العنوان كوكبة من العلماء والمفكرين في مؤتمر: الحريات.. الواقع والضوابط
الكاتب طارق البكري
تاريخ النشر الثلاثاء 06-مايو-1997
مشاهدات 95
نشر في العدد 1248
نشر في الصفحة 14
الثلاثاء 06-مايو-1997
تحت عنوان «الحريات.. الواقع والضوابط» التقت كوكبة من العلماء والمفكرين لمعالجة قضية فكرية ساخنة، إن كان يعيشها مجتمعنا المعاصر، فإنها من الاتساع بمكان لا يعرف حدودًا جغرافية أو وقتية، ولم يبخل العلماء الذين أتوا من أنحاء العالم فأثروا هذه الندوة بأبحاث ودراسات ومداخلات جعلت من المؤتمر بحق شعلة مضيئة، وألقت في أفئدة الحاضرين والمتابعين الثقة بالمستقبل، برغم كل التحديات والصعاب.
وافتتح المؤتمر صباح الأحد 27/ 4/ 1997م في مقر منظمة المدن العربية، بالتعاون ما بين وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية وكلية الشريعة بجامعة الكويت.
وقد استهل راعي الحفل وزير العدل ووزير الأوقاف والشئون الإسلامية محمد ضيف الله شرار كلمة الافتتاح مرحبًا بالحضور والمشاركين، شاكرًا للباحثين جهودهم.
وقال: هناك من يريد تشويه صورة الإسلام سواء كانوا من أبنائه أو من أعدائه بأفكار ومعتقدات دخيلة على الإسلام وغريبة عن بيئتنا، وكانت أداتهم في ذلك إرهاب من يخالفهم رأيهم أو لا يتفق معهم في طرحهم أو أهوائهم، مشيدًا بالخطوة التي اتخذتها كلية الشريعة ووزارة الأوقاف في اختيار موضوع يناقش هذه الظاهرة من خلال المؤتمر.
وأوضح أن انعقاد هذا المؤتمر بكافة فعالياته سيضيف -بالإضافة لغيره من الندوات- زخمًا جديدًا لمفهوم الحريات في ضوء أحكام الشريعة الإسلامية أو على مستوى القوانين أو من منظور العلوم الإنسانية وعلى صعيد العمل العلمي نظريًّا وتطبيقيًّا. وليحقق المؤتمر من خلال البحوث والدراسات المطروحة على جدول أعماله تداولًا للخبرات وتبادل الأفكار وبما يعزز وحدة الفكر الإنساني في موضوع من أقدم المواضيع التي واجهت علاقة الإنسان بربه أو بني جنسه أو بالأنظمة التي تحكم حياته، ومدى ما يتمتع به من حرية في هذه الحياة، مشيرًا إلى أن هذا الأمر أحدث تضاربًا في العلاقات الإنسانية بين إفراط وتفريط قاد الإنسانية إلى تخبط في ممارسة الإنسان لحريته إلى أن بزغ فجر الإسلام الذي اختار الوسطية فاحترم حرية الإنسان وحفظ للمجتمع كرامته واستقراره حينما أعطى للفرد حرية مطلقة في إطار من القيم التي بني عليها المجتمع الإسلامي.
كما ألقى عميد كلية الشريعة د. محمد عبد الغفار الشريف كلمة شدد فيها على أهمية القضية محور المؤتمر، معتبرًا أنها من أبرز الموضوعات الفكرية على الساحة العالمية، وقال: إن الدعوة للتحرر من الجهل هي أعظم دعوة للحرية بكل معانيها: العقدية والاقتصادية والإعلامية والسياسية، وأن العلم يطلق العنان للعقل ليجول في كل الآفاق، وليتفكر في خلق نفسه وفي خلق الكون من حوله، ليصل إلى الحقيقة الخالدة، وهي التسليم لرب العالمين، وأن الحرية في الإسلام لیست فوضى -كما هي في النظام الغربي- بل الحرية في الإسلام منضبطة في إطار من الشريعة والأخلاق السامية.
وكيل وزارة الأوقاف المساعد لشئون الثقافة الإسلامية ورئيس اللجنة التحضيرية للمؤتمر عبد العزيز القناعي أكد في كلمته أن هذا المؤتمر يأتي في وقت نحن بأشد الحاجة لجهد فكري جماعي إسلامي المنشأ والمنطق والهدف، يتفاعل إيجابًا مع الفكر المعاصر ومع الحفاظ على الهوية الإسلامية، دون المساس بأصولها وثوابتها الراسخة وفروعها المستقرة.
