; كوسوفا وإشكالية الاختيار بين الهويّة الإسلاميّة والاتحاد الأوروبي | مجلة المجتمع

العنوان كوسوفا وإشكالية الاختيار بين الهويّة الإسلاميّة والاتحاد الأوروبي

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الاثنين 01-أغسطس-2016

مشاهدات 40

نشر في العدد 2098

نشر في الصفحة 42

الاثنين 01-أغسطس-2016

في خضم جدال واسع ومتواصل حول هويّة الشعب الألباني.. صدر في كوسوفا خلال شهر يونيو 2016م، أحدث كتب المفكر الأكاديمي «د.فتحي مهديو»(1)، بعنوان: «ديانات الألبان هي الإسلام والمسيحية»، ليضع النقاط فوق الحروف، ويعيد تصحيح مفاهيم طُرحت بشكل مغلوط في الحوارات والنقاشات الدائرة في وسائل الإعلام، أو صدرت في تصريحات السياسيين الألبان.

الجدل حول هويّة الشعب الألباني يتركّز في وسائل الإعلام وتصريحات السياسيين في ألبانيا وكوسوفا

التصريحات السياسيّة بشأن الهويّة عكست مساحة الخلاف بين رؤية الطبقة الحاكمة في كوسوفا وتطلعات شرائح واسعة من الشعب الألباني المسلم

وعلى الرغم من أن هذا الجدال حول هويّة الشعب الألباني يتركّز تحديداً في وسائل الإعلام وتصريحات السياسيين بالدولتين الألبانيتين في منطقة غرب البلقان وهما ألبانيا وكوسوفا؛ إلا أنه يمسّ بقية الشعب الألباني الذي يعيش كأقليات بدول الجوار في كل من اليونان ومقدونيا وصربيا والجبل الأسود بعد دخول أراضيهم ضمن الحدود السياسية لهذه الدول منذ معاهدة لندن في عام 1913م؛ والتي قسّمت ألبانيا بعد عام واحد فقط من إعلانها الاستقلال عن تركيا في عام 1912م، مما أخرج أكثر من نصف الشعب الألباني خارج دولته الأم (ألبانيا) منذ هذا التاريخ.

وفي هذا التقرير سنلقي الضوء على «صراع الهويّة» في النموذج الكوسوفي والدائر بين الطبقة الحاكمة والتيارات العلمانيّة المسيطرة على مقاليد الحكم في البلاد، وبين شرائح واسعة من الشعب الألباني في كوسوفا والتي ترى أن هويتها هي الإسلام مع تمسكها بقوميتها الألبانية.

«الفاتيكان» بوابة الاندماج

فقد عكست آخر التصريحات السياسيّة بشأن الهويّة الألبانية مساحة الخلاف بين رؤية الطبقة الحاكمة في كوسوفا وتطلعات شرائح واسعة من الشعب الألباني المسلم في الدولة الوليدة حديثاً والتي أعلنت استقلالها بدعم غربي في 17 فبراير 2008م.

فقد صرّح «هاشيم ثاتشي»، رئيس كوسوفا، في مقالة له نشرها في البوابة النمساوية (Euractiv)، ونشرتها عنها الصحيفة الإلكترونية الألبانية (انسايديري ـ Insajderi)، بتاريخ 2 يونيو 2016م، قال فيها، بأنه: لضمان نجاح مساعي دولة كوسوفا في الانضمام للاتحاد الأوروبي؛ يجب على الكوسوفيين أن يصبحوا «كاثوليكيين أكثر من بابا الفاتيكان نفسه».

ومع دعوته للتقرّب للديانة الكاثوليّة؛ أكد «ثاتشي» الرئيس السابق للحزب الديمقراطي الكوسوفي أكبر الأحزاب الكوسوفية، في مقالته: «إن كوسوفا دولة علمانية وليست دولة إسلامية»(2).

وكان من نتيجة هذا التصريح أنه أشعل الجدال الدائم في الأوساط الإعلاميّة والسياسيّة والشعبيّة حول هويّة الألبان، وفي ذات الوقت هناك جدال آخر متعلّق بالهويّة يتمثّل في الخلاف حول تحديد عدد الأديان التي يعتنقها الشعب الألباني.

