العنوان كل عام.. وأنتم بخير!
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 27-يوليو-1982
مشاهدات 154
نشر في العدد 580
نشر في الصفحة 4
الثلاثاء 27-يوليو-1982
كل عام.. وأنتم بخير!
«العيد» هل ما زالت هذه الكلمة المشرقة في قاموس المسلمين؟! وماذا أبقت فيها من حروف الفرح هذه النكبات التي نزلت بهذه الأمة المضيعة بين وحشية العدو الصهيوني، وجشع القوى الدولية، وخيانة الخونة، وتخاذل المتخاذلين؟!
لقد مر العيد بنا مرورا سريعا، ولم ينثر على نوافذنا الحزينة سوى زهرات ذابلة.. ومضى.
وحين يعبر العيد زماننا هذا دون أن نحس بطعمه. فهو يعلق على أبواب منازلنا رسالة موجزة واضحة لقد أصبحتم الآن على هامش الزمان!
- رسالة العيد هذه أعظم هدية يمكن أن يقدمها لهذه الأمة المضيعة: إنه يذكر المسلمين- وهم غارقون إلى الأذقان في جحيم النكبات والهزائم- بأنهم مسلوبون.. من كل شيء.
نعم.. مسلوبون من أبسط مقومات الحياة الحرة الكريمة: لأنهم قد نهبوا من داخل أوطانهم كما ينهبون اليوم من خارجها.. فقد استلبهم الإرهاب الأمن والطمأنينة، واستلبهم الاستبداد والطغيان الحرية والكرامة، واستلبهم الاستغلال والجشع خبز يومهم، واستلبهم التضليل والتزييف معنى أن يحيوا من أجل قضية من قضاياهم.. وكان لا بد- بعد هذا كله- أن تستلب إرادتهم التي لا حياة لأمة بدونها.. وعندما عزمت إسرائيل أن تقتحم عليهم جزءا جديدا من أوطانهم كانت تدرك أن الطريق أمامها قد غدت ممهدة، بعد أن عبدتها لها طوال سنين، معظم الأنظمة الحاكمة التي تسلطت بالقهر والحديد على رقاب هذه الأمة المنكوبة
- نعم.. مسلوبون.. من كل شيء.
وحين يكشف لنا العيد عن هذه الحقيقة المرة الباردة التي نعيشها يجب أن يحملنا حملا عنيفا على البحث من جديد عن نقطة للبدء، فالأمة المسلوبة من أدنى شروط الحياة الحرة الكريمة لا مناص لها- إن أرادت أن تضمن لنفسها أسباب البقاء على أقل تقدير- لا مناص لها من مراجعة حساباتها كلها، وإعادة النظر في أوضاعها كلها على الصعد كافة: الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية.. قبل أن يصبح وجودها نفسه رهنا بزيارة عليها أن تقوم بها إلى إسرائيل للحصول على موافقة بذلك!
ونقطة البدء التي يجب أن تجدها الأمة ليست قضية تحتاج إلى اكتشاف جديد، وليست بضاعة يمكن استيرادها من واشنطن أو موسكو أو تل أبيب.. بل هي هذا الإسلام.. العقيدة التي ارتضاها الله لنا، والتي ينبثق عنها نظام كامل شامل يسع كل همومنا وأوضاعنا ومشكلاتنا.. والتي بها تستطيع هذه الأمة أن تستنقذ البقية الباقية من وجودها ومستقبلها.. فلا تزال قولة عمر رضي الله تعالى عنه حقيقة حية نضرة «نحن قوم أعزنا الله بالإسلام، فمهما نبتغ العزة بغيره أذلنا الله»
وعندما يكون الحديث عن نظام الإسلام، تكون الإدانة موجهة إلى كل نظام آخر غير الإسلام، يحكم شعبا من شعوب هذه الأمة، وتكون الرؤية أمام أعين المسلمين واضحة تماما: فالقضية الأولى هي تسييس هذه الأمة بالإسلام، وتعرف الأمة بذلك أين تكون وجهتها؟ ومن هم أعداؤها الحقيقيون؟
- نعم.. مسلوبون.. من كل شيء.
إذا استطاع العيد- هذا المسافر المعجل- أن يوقظ في نفوس المسلوبين إحساسا حقيقيا حارا بالاستلاب، فقد قدم إليهم هدية أخرى عظيمة.
فعلام يخاف الذين استلبوا حتى من أبسط شروط الحياة الحرة الكريمة، وماذا يظنون أنهم يفقدون أكثر مما فقدوا؟ وهل بين أيديهم من خيار آخر سوى الإقدام على المخاطرة؟!
ولئن كان البحث عن نقطة البدء درسا موجها لوعي هذه الأمة، فإن خيار المخاطرة درس موجه لإرادتها، وعندما يستيقظ وعي هذه الأمة وتشحذ إرادتها.. فلن تظل مسلوبة من كل شيء. ولن تظل على هامش الزمان.
مسلوبون؟! نعم.. إلا من شيء واحد.. هو أبرز خصائص هذه الأمة المؤمنة.. «التفاؤل». فعلى الرغم من كل الظلام والدمار والحرمان يظل قلب المؤمن مشرقا بنور الإيمان بالله، واثقا بوعد الله، مطمئنا إلى قضاء الله وحكمته.. ومن هنا تستمد عزيمة المؤمن مضاءها الذي لا يفل وقوتها التي لا تلين.. حتى يأذن الله بالفرج والنصر.. ﴿حَتَّىٰ إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَاءُ ۖ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾ (يوسف: 110) صدق الله العظيم.