ولمح القناعي إلى أن مشكلة الحرية هي مشكلة «الإنسان» في صراعه مع الطبيعة ومع المجتمع، بل ومع ذاته، وقد يصل به الأمر إلى محاولة تحطيم هؤلاء الأغيار حتى يثبت لنفسه أنه حر، غير أنه ما يلبث أن يجد نفسه وحيدًا لا تستند حريته إلى شيء.
وارتجل د. محمد عمارة كلمة نيابة عن المشاركين في المؤتمر أكد فيها العمل في هدي شعار المؤتمر ومحاوره من خلال جلسات العمل والحلقات النقاشية، وأشاد د. عمارة بالدور الريادي لدولة الكويت، واصفًا عطاء الكويت الخير بالباب الآمن للأمن العالمي، وأكد أن الوطن الذي لديه العطاء الخيري إلى جانب العطاء الفكري سيكون محفزًا لأبنائه للحرص على أمنه. وبين عمارة أن رسالة الإسلام في جوهرها هي التحرير؛ أي تحرير الإنسان بكل ما لديه من ملكات تصنع المعجزات، مشيرًا إلى أن رسالة الإسلام يمكن تلخيصها في كلمة واحدة هي «الإحياء» مصداقًا لقوله تعالى: ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ (الأنفال: 24) معتبرًا أن هذا لا يحصل إن لم يكن الإنسان حرًّا.
وقد ناقش المؤتمرون على مدى ثلاثة أيام القضايا المتفرعة عن موضوع الحريات، فقدم د. عادل الطبطبائي ورقة بعنوان: ماهية الحرية من منظور القوانين الوضعية، أكد فيها أن الحقوق والحريات التي يعرفها الدستور الكويتي ويكفلها يمكن تقسيمها إلى قسمين أساسيين: الأول: يتناول الحقوق والحريات التقليدية، أما الثاني فيشمل الحقوق الاقتصادية والاجتماعية.
وأوضح د. الطبطبائي أن المقصود بحرية الانتقال واختيار مكان الإقامة هو قدرة الإنسان على الانتقال من مكان إلى آخر داخل البلاد، وكذلك حقه في اختيار مكان إقامته داخل البلاد، فلا يحظر عليه الإقامة في جهة معينة إلا في الأحوال التي يبينها القانون، وقد بين الدستور الكويتي هذه المبادئ في المادة «۲۸» منه عندما نصت على أنه لا يجوز إبعاد كويتي عن الكويت أو منعه من العودة إليها، وكذلك المادة «۳۱» من الدستور التي تنص على أنه لا يجوز القبض على إنسان أو تحديد إقامته أو تقييد حريته في الإقامة أو التنقل إلا وفق أحكام القانون، وقال: إنه قد تقتضي أحيانًا المصلحة العامة وضع بعض القيود على السفر إلى الخارج، وذلك من أجل المحافظة على سلامة البلاد واقتصادها، ولذلك أورد الدستور عبارة:
«... إلا وفق أحكام القانون»، ليجعل مثل هذا التقييد دستوريًّا، وقد سبق الإسلام كذلك الدساتير الوضعية في تقرير هذا الحق، فقد كفل الإسلام للفرد حريته في الانتقال من مكان إلى مكان كما يشاء، بل إن الإسلام يحث على ذلك.
أما د. مصطفى العرجاوي فقد تناول موضوع ماهية الحرية في ضوء الشريعة الإسلامية، وأكد أن الإسلام دعا إلى الحرية وقررها حقًّا ثابتًا ومؤكدًا للإنسان منذ ولادته، وأضاف أن الحرية ملك مشاع وحق مطلق لكل البشر على السواء في شتى أنحاء الأرض بلا تمييز ولا عنصرية، فالكل لآدم، وآدم من تراب، فالإنسان في ظل الإسلام حر في إنسانيته وعقيدته، وحر في إبداء رأيه وفي اختيار الأسلوب الذي يريده في حياته بما لا يتعارض مع أحكام الشريعة الإسلامية الغراء.
وقال د. محمد منير سعد الدين من جامعة الإمام الأوزاعي للدراسات الإسلامية في بيروت في ورقته: إن التغيير يجب أن يتم وفقًا لمنهجية علمية مستندة إلى عملية التغيير التي مارسها رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنه القدوة الصالحة لكل زمان ومكان، مبينًا بعض الحالات التي وقعت في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم.
الواقع والضوابط
وفيما يتعلق بضوابط الحرية قدم د. بشير الرشيدي أستاذ علم النفس التربوي بجامعة الكويت ورقة بعنوان «الحرية الاجتماعية.. الواقع والضوابط والمعايير»، ود. أحمد الريسوني الأستاذ بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة محمد الخامس بالمغرب ورقة بعنوان: «حرية الرأي والتعبير في الشريعة الإسلامية.. المجالات والضوابط».