يأتي كل هذا في ظل محاولات أخرى متواصلة من مذاهب وأيديولوجيات معاصرة لنيل اعتراف رسمي دستوري بها يضعها في مصاف الأديان السماوية المتعارف عليها منذ قرون، وهو ما يعني في حالة نجاحها تخفيض - وبشكل مستمر - لنسبة المسلمين الألبان في كوسوفا، مما يعني تراجعاً في مساحات الحقوق والحريّات الدستوريّة المتعلّقة بهم بعد تحوّلهم من أكثريّة كبيرة إلى أقليّة - على الورق -  وتزداد انخفاضاً مع مرور الوقت.

بينما نرى ازدياد مساحات الحقوق والحريات للأديان التقليدية الأخرى في كوسوفا، والأخطر للمذاهب المعاصرة والأيديولوجيات الجديدة حال نجاحها في تمرير مشروعات قوانين متعلّق بالحريات الدينية مقدمة للبرلمان تطالب بالاعتراف الدستوري الرسمي بها.

هذا التصريح المثير للجدل بشكل غير مسبوق من هاشيم ثاتشي؛ جاء قبل أسبوعين فقط من زيارته للفاتيكان في 16 يونيو 2016م، لمقابلة البابا «فرانسيس»، حيث أكد له أن ما يحمله الفاتيكان من «قيم التسامح والسلام» هو تماماً ما تحمله دولة كوسوفا الحديثة، والتي اعتبرها «ثاتشي» نموذجاً في التعايش بين الأعراق وأتباع الديانات في منطقة البلقان.

وفي ختام لقائه مع البابا والذي استمر لنحو نصف ساعة أفصح رئيس كوسوفا عن هدف كافة تصريحاته وزيارته، والتي كان مقابلها دعوته لبابا الفاتيكان إلى تعديل موقفهم «السياسي» برفض الاعتراف بكوسوفا، ومحاولته الحصول منه على هذا الاعتراف قناعةً منه بأنه سيكون أحد العوامل التي تساعد كوسوفا على الدخول إلى منظومة الاتحاد الأوروبي(3).

رفع واقع أم فرضه؟

إشكالية تحديد الهويّة لدى ألبان كوسوفا في حقيقة الأمر لا تتعلّق برفع واقع لمعرفة رغبة الشعب الألباني في البقاء على الإسلام أو العودة للجذور المسيحية كما طالبهم بابا الفاتيكان قبل أكثر من عشر سنوات، أو التحول لأديان أخرى أو حتى عقائد جديدة تمثلها أيديولويات حديثة تتطلّع للاعتراف بها كما هو معترف بالأديان السماوية.

ولكن لب القضيّة يتمثّل في الاستثمار السياسي لقضية الهويّة لتحقيق تطلعات لدى الطبقة الحاكمة في نيل رضا الغرب والانضمام للاتحاد الأوروبي ومحاولة إقناع هذه الطبقة الحاكمة - التي تحمل توجهات علمانيّة - للشعب الألباني بأن الدين الإسلامي هو العائق الرئيس أمام الانضمام للأسرة الأوروبية؛ متناسيّة ومتجاهلة أن كافة التصريحات الصادرة عن دول الاتحاد الأوروبي تطرقت لملفات الفساد الحكومي والإداري في كوسوفا، معتبرة أنه أكبر عائق أمام انضمام كوسوفا للمنظومة الأوروبيّة وليس الهويّة على الأقل بحسب البيانات الرسميّة الأوروبيّة.

وفي هذا السياق.. تأتي محاولة الدكتور «فتحي مهديو» كأحد الرموز الإسلامية الأكاديمية في كوسوفا في ضبط المصطلحات والمفاهيم التي تتداولها بشكل مغلوط وسائل الإعلام أو التي يقوم بتوظيفها بشكل خطأ القائمون على السلطة التشريعية في البرلمان الكوسوفي فما يتعلّق بقوانين الحريات الدينيّة والاعتراف بالأديان الحالية في كسوفا مع ترك الباب للاعتراف مستقبلاً بـ»أديان» جديدة معاصرة!

وفي هذا الإطار.. ولفهم الجدال أو الصراع حول الهويّة الألبانيّة نلقي الضوء بشكل مختصر على ثلاثة محاور رئيسة هي:

1 ـ علمانيّة الدولة.. محايدة أم معادية؟

لا يفتر السياسيون في كوسوفا عن القول بأن الدولة علمانيّة وليست إسلامية، ومن أجل هذا صودرت كثير من الحقوق والحريات الدينية المتعلّقة بالأكثريّة الألبانيّة المسلمة في كوسوفا والتي بلغت نسبتها 96% من تعداد الشعب البالغ نحو 1.8 مليون نسمة، بينما ارتفعت نسبة الكاثوليك (ألبان) إلى 2.2%، في مقابل تراجع نسبة الأرثوذكس (صرب) إلى 1.5%، وذلك وفقاً لآخر عملية إحصاء سكاني تمت في عام 2011م(4).

