلمين ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ (الأنفال: 24)
رابعا: تذكيرهم بمجد آبائهم ... للسير على منهاجهم.
خامسا: تصحيح الأخطاء التي ... بها الإسرائيليات والشعوبية ... الإسلام الطاهر وتاريخ المسلمين ...، والدعوة إلى الرجوع إلى ... الصافي كتاب الله وسنة رسوله.
سادسا: نشر اللغة العربية وآدابها ... أساليب التعليم.
... الوسائل التي اعتمدت عليها في ... أهدافها فهي أولا وقبل كل شيء ... على الله الواحد القهار والاعتصام بحبله المتين والسعي لتوحيد الكلمة والإصلاح بين الناس ... كل اصطدام في البداية بالحكومة ... على الجمعية قبل أن تستقيم وتتهيأ نفوسهم لكل تضحية.
في سبيل الله. وقد أعلنت في البداية عند التأسيس بأنها لا تحمل عداء للحكومة وأنها تريد العدل فقط بين المتساكنين على اختلاف أجناسهم ومذاهبهم وأنها تريد لغتها بجنب الفرنسية وأن يتحرر دينها كما تحررت المسيحية واليهودية.
هذا هو المسلك الذي سلكته في مرحلتها الأولى.
وأما الأعضاء فهم على أصناف ثلاثة:
إداريون ينتخبون وينتخبون، عاملون ينتخبون ومؤيدون لا ينتخبون ولا ينتخبون.
والآن لا بد أن نشير باختصار ما هو موقف الأمة والحكومة نحوها؟ أما موقف الأمة فقد قابلتها بحماس منقطع النظير إذ لم يمر عام حتى تكونت للجمعية فروع وشعب للجمعية فروع وشعب في كثير من المدن والقرى ودخل العدد العديد في الاشتراك فيها.
أما الحكومة فكعادتها ظنتها سحابة صيف لا تلبث أن تنقشع فلا ينبغي أن تتعرض لها لئلا يتحمس الناس لها فتزيد للنار زيتا، وإنما كانت تبث الجواسيس هنا وهنالك ليتتبعوا خطى البارزين منها ولينقل ما يقال في دروسهم. ولكن لما رأت ما كانوا بعيدين عن الدين لما رأوه مشوها بالأوهام التي لا يقبلها العقل السليم، رجفوا إلى حظيرته لما سمعوا الدين الصحيح الذي لا يصطدم بالعقل ولا يناقض العلم. فلما رأت فرنسا هذا الحماس المتزايد والإقبال على دروس الوعظ وفتح المدارس والأندية شمرت عن ساعدها (وعادت لميس إلى عترها) لإيقاف هذا التيار الجارف بمكرها ومكائدها وجهود قرن كامل من الزمان الذي أنفقت فيه الملايين على فرنسة الجزائر وتمسيحها ومسخها.
ففي هذه الفترة أسست الجمعية عدة جرائد منها السنة- الشريعة- الصراط- البصائر زيادة على مجلة الشهاب الغراء فكان جزاؤها كلها التعطيل والمصادرة وعقاب من يقرأها من أهل البادية والموظفين.
أوعزت فرنسا في هذه المرحلة الثانية إلى أذنابها وبعض الطرقيين وبعض العلماء المأجورين بتكوين جمعية باسم (السنة) تلميحا وتلويحا بأن جمعية العلماء بدعية حيث شددت النكير على ما ألصق بالإسلام من البدع وهو بريء منها وصدق المثل العربي (رمتني بدائها وانسلت) وقول الشاعر العربي:
وإن تصادمت بالعادات تنكرها
فأنت في زعمهم بالدين تصطدم
خلائق كظلام الليل من يرها
يقل بأمثال هذا تمسخ الأمم
هنا افتح قوسا لكلمة الطرقية: فإذا كانت جمعية العلماء أعلنت الحرب على الطرقيين فليس معناه أنهم ضد التصوف- لا وربك- فالطرقية حافظت على القرآن والعربية في السابق، بل لقد قامت عدة طرق لمقاومة الاستعمار إبان الاحتلال وأبلوا في ذلك بلاء حسنا، ولكن خلف من بعدهم خلف جهال ترأسوا هذه الطرق فحرفوا وبدلوا وابتدعوا في الدين ما ليس منه. وللحفاظ على مراكزهم استندوا إلى الاستعمار وأصبحوا من المؤيدين له إما مباشرة أو بصفة غير مباشرة. بربكم إذا رأينا الاستعمار يهيئ لمؤتمرهم جميع الوسائل ويزين صدورهم بأعلى النياشين العسكرية فما معنى هذا؟
بل إن غلاتهم يزورونهم ويطلبون منهم صالح الدعوات تهكما واستهزاء فلقد أعلنت جمعية العلماء على لسان رئيسها الشيخ عبد الحميد بن باديس بقولها المكتوب: لا نريد هدم الزوايا وإنما نريد إصلاحها. لا نريد إزالتها.