وأكد الدكتور بشير الرشيدي أن هناك خطين متقابلين ومرتبطين ارتباطًا لا انفصام له في حياة الإنسان، هذان الخطان هما «الفردية والجماعية»، والإنسان الفرد ليس فردًا خالص الفردية قائمًا بذاته، وليس جزءًا من قطيع متميز الكيان، وإنما هو يجمع بين هذا وذاك، بين الفردية والجماعية.
وعقب الدكتور بدر الماص على البحث المقدم من الدكتور بشير الرشيدي مشيرًا إلى أن انتفاء القيود ليس انتفاء مطلقًا، وإنما هو محدد بما هو مقدور وممكن، وأن الحرية الاجتماعية نقيض للفوضى الاجتماعية؛ لأن عدم تنظيم انتفاء القيود في المجتمع سوف يجعله مجتمعًا فوضويًّا وليس مجتمعًا حرًّا.
الحرية المعاصرة
وقدم المستشار سالم البهنساوي ورقة بعنوان «الحرية بين الشريعة والقوانين» اعتبر فيها أن حرية التعبير هي أساس الحريات كلها، وأجرى دراسة مقارنة بين مواثيق الحريات في العصر الحديث التي جاءت ثورة ضد تعسف رجال الكنيسة في أوربا، وبين الحرية في الإسلام التي هي أصل، إذا فهمت بالمعنى العام؛ أي أنها ضد الرق والعبودية ولا تعني الفوضوية، وأنها مقيدة بما لا يعارض القرآن والسنة.
وعرج المستشار البهنساوي إلى مفهوم الحرية في الإسلام من الناحية النظرية والتطبيقات العملية في عصر الرسول صلى الله عليه وسلم، ثم الخلفاء الراشدين من بعده، مشيرًا إلى نماذج للواقع السيئ للحرب المعاصرة التي استباحت الطعن في الإسلام وفي النبي صلى الله عليه وسلم تحت ستار حرية الرأي، وقال البهنساوي: إن كلمة الحرية لها سحر جذاب لدى كل إنسان، فهي ضد العبودية والاستبداد والظلم، وهي ترتبط بالإنسان منذ ولادته وحتى يموت، كما ظن نفر قليل من الإسلاميين أنه طالما أن الحرية من مقومات النظام الديمقراطي، فهو نظام كفر، ولم يقف هؤلاء عند هذا الحد من الفهم، بل زعموا أنه لا حرية في الإسلام، وأن موقفهم هذا من الحرية هو المبدأ الثابت للحركة الإسلامية بجميع أشكالها، كما ظن نفر من العلمانيين أن الحرية تخولهم الطعن في شريعة الإسلام، ونقد الأنبياء والرسل، وعقب على الورقة الشيخ محمد العوضي مركزًا على ضوابط الحرية حتى لا تنقلب الحرية إلى فوضى.
وقال الأستاذ جمال سلطان الكاتب المصري: إن هناك ازدواجية غريبة في موقف العلمانيين العرب من قضية حرية التعبير، إذ بينما نجدهم يدافعون عن حرية بعض المتماجنين فكريًّا ممن يتهجمون على النبي والقرآن ورموز الأمة، نجدهم -في الوقت ذاته- يحرضون ضد كتابات الإسلاميين ويطالبون بمصادرتها ومصادرة شرائط أهل العلم، كما أشار جمال سلطان إلى أنه لا توجد حرية رأي مطلقة في أي زمان أو أي مكان، حتى في الغرب ذاته.
الإرهاب
وعن العنف والإرهاب تحدث د. محمد عمارة فعزا بروز ظاهرة العنف ذي النظرية والصيغة الفكرية إلى اضطهاد الدولة للتيار الإسلامي وأنحى باللائمة على الإعلام الذي يضخم الظاهرة رغم محدوديتها.
وذكر د عبد الرزاق مشوم -من جامعة الجزائر- أن كلمة الإرهاب تسللت إلى فلسفتنا وأخلاقنا تحت راية الغزو الثقافي والأيديولوجي.
وقال د عبد الله الشايجي: إنه طالما استمرت الدول الكبرى في استخدام مكاييل مختلفة وموازين متعددة فسيبقى هناك ظلم وسيكون هناك من يريد الانتقام، واستعرض د. عمر الأشقر الأستاذ بالجامعة الأردنية عددًا من الشواهد التي روج لها الغرب ونفرت الناس من التعامل مع القيم الإسلامية الناصعة.
