العنوان كلمات لها صدى.. وطن
الكاتب الشيخ حسن البنا
تاريخ النشر السبت 18-يونيو-2005
مشاهدات 68
نشر في العدد 1656
نشر في الصفحة 48
السبت 18-يونيو-2005
هناك كلمات تظل، رغم تباعد الزمان، ذات صدى طيب فتنفذ إلى أعماق الواقع وتعالج علله .. ومنها الكلمات التي خطها الشيخ حسن البنا يرحمه الله قبل سبعة وخمسين عامًا، تمثل نموذجًا على ذلك.
﴿إِنَّمَا ٱلۡمُؤۡمِنُونَ إِخۡوَةࣱ ﴾،(الحجرات : ١٠) ظن الإنسان الأول أن وطنه نفسه، إذ كان لا يفكر في غيرها ولا يعنيه أمرا سواها، ثم أصبح ذا أهل وولد. فأصبح وطنه في نظره أسرته وأهله يهتم بشأنهم ويسعى لخيرهم وبرهم، فلما تضاعفت تبعاته وكثرت اتصالاته تطور هذا الوطن في نفسه إلى القبيلة والعشيرة، ثم إلى المجتمع والأمة في المدينة والقطر.. فصار يعتبر نفسه جزءًا من هذا الوطن الكبير يألم لألمه، ويعمل لخيره، ويناضل عنه ويذود عن شركائه فيه، ويبذل لنفسه ولهم من ماله ودمه ما توجبه حقوق هذه الشركة الوطنية.
حتى إذا رق شعور الإنسانية ونضج إدراكها واتسع قلبها لفقه المعاني العليا واستطلع إلى الأهداف السامية، أخذ الدعاة والمصلحون يهتفون بالوطن العالمي الكبير وبالأخوة بين بني الإنسان فالأرض مملكة واحدة.. وأبناء آدم مواطنون على ظهرها، مشتركون في خيراتها وعمارتها، وأخوة الدم والأصل والنسب تجمعهم على ذلك، وتدفعهم إلى أن يعملوا متعاونين على استقرار الطمأنينة والسلام على ظهرها. وظلت هذه المعاني خيالات تداعب النفوس، وأماني تتراءى في الأخيلة، وكان ضرورياً أن تبرز إلى الوجود في صورة عقيدة تجتمع عليها الأهواء المتفرقة والآراء المتشعبة، فجاء الإسلام الحنيف يعلنها على الناس صريحة واضحة، ﴿یَـٰۤأَیُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِی خَلَقَكُم مِّن نَّفۡسࣲ وَ ٰحِدَةࣲ وَخَلَقَ مِنۡهَا زَوۡجَهَا وَبَثَّ مِنۡهُمَا رِجَالࣰا كَثِیرࣰا وَنِسَاۤءࣰۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِی تَسَاۤءَلُونَ بِهِۦ وَٱلۡأَرۡحَامَۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَیۡكُمۡ رَقِیبࣰا﴾،(النساء: 1)،
﴿إِنَّمَا ٱلۡمُؤۡمِنُونَ إِخۡوَةࣱ﴾، (الحجرات: ١٠). وفقه المسلمون الصادقون هذا فقدروا أخوة العقيدة حق قدرها، وعلموا أن دينهم وطن وجنسية تجتمع عليها النفوس المتحالفة والأهواء المتفرقة، فكل شبر أرض فيه مسلم يقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله، جزء من هذا الوطن الكبير والأرض بعد ذلك كلها وطن واحد إن عرفت ربها واتصلت به وقدرت العالمية الإلهية التي جاء بها الإسلام ﴿وَمَاۤ أَرۡسَلۡنَـٰكَ إِلَّا رَحۡمَةࣰ لِّلۡعَـٰلَمِینَ﴾، (الأنبياء: 107).
وقد أجتاز الرحالة المسلم ابن بطوطة كل حدود هذا الوطن الإسلامي من فاس ومراكش عند شواطئ الأطلسي إلى أقصى الصين على سواحل الهادي، فلم يسأل عن جواز سفر، ولم يتوقف سيره حتى يحصل على تأشيرة المرور، وكان يجد نفسه في كل قطر من هذه الأقطار ودار من تلك الديار في وطنه وبين أهله وإخوانه
﴿إِنَّمَا ٱلۡمُؤۡمِنُونَ إِخۡوَةࣱ﴾، (الحجرات : ١٠).
ويوم ينزل البطل المجاهد المغربي الأمير محمد عبد الكريم مصر، فإنما ينزل وطنه ويلقى أهله بحكم هذه الوحدة الإيمانية التي تفرض على كل قلب في هذا البلد العزيز، أن يحل فيه ضيفه الكريم. وهكذا يسبق القانون الرباني القانون السياسي الذي يقول بحماية اللاجئين السياسيين. ولعل من الخير للدول المتعنتة أن تفقه هذه الحقائق، وأن تساهم هي الأخرى بدورها في إقرار مبادئ الأخوة والمودة والسلام على هذه الأرض، من قبل أن يأتي يوم لا مرد له من الله والله أكبر
ولله الحمد..
(*) جريدة الإخوان المسلمون اليومية السنة الأولى العدد ٣٣٦ في ١٧ رجب ١٣٦٩ هـ ٦٠ يونيو ١٩٤٧م.