; كلا.. إنهم لم يجنحوا للسلم! | مجلة المجتمع

العنوان كلا.. إنهم لم يجنحوا للسلم!

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 01-مايو-1979

مشاهدات 74

نشر في العدد 443

نشر في الصفحة 22

الثلاثاء 01-مايو-1979

  • الصحف العبرانية وصفت ليلة التصويت على معاهدة الذل بأنها كانت من ألف ليلة وليلة

نقلًا عن جريدة الشرق الأوسط

ما يغيظ شيء كما يغيظ الاستشهاد بآيات من كتاب الله في غير ما أنزلت لأجله، أو ما رمت إليه، وأن تكون الفتوى لتسويغ ما لا يُستساغ، ولإباحة ما حرَّم الله!

وما أحنقني في موسم الضلال والتضليل، كما أحنقني إطلاق آية كريمة تنضح عزة للحثِّ على الاستسلام.

وقد بلغ مبلغ ازدلاف بطانة السلطان له، أن راحوا يحورون الآية تحويرًا يعكس مبناها ومعناها، ويخاصم غايتها ومرماها! ويجعلونها شعارًا لتسويغ الهزيمة الشنعاء، وتزكية ما ليس بالزكي من الأخطاء! وما تقول في إنسان يتذرع بآية من القرآن، لموالاة الشيطان!!

وبعد فالله يقول في سورة الأنفال ﴿وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ (الأنفال: 61) وردد الرئيس السادات، وإخوان الهزيمة وأنصار السلم والمعميون من كُتاَّب صحف وخطباء منابر، هذه الآية في معرض الدعوة إلى العهد الاستسلامي. 

ولقنها الرئيس «صديقه وأخاه» جيمي كارتر ليستشهد بترجمتها ساعة التوقيع المشؤوم، لذلك العهد الثلاثي المذموم!

وإذا كان تحميل هذه الآية غير ما تحمل، واستغلالها في عمل غير كريم، مما ينكر على الجهلة الأغرار، أو الأوشاب الأغمار، فما نقول إذا كان ذلك قد اجترحه مشايخ تزيوا بزي علماء، فاعتموا عمامة الفقهاء، واجتبوا جبة الخطباء؟ ألا إن وزرهم أفدح من إثم، وأفظع من خطيئة، إنهم سخَّروا محكم الآيات لتزكية عملة السادات!

إنني قبل أن أعود إلى الآية: «وإن جنحوا للسلم..» أذكر الآية التي سبقتها، ولم يرددها السادات وكتابه ومشايخه «وأخي وصديقي» كارتر، مع أن الآية اللاحقة التي استشهدوا بها هي تتمة للآية السابقة التي تغافلوا عنها، والمعنى الكامل إنما يستقيم بهما معًا! إنها: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ ۚ وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (الأنفال: 60) هذه الآية تحض على تعبئة كل ما يستطاع من قوة لإرهاب العدو..  ثم تليها الآية: ﴿وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِوهذه، في هذا السياق واضحة المعنى، بينة المرمى..  إنها تشترط أن يجنح المرعوبون إلى السلم، حتى إذا جنحوا هم للسلم أولا «فاجنح لها»! وما معنى جنوحهم للسلم؟ إن الإمام جمال الدين القاسمي في تفسيره، «محاسن التأويل» يقول: «أي إذا مالوا وانقادوا للصلح والاستسلام بوقوع الرهبة في قلوبهم، بمشاهدة ما لكم من الاستعداد واعتاد العتاد فاجنح لها!».

 ومثل هذا التعريف للسلم أورده سائر المفسرين، فالألوسى قال: «للسلم أي للاستسلام والصلح» وجوهري قال: «أي مالوا للصلح والاستسلام»

ومع أن بعض المفسرين قالوا: إن هذه الآية منسوخة بأخريات تحتم القتال حتى يسلموا أو يدفعوا الجزية مستسلمين، وأشاروا إلى أن الآية جاءت في سورة «الأنفال» وإن سورة «التوبة» قد جاءت بعدها، وفيها الأحكام النهائية القاطعة، فإن الآية كما فسرها جميع المفسرين قالت: «إن جنوحهم للسلم هو استسلامهم».

ولعل الشهيد سيد قطب، صاحب «ظلال القرآن» أدرك بنور الغيب، ما سيلجأ إليه البعض من تحريف المعاني الآيات لأغراضهم، فقال ما نصه: «إنهم يعمدون إلى النصوص المرحلية فيجعلون منها نصوصًا نهائية، وإلى النصوص المقيدة بحالات خاصة فيجعلون منها نصوصًا مطلقة للدلالة..  حتى إذا وصلوا إلى النصوص النهائية المطلقة أوَّلوها وفق النصوص المقيدة المرحلية..  

