; كيف تقرأ القرآن؟ | مجلة المجتمع

العنوان كيف تقرأ القرآن؟

الكاتب صالح الراشد

تاريخ النشر الثلاثاء 09-أغسطس-1977

مشاهدات 64

نشر في العدد 362

نشر في الصفحة 15

الثلاثاء 09-أغسطس-1977

• تقديم:

ربما يذهب البعض إلى أن الحديث عن قراءة القرآن أمر لا يحتاج إلى إسهاب القول وإطالة العرض لكثرة ما يسمع عنه، والصحيح في هذا الموضوع أنه بحاجة كبيرة جدًا إلى الإيضاح وجلاء ما يستتبع من جزئيات، ذلك أنه ليس المهم مجرد القراءة والتلاوة- مع كونها صحيحة الألفاظ- وإنما ما تحمل من معانٍ وعظات وعبر، وما توجه إليه من أعمال وتصرفات واعتقادات قلبية وتصور لمناحي شئون الحياة وأفكارها ومذاهبها، واعتماد شمولية ما يدعو إليه القرآن الكريم يحقق القيام بهذه العبادة الجليلة مضافًا إلى ذلك الأخذ بالآداب وإدراك الفضل العظيم في التلاوة وتحقيق الآيات في السلوك، بحيث تغدو واقعًا وعملًا يعيش المسلم في ظلها حياة كحياة الصحابة رضوان الله عنهم أجمعين.

• فضل تلاوة القرآن:

تكرر طلب الذكر في القرآن الكريم؛ ذلك أنه ليس له حد محدود وليس له وقت معين، وبذلك تقرر أن يكون المسلم من الذاكرين لربه وكان أعلى الذكر هو تلاوة هذا الكتاب الحكيم، إذ سجلت للقيام بتلاوته أرفع الدرجات وجاء الحث عليها بآيات كثيرة؛ منها الآيات المكررة في سورة القمر بقوله سبحانه: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآَنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ الآية (القمر: 17) وقد بين سيدنا المصطفى- عليه الصلاة والسلام- بأن- ألم- ليست حرفًا وإنما ألف حرف ولام حرف وميم حرف، وبكل حرف حسنة والحسنة بعشر أمثالها. وإن القرآن يأتي شفيعًا لأهله يوم القيامة وتتعدد الأحاديث الثابتة في بيان الكريم- كتاب الله سبحانه- حتى الفضل العظيم لتلاوة هذا الكتاب أنه لتأتي سورتا البقرة وآل عمران ترافعان أو تحاجان عن صاحبهما يوم القيامة، وإنه يقال لحافظ القرآن اقرأ وارتقِ، وإنه لا حسد بمعنى الغبطة إلا لرجلين أحدهما يتلو القرآن آناء الليل وأطراف النهار وهكذا ترد أقوال وتوجيهات نبينا الكريم صلى الله عليه وسلم في هذا الموضوع، مضافًا إليها الذم والتقريع الشديد والترهيب المخيف من التقصير وترك القيام بهذا الواجب الكبير، إذ يكفي أن يكون بيتًا خربًا إن لم يكن في جوفه شيء من القرآن.

• آداب التلاوة: هناك من الباحثين من يفصل الآداب عن الكيفية، فهي إما مقدمة عليها أو تالية لها، أما في كلمة تذكير كهذا الموضوع فإن التأدب في معرفة صحة الألفاظ وعلامات الوقف لهو من جملة الآداب العامة، وقد كثرت الكتابات قديمًا وحديثًا عن التلاوة والتجويد، وهي ما بين قصيرة وطويلة، وما كان منها شعرًا أو نثرًا ولعل من الاستطالة ذكر وتعداد هذه الأبحاث، وإنما المفيد منها إذ شاع شيوعًا كبيرًا رسالة صغيرة كتبها الأستاذ عبد البديع صقر بعنوان: «التجويد وعلوم القرآن» وقد وقف فيها الأستاذ الفاضل على تقديم كيفية التلاوة الصحيحة أو التجويد بصورة مبسطة من السهولة أن تتقن وتعرف بعد مران غير طويل، وذلك أنه يجب علينا أن نعرف أن هناك المد وأقسامه ومن ثم أقسام أربعة للنون الساكنة والتنوين وأخيرًا أحكام قليلة متفرقة وتلك خلاصة القواعد الدقيقة والمهمة لقراءة القرآن إلا أنه يجب علينا أكثر من ذلك التأدب حال القراءة أو سماعها، إذ لا بد من الخشوع والتدبر إشعارًا بأن الكلام كلام الله سبحانه، كذلك الوضوء والطهارة والتأني عند الآيات لمعرفة المراد لا تلاوتها بسرعة، فقد جاء عن الصحابة بأن قراءة البقرة وآل عمران بتؤدة خير من ختم المصحف هذرمة- بعجلة- وجمع الأستاذ عادل أحمد كمال في كتابه علوم القرآن وهو كتاب جيد صغير آدابًا كثيرة زادت عن السبعين، إلا أن أهم الآداب التأني وتدبر المقروء ودلالاته مع الخشوع والخضوع والاستجابة لأمر الله والتسبيح عند ذكره وحمده عند ذكر نعمه والاستبشار بطلب الدعاء عند ذكر الجنة وما أعده للمؤمنين والاستعاذة عند ذكر النار وأهوال العصاة والمذنبين، وسواء أكان المسلم قارئًا أو مستمعًا عليه التقيد بهذه الآداب الحميدة التي تزكي النفس وتطهرها من أدران الجهل والعبث وترفعها إلى مراقي الخير وتعظيم كتاب الله سبحانه عملًا لا قولًا فحسب.