شراء الذمم وتشويه الإسلام وسيلتهم لفرنسة الجزائر.
وإنما نريد تطهيرها من البدع لا نحاربها لأنها طرقية وإنما نحاربها ما دامت في ركاب المستعمرين.
ولقد كان القصد من تكوين جمعية الضرار أن يقع الاصطدام بين المسلمين وتسيل الدماء فيكون ذلك مبررًا لتدخلها والقضاء على الجميع، ولكن هيهات هيهات لقد فشل كل ما أعدوا أمام الحق وصدق الله إذ يقول: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾ (الأنبياء: 18)
نعم لقد استطاعوا تكوين جمعية الضرار جمعية السنة ومعظم أعضائها أميون، ولكن نجحوا في إغراء فرد بارز كان من جمعية العلماء فترأس جمعيتهم وبدأ يكتب في الجرائد التي أسسوها بأموال الصندوق الأسود للحكومة الفرنسية محرفًا لكلام الله في رده على العلماء الأحرار، لقد ساق بعض العلماء الحديث المشهور «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ألا ولا تتخذوا قبري وثنًا يعبد» فكتب هو في جريدته «الإخلاص» يحرض المستعمرين قائلًا «يا معشر اليهود والنصارى إن ابن باديس وشرذمته يلعنونكم خذوهم ثم في غياهب السجن ألقوهم» ولما اضطر هو بعد مدة لسوق هذا الحديث وشرحه حرفه فقال- وفي الحديث الشريف بطريق الأدب لعن الله «فرقة كذا» «وفرقة كذا» تحاشيًا عن ذكر اليهود والنصارى كما نطق بهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- صراحة.
ولما قرأنا هذا وكنا في اجتماع قال لنا الشيخ عبد الحميد -رحمه الله- «لا تشتغلوا بهذا المخلوق بعد اليوم فرسول الله خصمه وسيفضحه الله» فلم يمر أسبوع حتى خرج للجولة الأولى بعد الرئاسة وإلقاء الدروس.
ففي مسجد من مساجد عنابة لم يكد ينطق بجملة أو جملتين حتى صبغت ثيابه بالطماطم والفواكه والأصباغ التي رماها عليه المسلمون رغم وإن حراس الاستعمار خونة فمنذ ذلك اليوم ما حاول إلقاء درس في مدينة من المدن.
فالعالم إذا زل تكون عثرته عظيمة ووقعها في النفوس كبير. وكره الناس له أشد، فبقدر اتساع علمه الصوري تتعامل زلاته ويشتد نفور الناس منه وصدق عليه ما حكاه القرآن الكريم عن بني إسرائيل ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ ۖ﴾ (البقرة: 146) وقوله تعالى ﴿وإذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ (آل عمران: 187) فالعالم ملح الأمة وإذا فسد الملح فما هو دواؤه؟ ويرحم الله من قال في رباعيته:
يا أهيل العلم يا ملح البلد
ما صلاح الملك عرفا إن فسد
بل لعل العلم فينا اسم فقد
أسفا أين المسمى والسما
فمنذ ذلك اليوم ما حاول إلقاء درس في مدينة من المدن، فرغم ما أعدت لهم الحكومة من وسائل وما سهلت لهم من الصعاب وسخرت له من القاطرات والحافلات والبريد والمطابع والنشرات والفنادق والأموال لم تمض أشهر قلائل حتى فشل كل شيء وأصبحوا في خبر كان «إذا جاء نهر الله بطل نهر معقل».
ولما رأى الاستعمار أن الأمر جد لا هزل وأن دروس العلماء وأفكارهم سارت في نفوس الأمة سريان الكهرباء في أسلاكها كشروا عن أنيابهم وبرزوا بوحشيتهم المعروفة إلى غلق المدارس والنوادي وسوق المعلمين إلى السجون وعزل الموظفين الذي يشتم منهم رائحة العلماء، وإغراء بعض المثقفين بالمناصب العالية إن هم انسلخوا من الجمعية.