وإن الإسلام يتهالك على أي غرض للمسالمة!!» ثم قال – رحمه الله –: «والذين يلتمسون فيه ما يواجهون به الواقع في كل حالة، لن يضطروا إلى ليِّ أعناق النصوص وتأويلها تأويلات تأباها..  وإنما هو المطلوب تقوى الله والتحرُّج من تطويع دينه لواقع الشر الجاهلي والهزيمة به، والوقوف به موقف الدفاع، وهو دين مسيطر حاكم يلبي – وهو في مركز الاستعلاء والمبادأة – كل حاجات الواقع وضروراته!» 

وأتساءل بعد ما أسلفت من قول: هل جنحت «إسرائيل» للسلم؟ هل بادرت إلى الاستسلام فالمصالحة؟ أم أن الرئيس المصري المسلم هو الذي بادر إلى الاستسلام، فكان ذلك العهد العار المعير؟ هل كفَّ اليهود عن تهويد البقية الباقية من أشلاء فلسطين؟ هل تورَّعوا عن تبديل اسمها فضلًا عن تهويدها؟ هل تزحزحوا قيد شعرة واحدة عن اعتبار القدس عاصمتهم السرمدية؟ هل تردد بيغن أو جمجم أو غمغم أو فأفأ أو وأوأ في إعلانه أمام كارتر والسادات أن القدس الواحدة الموحدة هي عاصمة "إسرائيل" الأبدية؟ أو لا يزالون يحتلون سيناء والجولان وجنوب لبنان ويزرعون المستوطنات؟ أهذا هو جنوحهم للسلم يا فضيلة شيخ الأزهر، ويا سيادة وزير الأوقاف، ويا من اصطفوا للصلاة في أحد المساجد ليشكروا لله نعمة الهوان النازل بالعرب والإسلام «في أروع لحظة من تاريخ مصر»، كما قال السادات!! ألم يقرأ هؤلاء ويتدبروا قول الله عن السلم المنشود: ﴿فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا (سورة النساء: 90)

فهل اعتزلونا وانسحبوا من بلادنا وعاد إليها المشردون من أهلها؟ وهل كفوا عن التنكيل بأهلنا؟ وهل استسلموا؟ إن في تقتيل شباب «حلحول» وحبس سكانها وتجويعهم وتدمير بيوتهم أبلغ جواب من هذه السؤالات!

إن حكم موالاة النظام المصري ومن ظاهره من المحسوبين مسلمين في سجلات الإحصاء، للمعتدين المحتلين المغتصبين نجده في الآية الكريمة: ﴿لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ،  إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَىٰ إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ ۚ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (سورة الممتحنة: 9) ألا تنهانا هذه الآية يا شيخ الأزهر، ويا وزير الأوقاف، عن موالاة الذين قاتلونا وأخرجونا من ديارنا وظاهروا على إخراجنا؟ 

ألا ليت هؤلاء الذين هللوا وكبروا، كلا بل، طبلوا وزمروا، والذين صوتوا للمعاهدة، والذين تساقوا والسفاح الصهيوني كؤوس الغرام ورفهوا عنه بليلة، قالت الصحف العبرانية: «إنها كانت من ألف ليلة وليلة، وإنه قد قبل الدافنة المغناج من جوقة الراقصات» ليت هؤلاء يتدبرون قول القرآن في قوم بيغن: ﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لَّا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا (سورة النساء: 53) ويقول الإمام القاسمي في تفسير هذه الآية: «أي لو كان لهم نصيب من الملك، فإذن لا يؤتون أحدا مقدار نقير لفرط بخلهم، والنقير هو النقرة تكون في ظهر النواة، وهو مثل في القلة والحقارة» «وهذه لا تسمح كرازة اليهود وأثرتها البغيضة أن تعطيها للناس لو كان لها في الملك نصيب» كما يقول سيد قطب! 

ثم إن الذين يسوغون معاهدة الغاصب السفاح لا يفتئون يرددون: لقد ضحينا بالألوف وخضنا حروبًا عديدة! كما لو كانوا وحدهم الذين بذلوا وقاتلوا، وكما لو كان الجهاد كرمي لغير وطنهم ودينهم ومقدساتهم وقوميتهم، وإذا كانت نكسة، تنكروا لعربيتهم، وتجهموا لأشقائهم، وتداعوا إلى إقليميتهم..  وراحوا يمنون علينا ما صنعت مصر، وهم في هذا كله، لا يمثلون روح مصر العربية المسلمة، وقديمًا من هذا الطراز منَّ الناس على الرسول الأعظم – صلى الله عليه وسلم – إسلامهم فنزلت هذه الآية: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا ۖ قُل لَّا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُم ۖ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (سورة الحجرات: 17)

الرابط المختصر :