 • القراءة العملية: إذا كانت للقرآن الكريم تلك الآداب السابقة التي ذكرناها فهو ليس كتابًا يقرأ للإفادة العلمية أو الأدبية أو لتزجية الفراغ، وإن كان هذا موجودًا فهو من الزائد المضاف فهو كتاب هداية أولًا ويحسن أن تسبقه الطهارة؛ خاصة إذا كان الإقبال للقراءة التعبدية لا بحثًا عن آية أو حكم شرعي، فالواجب أن يكون هذا الإقبال مصحوبًا بالتعظيم والخشوع وتلقي كلام الله سبحانه بالخضوع التام الدافع لتحقيق القول عملًا إذ توفرت دواعي الاستعداد، والحقيقة أن القلب هو العنصر الفعال لترسيخ توجيهات التلاوة متى ما كان منفتحًا مشروحًا، وحتى لو لم يكن كذلك فإن إرغام النفس على الإكثار من التلاوة تحقق صقل القلب وغسله من أدران الشهوات والشبهات، فيغدو محققًا مطالب ما في التلاوة من إرشادات. ولعل هذه الصورة أكثر طلبًا في تحقيق ما يدعو إليه الكتاب الحكيم، إلا أن الإمام ابن القيم في كتابه الجيد النفيس (الفوائد)، يبدأ مقدمته ببيان تأثير القرآن في النفس ويؤكد أن تمام الاستعداد يكون بإفراغ السمع للكلام والقلب للتأمل والتفكر، وقد رسم لذلك شروطًا أخذها من مفهوم آية من كتاب الله فقال رحمه الله: «إذا أردت الانتفاع بالقرآن فاجمع قلبك عند تلاوته وسماعه، وألق سمعك واحضر حضور من يخاطبه به من تكلم به سبحانه منه إليه، فإنه خطاب منه لك على لسان رسوله قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ الآية (ق: 37) وذلك أن تمام التأثير لما كان موقوفًا على مؤشر مقتضى، ومحل قابل، وشرط لحصول الأثر وانتفاء المانع الذي يمنع منه، تضمنت الآية بيان ذلك كله بأوجز لفظ وأبينه وأدله على المراد؛ فقوله ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى﴾ هو المؤثر وقوله ﴿لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ هو المحل القابل وقوله ﴿أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ﴾ أي وجه سمعه وهو شرط التأثر وقوله ﴿وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ أي حاضر القلب بمعنى أنه انتفى المانع الذي يجعله مشغول القلب عن غير القرآن».

وهكذا نلحظ أهمية اعتماد دواعي الاستعداد لحصول التدبر المحقق لأغراض التلاوة ويؤكد لنا الإمام ابن القيم الصورة التي طرحها سابقًا بتصوير مدلولات الآيات ويركز كثيرًا على صفات الله سبحانه فيقول في ص26 من كتابه الفوائد «تأمل خطاب القرآن تجد ملكًا له الملك كله وله الحمد كله أزمة الأمور كلها بيده ومصدرها منه ومردها إليه لا تخفى عليه خافية في أقطار مملكته عالمًا بما في نفوس عبيده مطلعًا على أسرارهم وعلانيتهم منفردًا بتدبير المملكة يسمع ويرى ويعطي ويمنع ويثيب ويعاقب ويكرم ويهين ويخلق ويرزق ويميت ويحيي ويقدر ويقضي ويدبر الأمور، نازلة من عنده دقيقها وجليلها وصاعدة إليه لا تتحرك ذرة إلا بإذنه ولا تسقط ورقة إلا بعلمه» - ويستطرد ابن القيم رحمه الله في ذكر صفات الله سبحانه وأفعاله وتصريفه لشئون الكون وما فيه مبينًا في خاتمة هذه الفائدة أن شهود القلوب من القرآن ومن ثم يذهب رحمه الله شارحًا ما سبق في ذكره لتأثير صفات الله سبحانه في نفس المسلم فيقول في ص62 «القرآن كلام الله وقد تجلى الله فيه لعباده بصفاته فتارة يتجلى في جلباب الهيبة فتخضع الأعناق وتخشع الأصوات ويذوب الكبر وتارة يتجلى في صفات الجمال والكمال وإذا تجلى بصفات الرحمة والبر واللطف والإحسان انبعثت قوة إلجاء من العبد وانبسط أمله وقوي طمعه وسار إلى ربه وحادي الرجاء يحدو ركاب سيره، وإذا تجلى بصفات الأمر والنهي والعهد والوصية وإرسال الرسل وإنزال الكتب انبعث منها قوة الامتثال والتنفيذ» وهكذا يستطرد الإمام ابن القيم ثم يقول «وجماع ذلك أنه سبحانه يتعرف إلى العبد بصفات إلهيته تارة وبصفات ربوبيته تارة فيوجب له شهود تلك الصفات المحبة والشوق إلى لقائه والسرور بخدمته والمنافسة في قربه... إلخ» ذلك ص65.