غير أن الله الذي لا تخفى عليه خافية ثبت أقدام المخلصين.
فكلما سجن معلم جاء آخر مكانه، وكلما أغلقت مدرسة فتحت باسم وعنوان آخر، وإن أنسى لا أنسى موظفًا ساميًا فرنسيًا استدعى الشيخ عبد الحميد رئيس الجمعية فقال له: إما أن تقلع من هذه الأفكار وإلا أغلق المسجد الذي تنفث منه سمومكم ضدنا.
فأجابه -رحمه الله- إجابة المؤمن بربه المعتد بنفسه. إنك يا مسيو الحاكم لن تستطيع ذلك فاستشاط غيظٍا وقال: كيف لا أستطيع ذلك. شرطي واحد أرسله فيطلق المسجد ويسدل الستار إلى الأبد، قال له نعم تستطيع ذلك وأكثر من ذلك ولكن لا تستطيع منعي من تعليم أبناء جلدتي ونصحهم.
فأنا إن كنت في عرس علمت المحتفلين وإن كنت في مأتم وعظت المعزين أو في القطار علمت المسافرين أو في السجن أرشدت المسجونين، فأنا معلم مرشد في جميع الميادين فالأمة استجابت لداعي الله الذي يحييها. وخير لكم ألا تتعرضون لها في دينها ولغتها.
إذا الله أحيا أمة لن يردها إلى الموت قهار ولا متجبر اتجهوا بعد ذلك إلى وسيلة أخرى إلى تسطير قانون بأثر آخر للتشديد على إعطاء الرخص لفتح المدارس لجمع المال لبناء المساجد والمدارس فاشترطوا شروطًا للتعجيز لا يمكن بحال من الأحوال تطبيقها. غير أن الأمة أعارت لها أذنًا صماء قلم تعبأ بهذه القوانين الجائرة ولم تمتثل ولم تلتزم بها بل استمرت قدمًا في طريقها مضحية صابرة محتسبة حتى انتشرت في كثير من المدن.
ولِمَ لم تجد هذه القوانين الصارمة أمام تصميم الأمة كلفها ذلك ما كلفها مالوا إلى اللين مرة أخرى فاشترطوا للأذن في فتح مدرسة أن نعلم الفرنسية.
فكان الجواب يا حبذا أننا لسنا ضد العلم وسائر اللغات الحية ولكن نطلب أن تدخل الحكومة في مدارسها الكثيرة لأبناء المسلمين اللغة العربية. ولكن كيف يستجيبون وهم ما جاءوا إلا لمحو الإسلام والعربية فهم في هذه المرة
كما قال القائل: لقد كان هذا الظلم فوضى فهذبت حواشيه حتى صار ظلمًا منظمًا ولما أعيتهم وسائل القهر واللين معًا عمدوا إلى مكائد الجرائم. لا أن يغتالوا رجال الفكر والإصلاح وإنما لاغتيال الموالين لهم ثم يخترعون رواية محبوكة بجعل المغتال ضحية العلماء المصلحين فتظهرهم للأمة كسفاحين لدماء الأبرياء. لقد عمدوا بالعاصمة إلى
... مفتيها الشيخ كحول رحمه الله ... به الشيخ الطيب العقبي رحمه الله وسيق للسجن وشغلت هذه ... الأمة والحكومة والصحف أكثر ... كما عمدوا بقسطنطينية مهد ... العلمية والسياسية إلى ... اغتيال الشيخ أحمد لحبيباتن رحمه الله. وقد أوعز إليه أن يتهم ... عبد الحميد رئيس الجمعية ... وجدوه مؤمنا صادقا فأجاب ... الصريح وأعلن أن من أطلق ... عليه هو أجنبي وليس مسلما ... رحمه الله.
تقدمت الجمعية لمرحلة أخرى ... فتاوى على صفحات الجرائد... أن الصلاة لا تجوز خلف الأئمة ... تعينهم الحكومة المسيحية، وأن ... لجنة الأئمة في الصوم والإفطار ... تعينها الحكومة لا تقبل. وأن ... بالجنسية الفرنسية كافر ... وأن التزوج بالكتابية حرام.