ويعلل هؤلاء بأن كوسوفا دولة أوروبية مثلها مثل دول الغرب تنتهج النهج العلماني في إدارة الحكم، متغافلين عن أن «علمانية الغرب» محايدة نوعاً ما تجاه الأديان ولا تتدخل في الحريات الدينية لشعوبها.

2 ـ الخلط بين الدين والأيديولوجية

وهذه هي النقطة المحورية التي تطرّق لها الدكتور «فتحي مهديو» في كتابه الأخير المشار إليه في بداية هذا التقرير.

فقد انتقد خلال مشاركته في لجنة إعداد مشروع قانون الحريات الدينية، بعدم التفرقة بين الأديان السماوية والتي أرسل بها رسل وأنزل عليهم كتب، وبين الأيديولوجيات المعاصرة والتي تدّعي بأنها أديان جديدة.

ففي الحوار الذي أجرته معه صحيفة (تى شيشي – tesheshi) الألبانية الكوسوفية بتاريخ 13يونيو2016م، وفي سياق ردّه على سؤال حول خشيته من حدوث فتنة طائفية أو حرب دينية في كوسوفا؛ أكد أنه حالياً لا يخشى من ذلك، ولكن إن لم تحل الاشكاليات الحالية المتعلّقة بالحريّات والحقوق الدينية خاصة فيما يتعلّق بالمسلمين - غيرهم يتمتع حالياً بحقوق تفتقدها الأكثريّة المسلمة - فإنه يخشى بالفعل من حدوث ذلك مستقبلاً(5).

ومما يؤكّد هذا البنود التي وردت في قانون الحريات الدينية. وبالعودة للمادة الرابعة منه نجد أن البرلمان الكوسوفي اعترف بخمسة أديان هي: (الإسلام – اليهودية – الكاثوليك - الأرثوذكس – البروتسانت).. إلا أن الأخطر من هذا هو ترك الباب مفتوحاً في مادته السادسة للاعتراف بأديان أخرى حال توافق خمسين شخصاً على ذلك وقاموا بإعداد لائحة لا تتعارض مع دستور الدولة(6).

3 ـ الاشكاليّة في الفساد أم الإسلام؟

فكوسوفا مثل بقية دول البلقان إن لم تكن في مقدمة هذه الدول جميعاً محل انتقاد من المنظمات الدولية والمؤسسات المختصة في دوائر الاتحاد الأوروبي بأنها تكتظ بالفساد المالي والإداري والحكومي، وأن هذا مثّل دائماً أكبر عائق أمام هذه الدول في تسريع عمليات انضمامها للاتحاد الأوروبي، وذلك وفقاً لكافة التقارير الصادرة عن هذه الجهات على مدار السنوات الماضية.

لذا يطرح السؤال نفسه: إذا لم يصدر تصريح رسمي من دوائر صنع القرار في منظومة الاتحاد الأوروبي بأن الإسلام هو العقبة الرئيسة أمام بعض دول البلقان ومن بينها كوسوفا في الانضمام إليه.. فما مغزى ترديد  السياسيين في وسائل الإعلام المحلية والأوروبية بأن الهويّة الإسلامية هى ما تعوق عمليات انضمام كوسوفا لأوروبا؟ >

الهوامش

1 ـ صاحب أول ترجمة لمعاني القرآن الكريم التي صدرت في عام 1985م.

2 ـ الصحيفة الإلكترونية الألبانية (انسايديري ـ Insajderi)، بتاريخ 2 يونيو 2016م.

الصحيفة الإلكترونية الألبانية (انسايديري ـ Insajderi)، بتاريخ 16 يونيو 2016م.

4ـ آخر إحصائية للسكان في كوسوفا كانت في عام 2011.

5ـ  حوار بعنوان: الأكاديمي فتحي مهديو: أخبركم ما هي أديان الألبان.

6 ـ قانون الحريات الدينيّة بالدستور الكوسوفي.

الرابط المختصر :