ندوتان نسائیتان
وضمن فعاليات المؤتمر عقدت جلسة نقاش خاصة بالنساء تحت عنوان: «حرية المرأة في ضوء الشريعة الإسلامية»، قدم الورقة د. عيسى زكي من الإدارة العامة للإفتاء بوزارة الأوقاف تحدث فيها عن حقوق المرأة وتصرفاتها، فذكر أن الإسلام يلزمها بالحجاب والاستئذان، ويوجب عليها الولاية العامة، وتحدث عن حرية المرأة بين حفظ حقوقها والأحكام المقيدة لتصرفها.
ثم عقب مدير تحرير مجلة النور محمد رشيد العويد فبين أن الحجاب ليس قيدًا على المرأة، بل هو تحرير حقيقي لها، ودلل على ذلك بعدد من النقاط العلمية والواقعية والنفسية.
وتحدثت د. عفاف شكري من كلية الشريعة فرأت أن حرية المرأة مكفولة في الإسلام، وأن حقوق المرأة لم تحقق قبل نزول الشريعة.
د. سهير فؤاد من كلية الشريعة قالت بدورها: إن الإسلام أعطى المرأة من الحرية والحقوق مثلما فرض عليها من الواجبات، الأمر الذي لم تصل إليه المدنية الغربية في القرن العشرين.
وعقدت جلسة نسائية ثانية تحت عنوان: «حرية المرأة في ضوء الأعراف الاجتماعية»، وقدمت نظيرة البدر رئيسة اللجنة الاجتماعية بجمعية بيادر السلام ورقة، وعقب عليها ألطاف العيسى وبدرية العزاز، وأكدت المشاركات على أن المطالبة بحرية المرأة ليست شيئًا جديدًا، وأن الإسلام سبق إلى مدح هذه الحرية قبل أربعة عشر قرنًا من الزمان.
توصيات المؤتمر
وفي الجلسة الختامية تلا الدكتور محمد الأحمدي أبو النور توصيات المؤتمر ومنها:
1- يؤكد المؤتمرون على ضرورة العمل على تبني وتنفيذ توصيات المؤتمرات السابقة التي عقدتها كلية الشريعة مع الجهات المسئولة في الدولة.
2- حرية الإنسان جزء لا يتجزأ من كيانه فلا يجوز إهدارها ولا المساس بها تحت أي مسمى.
3- يؤكد المؤتمرون على أن المسلم مهما خول من حرية فهو يمارسها في إطار الشريعة الإسلامية التي يحكمها في كل تصرفاته وشئون حياته، وأن ذلك يتم بتلقائية إيمانية.
4- لا تثريب على النوايا وخفايا الصدور ومكنونات العقول ما لم تخرج إلى العلن، وعلى نحو يجرمه الشرع.
5- حرية الاعتقاد مكفولة شرعًا لكل إنسان في المجتمع المسلم، ولا ينافي ذلك تطبيق حد الردة.
6- يؤكد المؤتمرون على أن وحدة الأمة الإسلامية وتعاون شعوبها على البر والتقوى هو طريق النهوض والتقدم اقتصاديًّا وسياسيًّا واجتماعيًّا، وأنه ركيزة تحررها من ربقة التخلف ورق التبعية، وأن ذلك هو الأسلوب الأمثل للتعايش مع التكتلات العالمية.
7- التأكيد على تحرير الوسائل الإعلامية والتعليمية والمناهج التربوية والمؤسسات الاجتماعية من التيارات السلبية للنظم والنظريات الوافدة التي تتنافى مع الشريعة الإسلامية.
8- إبراز الصور المشرفة لأعلام الأمة الذين كانوا رمزًا للحرية والذين عملوا على تعميق مفهومها، وتطبيق منهجها.
9- تحصين الشباب إيمانيًّا وتربويًّا حتى لا يسيء استخدام الحرية في أي مكان وزمان.
10- ضرورة التفرقة بين من يجاهد للحصول على حقه أو للدفاع عن أرضه وعرضه، وبين من يمارس سياسة القمع والتنكيل والإبادة.
11- تشجيع حرية الرأي والإفادة من النقد البناء في إطار آداب النصيحة لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم بالحكمة والموعظة الحسنة.
12- الشورى والاستشارة ركيزتان أساسيتان من ركائز الحرية اللازمة لسلامة القرار وحمايته من الزلل والانحراف والتعسف.
وحيا المؤتمر الكويت وكفاحها وتاريخها في ماضيها المشرق، ويومها الماجد، وغدها الواعد.
وناشد المؤتمر الضمير العالمي الأبي ومنظمات حقوق الإنسان من خلال مؤتمر الحريات أن يوالي جهوده وضغوطه واستنفاره لذوي الهمم من أجل إطلاق الأسرى وعودتهم إلى وطنهم الكويت الحبيب سالمين آمنين.