; كلمات في تربية النفس | مجلة المجتمع

العنوان كلمات في تربية النفس

الكاتب صالح الراشد

تاريخ النشر الثلاثاء 30-أغسطس-1977

مشاهدات 48

نشر في العدد 365

نشر في الصفحة 27

الثلاثاء 30-أغسطس-1977

مفهوم التربية عند الباحثين

المهمة الصعبة في صقل طباع النفس

تنقيح التصرفات السلوكية

  • تربية مستمرة: إن من الأسئلة التي تتبادر للذهن ذلك السؤال الذي يريد معرفة السبب للتربية المستمرة لشيء ما مهما بلغ من الصيانة والملاحظة ليس لفترات متفاوتة وإنما الاستمرارية في الملاحظة دون توقف؟ نعم أن هناك شيئًا يتطلب التربية الدائمة ألا وهو تربية النفس البشرية. فيا ترى كم قيل وكم كتب وكم مثل ذلك من محاضرات وندوات كانت عن تربية هذا الكائن العجيب ذي السلوك المتنوع، ولا غرو أن يكون الأمر كذلك لما أنعمه الله سبحانه وتعالى على الإنسان من تبيان طريقي الهداية والضلال، وعليهما تنقسم الطباع عند كل فرد: إما خيرًا، وإما شرًا، وإما هما معًا حيث تعيش النفس في طباعها منهجًا تربت عليه في واحدة من الثلاث السابقة. وليس أعسر على الإنسان من إمساك زمام نفسه فحتى لو بلغ مبلغًا طيبًا من الخير والصلاح عليه أن يراعي هذه الصورة المشرقة لئلا تظلم وأن يراعي حالته لئلا تفتر، تلك حياة النفس لا تدوم على وضع ثابت نتيجة المتغيرات والظروف والأحوال لا تثبت ما لم تراع بعمل الطيبات والإكثار من ذكر الله سبحانه وملاحقة الواجبات والتبعات، وعليه فليس فردًا كائنًا من كان يخلو من أعمال وتبعات إضافة إلى عبادة ربه سبحانه قبل ذلك وما الأعمال الخاصة والمعيشية إلا عباده لله أيضًا وذلك بطاعة ما من فرد يخلو من ذلك فوقتها توجب أن تكون التربية لهذه النفس مستمرة دائمة ما بقى الإنسان حتى آخر لحظات عمره القصير.
  • مفهوم التربية: هنالك فرق ما بين القول والعمل إذ لو كان الأمر كذلك لأقترب الضياء شيئًا في تطبيق شرع الله وتحكيمه في الكون لكثرة العارفين بالإسلام ومثل ذلك التربية تجد فيها علماء وباحثين مهمتهم أن يسطروا ويبتكروا النظريات دونما الذهاب إلى الجوهر الأساسي للتربية ولعل أبرز النظريات لهذا الموضوع ما كانت في مناهج التعليم فمن الباحثين من رأى أن الطفل ورقة بيضاء تكتب فيها المعلومات فيقدم له المنهج المراد ومنهم من ذهب إلى النظرة المغايرة لذلك تمامًا بالنظر إلى ميوله ورغباته، ومنهم من اعتدل وسطًا بين النظرتين السابقين بالجمع بينهما بما أسموه بالمنهج المحوري.

إن الصورة المثلى لتربية النفس البشرية تلك التي تقدم له منهجًا يكفل له راحته وسعادته مراعيًا ميوله ورغباته التي تخدم هذا المنهج وتلزم به، وتلك الصورة لا نجدها على الإطلاق في أي مذهب وأي مبدأ وإنما نجدها في الدين السماوي الخاتم وهو الإسلام، فما النظرة التربوية التي يقدمها الإسلام للإنسان في فكره ونفسه.

التربية الإسلامية: يا لرحمة الله سبحانه ويا لنعمته الكبيرة بتكريم الإنسان بإنزال هذا الدين الحنيف فهو بديع كل الإبداع حتى في اسمه فهو إسلام، إسلام يحمل معنى الأمن والتجرد والإخلاص والاستسلام إلى منزل الإسلام إلى الله سبحانه تحررًا من القيود والأوهام والتيارات الفكرية والمذاهب أيًا كانت ما دامت لا تحمل لونه وصيغته وشعاره، لذلك كانت التربية في الإسلام مرتبطة بأن توجه هذا الكائن إلى ربه وخالقه فهو جل وعلا رباه وحفظه من النطفة إلي تفتح الروح إلى البشر السوي وهكذا تستمر الرعاية الربانية له من كونه طفلًا صغيرًا إلى الساعة الأخيرة من عمره، يقول سبحانه وتعالى: ﴿إِن كُلُّ نَفْسٍ لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ (الطارق: 4). 

