; كيف تتولد الأفكار (1) | مجلة المجتمع

العنوان كيف تتولد الأفكار (1)

الكاتب د. نجيب الرفاعي

تاريخ النشر الثلاثاء 07-فبراير-1995

مشاهدات 97

نشر في العدد 1137

نشر في الصفحة 50

الثلاثاء 07-فبراير-1995

  يقول ابن الجوزي في مقدمة كتابه الرائع صيد الخاطر: «لما كانت الخواطر تجول في تصفح أشياء تعرض لها، ثم تعرض عنها، فتذهب كان أولى الأمور حفظ ما يخطر لكيلا ينسى، وقد قال عليه الصلاة والسلام: «قيدوا العلم بالكتابة»، وكم قد خطر لي شيء، فأتشاغل عن إثباته فيذهب فأتأسف عليه، ورأيت من نفسي أنَّني كلما فتحت بصر التفكر سنح له عجائب الغيب ما لم يكن في حساب، فانثال عليه من كثيب التفهيم ما لا يجوز التفريط فيه، فجعلت هذا الكتاب قيدًا .. لصيد الخاطر...».
   ويتضح من كلام ابن الجوزي أن القاعدة الذهبية الأساسية في حفظ الأفكار وتطويرها هو الكتابة فورًا.
  الآن أخرج ورقة أو مذكرة وضعها في جيبك، واكتب فكرتك الجديدة أو المشروع الذي تود تطويره، وحافظ على عادة الكتابة باستمرار.
تعود على التغيير:
  حتى لا تقع أسيرًا للعادة، وحتى يتعود تفكيرك على حب التغيير الذي هو أساس الإبداع غير روتينك اليومي.
ابحث عن الفكرة الجديدة في غير الأماكن المعتادة:
  لا تركز في بحثك عن الفكرة الجديدة في مكان واحد، لا تكن أسيرًا لهذا المكان، في الواقع هناك أماكن أخرى تستحق منك التفكير فيها، لربما تكون جمعية تعاونية أو مسجدًا أو متحفًا!!
استعر مع التغيير:
  استعارة الأفكار شيء ممتاز مطلوب بشرط إحداث تغييرات جديدة فيها؛ حتى تكون جديدة متطورة أفضل من سابقتها.
 هل سمعت بالمدفع السلطاني؟ لقد استعار العثمانيون فكرة المدفع من غيرهم، ولكن مع التغيير جاء المدفع السلطاني الذي كان يزن سبعمائة طن، وتزن القذيفة الواحدة اثني عشر ألف رطل، ويجرّه مائة ثور يساعدها مائة من الرجال الأشداء، ويزحفون به زحف السلحفاء، وعندما أرادوا تجربته لأول مرة سمع دويه على بعد ثلاثة عشر ميلًا، وسقطت قذيفته على بعد ميل، وصنعت حفرة في الأرض عمقها ستة أقدام.
ابحث عن الإجابة الأولى والثانية والثالثة و......
  إن أفضل طريقة للحصول على فكرة رائعة وجديدة هو أن تحصل على أفكار كثيرة، ثم تغربل هذه الأفكار وتخرج منها الفكرة الجديدة، لا تقف عند أول إجابة تحصل عليها صحيحة، فكر، فلربما تحصل على أكثر من إجابة صحيحة، ماذا تفعل كي تبني منزلًا خاصًا بك؟
  تأخذ ديْنًا من أحد الأصدقاء، أو تقوم بجمع المال مدة ٢٠ سنة؟ أو تقوم بمشروع تجاري أو... أو ...؟!.
غير صيغة السؤال: 
  تروى قصة أن أحد القرى كانت في كل سنتين تنصِّب لها حاكمًا، وبعد هذه المدة ينفى في الصحراء؛ ليموت وهكذا جاء الحاكم الأول والثاني و..؛ حتى جاء أحدهم فلما استلم الحكم حول الصحراء التي عادة ينفى فيها الحكام إلى حديقة كبيرة، وبني فيها قصرًا، وأجرى فيها الأنهار..، فلما حان موعد انتهاء مدة حكمه تعجب أهل القرية من صنيعه، وجعلوه حاكمًا مدى الحياة.
  في هذه القصة كان الحكام الأولون في بداية استلام حكمهم يقولون: «ماذا نفعل لنتمتع في مدة الحكم؟».
  بينما الأخير قال : « ماذا أفعل لأتمتع بعد نهاية الحكم »،  وكذلك الفكرة التي تفكر فيها الآن تحتاج منك ألا تركز على سؤال واحد، فلربما تكون صيغته خاطئة.
  حاول أن تغير السؤال، فكر بأكثر من سؤال.
إعداد: عبد الحميد البلالي.
وقفة تربوية.
احذروا المهلكات الثلاث.
   صدق رسول الله ﷺ له عندما ذكر الأمر الذي من تمسك به أن يحيد عن الطريق، ويضمن ثباته بإذن الله على الصراط المستقيم، وذلك بقوله ﷺ: «تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدی، كتاب الله وسنتي»أو كما قال ﷺ.
   فالكتاب والسنة فيهما من الضوابط ما يجعل المسلم في أمن وأمان من الزيغ، وتجعله دائم النظر إلى الأمام، وتجنبه محبة الالتفات إلى الوراء أو إلى جانبي الطريق، وإذا ما اختطف الشيطان منه نظرة من هنا أو هناك، ترى تلك الضوابط ترجعه سريعًا إلى الصراط ليواصل المسير والارتقاء، ومن هذه الضوابط قول النبي ﷺ فيما رواه البزار بإسناد حسن: «ثلاث مهلكات شح مطاع، وهوى متبع وإعجاب المرء بنفسه»، فقلة الراتب تدعو إلى الشحّ، والتورط بالكماليات يدعو إلى الشح. والنفقات الأسرية تدعو إلى الشح، وحب النفس للمال يدعو إلى الشح، فهل يستطيع الداعية النجاة من هذه الجواذب كلها التي تدعوه للشحّ، فإن فعل فقد نجا من الأولى، ثم تأتي نفسه التي ترغبه لفعل ما لا يرضاه الله خاصة إذا تعارض مع ما يريده الله أو رأى الحق مع غيره، فلم يقف مع الحق تماشيًا مع هواه، وانتصارًا لنفسه، فهل ينجو من ذلك الهوى، فإن فعل فقد نجا من الثانية. 
   ثم يأتي المهلك الثالث وهو يعمل ليل نهار في الدعوة إلى الله تعالى، يتكلم ويفعل، ويرى الإنجازات تلو الإنجازات، ويرى الثمار اليانعة ويسمع ثناء الناس على فعله مما يجعله يعجب بما قام به ، أو بما تحدث عنه، وينسى خلال نشوته، هذه توفيق الله له، وتسهيل المولى لأعماله، وأنه لا حول له ولا قوة، وأن الحول كله لله تعالى، مما يوصله إلى أخطر الأمور، حيث يستشعر بأنّه لولا هو لما نجح العمل الفلاني، أو لما ظهرت تلك النتائج الباهرة، فإن نجا من كل ذلك، وتذكر بأنَّها مهلكات ثلاث قد تحرق العمل كله الذي قام به، ونسب الفضل كله لله  ـ تعالى ـ كان من الناجين الثابتين على صراط الله المستقيم .
أبو بلال

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 98

130

الثلاثاء 02-مايو-1972

صفحات حرة "98"