... يحرم رفع قضايا الخصام إلى ... التي يرأسها فرنسي. وأن لا ... القاضي المسلم على ما فيه. ... دخل في عموم الآية ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ (المائدة: 47).
كان لهذه الفتاوى وقع كبير قامت لها فرنسا وقعدت وشغلت الصحافة الفرنسية زمانا ليس بالقصير ووقعت عليها جلسات حادة طويلة في البرلمان الفرنسي. غير أن الله إذا أراد شيئا هيأ أسبابه. فانقسام البرلمان الفرنسي إلى أحزاب كما هو معروف كان في فائدتنا إذ كل حزب يوجه الانتقاد بفشل سياستهم في الجزائر إلى الحزب المناهض له. فمنهم من علينا ومنهم من لنا لحاجة في نفس يعقوب. وصدق الله العظيم إذ يقول: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ﴾ (الحج: 40)
﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾ (البقرة: 251)
ولما كانت بعض النواحي من الجبال والصحاري قد جعلتها فرنسا منطقة حرام ويصعب على العلماء الاتصال بالشعب. ولما كانت هذه المناطق فقيرة ومكتظة بالسكان فقد هاجر كثير من أبنائها إلى فرنسا طلبا للعيش، وعددهم يناهز نصف المليون فقد رأت الجمعية أن تضرب عصفورين بحجر واحد. إذ من الواجب العناية بهذه الجالية خوفا من تفرنسها، ثم تكوينهم للمقاومة فيكونون رسل خير عند رجوعهم إلى مسقط رؤوسهم فأوفدت وانتدبت من يحسن من أبنائها الفرنسية والعربية فكونا أحد عشر ناديا في قلب باريس وضواحيها كما كونا بجميع المدن التي توجد بها الجالية العربية فنجحت المهمة غاية النجاح وانتشرت أفكار العلماء فكان هؤلاء هم الوسطاء في بث الحياة في تلك الجبال وتكوين المدارس عندما رجعوا إلى وطنهم.
دامت هذه الحالة بين مد وجزر. العنف تارة والمسالمة تارة أخرى حتى جاءت الحرب العالمية الثانية وجاءت معها الأحكام العرفية فواتت الأسباب الحكومة فكممت الأفواه وأغلقت المدارس والنوادي ومنعت التجول بعد الساعة الرابعة مساء وحظرت اجتماع ثلاثة أفراد ففوق ولو لمصلحة خاصة. ومنع التنقل من مدينة إلى أخرى إلا برخصة خاصة ولأسباب معقولة عندهم. حجزت جميع الجرائد العربية ومنعتها من الصدور إلا من يطبل في طبلهم منعت الاستماع للإذاعة إلا الإذاعة الفرنسية. بثت آلاف الجواسيس يحصون على الناس أنفاسهم ويقيدون حركاتهم وسكناتهم. زج بكثير من العلماء في السجون والمعتقلات أو على الأقل تحت الإقامة الجبرية في داره تحت الحراسة. أرسلت جماعة منهم إلى الصحاري للأعمال الشاقة التي قضت على صحة الكثيرين منهم. ولقد شرفت أن كنت من جملتهم. أعدم من أعدم وسلم من سلم ورغم كل ذلك فقد بقيت الجمعية تعمل تارة في الخفاء وتارة علنية حسب المستطاع طيلة الحرب.
ففي هذا الوقت المظلم والموت يحصد الناس حصدا ويلتهمهم التهاما. والمدافع ترسل الحمم. والدبابات ترسل الشواظ على الناس. والإنسان كشر أنيابه ضد أخيه الإنسان والطيور الأبابيل ترمي بالقنابل من النار والحديد فتتلف الحي وتحرق الأشجار وتذيب الجماد. في هذا الوقت بالذات في السادس عشر من شهر أبريل سنة 1940 قدر الله أن يلفظ نفسه الأخير من لا يكل ولا يمل ولا يلين، شيخنا عبد الحميد بن باديس رحمه الله وهو تحت الإقامة الجبرية في داره.
فكانت فاجعة كبرى. أخبأ ذلك النور الوضاء الذي عمر القطر وأضاء السبيل في وقت نحن أحوج الناس إليه؟ انطفأت تلك الشعلة الربانية. أسكت إلى الأبد ذلك الصوت الرحيم الذي نفذ إلى قلوب المؤمنين فأنارها على الظالمين. اسكت إلى الأبد ذلك الذي كان شجي في حلوق المستعمرين؟
الرابط المختصر :