وتوجيه النفس لربها سبحانه يكون بما أنزله في الكتاب وبما بلغه نبيه الكريم -صلى الله عليه وسلم- ذلك أن المولود في نظر الإسلام يولد باستعداد الاستقبال لمعطيات المنهج الذي يلقن له ويربى عليه وشاهد ذلك قول سيدنا الرسول -صلى الله عليه وسلم- «كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه».- الحديث وفي هذا البيان الثابت الصحيح نلحظ أن الفطرة هي الإسلام لذلك لم يقل -صلى الله عليه وسلم- – يمسلمانه – لأن الإسلام كامل صحيح، وفي آيات الكتاب الحكيم وفي توجيهات الرسول عليه الصلاة والسلام نجد البيان الوافي لتصرفات السلوك الفردي والجماعي فيها يصون النفس من المنزلقات والانحرافات وسائر ما تتعرض له من إنجزابات وإغراءات من أن توهن وتضعف وتحيد كما تزود النفس بدروس العظات والعبر حال الشدائد والأزمات كل ذلك كي تكون النفس صلبة ثابتة واعية لنشر وتحكيم منهج الله سبحانه وإنما تتبدى التصرفات وتنصقل كتطبيق صحيح بتنقيح أنماط السلوك.

  • أنماط من السلوك: إن صعوبة تربية النفس تكمن في قسرها وصدها عن أهوائها وملذاتها إذ إن الشيطان لا يفتر ووساوس النفس لا تمل وأن الدنيا لحلوة خضرة كما بين لنا المصطفى -صلى الله عليه وسلم- فإغراءاتها تزيد خاصة وقد حكمتها مناهج الشيطان وعاث فيها عياله المفسدون فباتت خرابًا كما تسمع فيها صوت الغربان والبوم، لذلك حقًا تعسر تربية النفس وإنما لا يعني ذلك ألا تفطم عن غيرها وألا ترد حياض النور والخير والإشراق، فهي كما صدق فيها القول: 

والنفس كالطفل إن تهمله شب على حب الرضاع وإن تفطمه ينفطم لذلك كان لا بد أن يحقق قائدها في دربتها على عمل الخير حتى يكون ظلالها ولا تستطيع العيش دونه وأن تكره الشر حتى إن سماع أموره يكون مؤذيًا لها، بل ومسببًا المرض لكيانها وهكذا يجب أن تكون الدربة على أعمال الخير وكي يكون الأمر واضحًا في أنماط السلوك نقدم صورة تحليلية لبعض الطباع وكيف يتم صقلها فتسير في الاعتدال المطلوب:

  1. الضحك والاعتداد بالنفس:

إن هناك من يكون معتدًا بنفسه إلى درجة العبوس ومن الصعب أن تحظى برؤية أسنانه بالابتسام وحالة أخرى تجدها أن شخصًا من كثرة ضحكه يضحك دونما سبب في مجلس فيه وقار وسكوت أما إن حصلت نادرة فلا بد من وقفه عن ضحكه. إلا أنه والمغاير له العبوس صورتين قد تصل كل منهما حدًا من المبالغة في ذاتها والوجه الأمثل أن يكون المرء باشا معتدًا بنفسه فيكتسب الوقار والاتزان منتبهًا إلى أن يكون كذلك فلا تطغى أو تظهر عليه الصورة المنافية للحالة المطلوبة في الضحك والاعتداد، والانتباه مهم إذ إن عدم البشاشة أحيانًا قد ينقلك إلى صورة أخرى لا تقصدها أنت وهي شيء من الكبر.

  1.  بين الكبر والتواضع: 

كم من المؤلم أن تدخل الكبرياء نفس الإنسان ذلك أن عقابها كبير، وكبير جدًا فإنه «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر» الحديث، كما نبه البارئ -عز وجل- إلى خطر الكبرياء في الحديث القدسي بقوله «الكبرياء ردائي والعظمة إزاري فمن نازعني أحدهما قذفته في النار».

وهذه البيانات من التوجيه الحكيم هي ما سلف بالإشارة إليه من كون الإسلام قام بتقديم التوجيهات الكاملة للنفس الإنسانية وأن الكبرياء لمرض خطير ذلك أنه يختبئ في ظل كثير من التصرفات دون أن يدركه صاحبه إلا بعد انتباه أو تحر أو محاسبة أو إعلام ونصيحة من صديق ودود محب ناصح أمين، فمن ذلك عدم الإكثار من المصافحة وإفشاء السلام وعدم الاكتراث من البشاشة في لقاء أخيك المسلم ومن ذلك كثرة الاعتماد على الغير إذ إن الصحابة كما جاء عنهم رضوان عليهم أجمعين لا يسأل أحدهم طلب السوط إذا سقط منه وهو راكب على حصانه ومن ذلك حب الشهرة والترؤس ومثل هذه الأعمال وما شابهها لا يشترط أن تلد فيها بذور الكبر وإنما لا بد من الملاحظة فكثير منها تكبر عنده البذرة مختبئة في أرض غفلته راوية من تكراره لها فتكون مورقة بل وتزيد وبالذات يجب الانتباه لمثل هذه التصرفات لمن يتسنمون مراكز القيادة والتوجيه فأعمال الإدارة والترؤس تشتد فيها المراقبة والمحاسبة ويقابل جانب الكبر جانب التواضع ونأتي عليه بجلاء صورته مع كثير من نوازع النفس وطباعها في كلمات تربية تالية إن شاء الله.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 29

60

الثلاثاء 29-سبتمبر-1970

النفس كما يصورها القرآن الكريم

نشر في العدد 296

58

الثلاثاء 20-أبريل-1976

خاطرة (العدد 296)