ومثل تلك الإيضاحات التي أفادنا بها ابن القيم- رحمه الله سبحانه- كذلك صوّر الإمام الغزالي رحمه الله في إحيائه في حديثه عن آداب التلاوة طرفًا من التدبر العملي في تلاوة كتاب الله جل وعلا، وقد جاءت مثل هذه الإيضاحات بأمثلة كثيرة عند الشهيد سيد قطب رحمه الله في كتابه خصائص التصور الإسلامي كما اعتمدها أساسًا في كتابيه «التصوير الفني في القرآن» و«مشاهد القيامة في القرآن»، كذلك جاءت مفيدة مؤثرة في كتاب منهج التربية من فصل تربية الروح للأستاذ محمد قطب، ومن شواهد القول حديث الأستاذ محمد شديد في كتابه منهج القرآن في التربية ص109 إذ يقول: «ويريد القرآن أن يجعل المؤمن يقظًا مرهف الحس موصولًا بربه كأنما يرى يد الله تسقط الغيث وتنبت الزرع وتبعث الحياة في موات الأرض وينبض قلبه مع كل ظاهرة من ظواهر الكون ويتجاوب حسه مع تسبيح الوجود بحمد الله وقدرته، ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ، أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ﴾ (الواقعة:58-59)، ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ، أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾ (الواقعة:63-64)، ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ، أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ﴾ (الواقعة:68-69)، ﴿أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ، أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ﴾ (الواقعة:71-72)».

هذا ولعل الصورة الأوضح للقراءة العملية تنجلي لنا بأمثلة من نماذج التطبيق، إذ كيف يتيسر لنا وعي القرآن وإدراكه والتزام مطالبه تحقيقًا لما قالته عائشة رضي الله عنها عن سيدنا الرسول- صلى الله عليه وسلم- في رواية النسائي إنه «كان خلقه القرآن»؟؟

• نماذج تطبيقية:

كم من كتابات وأقوال أسبغت على القرآن الكريم فمن المفيد جدًا من هذه الكتابات كتاب «إعجاز القرآن والبلاغة النبوية» للأستاذ مصطفى صادق الرافعي وبالرغم من وعي النواحي اللغوية والبلاغية لدارس القرآن ومتتبعي آثار الآيات إلا أن المسألة لا تقف عند حد المعرفة المجردة دون توكيدها بالتطبيق العملي، ولكن وللأسف الشديد، وهو أسف لا يكفر إلا بالعودة إلى كتاب الله سبحانه عملًا في كافة شئون الحياة بالشكل الذي يجعله مقدمًا على كل شيء، فهو الدستور ومعنى ذلك تحكيمه دون غيره من المناهج البشرية الناقصة، ويكون مصدرًا من مصادر التشريع لا أن يتلى في الندوات والحفلات مقتصرين على ذلك كأننا نؤكد هجر القرآن، وكم هو مؤلم للنفس ما نراه من نتائج تطبيق المناهج الناقصة المشلولة، كم هو مؤلم إذ نرى ذلك تاركين منهج ربنا سبحانه المنزه الشامل الكامل التبيان لكل شيء، وهذا الهجر قد يتنوع كما يشير ابن القيم في كتابه الفوائد ص75 إلى أن يكون هجر سماعه والإيمان به والإصغاء إليه أو هجر العمل به والوقوف عند جلاله وحرامه وإن قرأه وآمن به، أو هجر تحكيمه والتحاكم إليه أو هجر تدبره وفهمه وكل هذا داخل في قوله ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآَنَ مَهْجُورًا﴾ (الفرقان: 30).

إن إدراك معنى الهجر وإدراك ما هو مطلوب من المسلم وإحساسه العميق بنعمة منهجية القرآن المنزل من ربه، إن كل ذلك يدفع المسلم ذاته جاعلًا منه داعيًا لغيره لا لنفسه فقط، إلى تدبر آيات الله ذات الأثر البالغ والحكم العامة تحقيقًا لرسوخ الإيمان في النفس، فالمسلم بهذا الإدراك لا يقتصر على نفسه لأن منهج ربه جاء عامًا شاملًا لكل البشرية ولكل متطلباتها، وبذاك ينهض ناشرًا الدعوة بالسلوك قبل القول والخطبة والكتابة، وكي يتأكد ذلك للمسلم ولمن أراد أن يسلم أيضًا انطلاقًا من عموم منهجية القرآن كي يتأكد ذلك لا بد من المواظبة اليومية على كتاب الله سبحانه فإن الالتزام بورد يومي عامل أساسي في تقويم مسيرة المسلم السلوكية، وليس شرطًا أن يكون الورد طويلًا وإنما المهم أن يتحقق الاتصال بكتاب الله جل وعلا، فخير العمل أدومه وإن قل، ذلك أن المواظبة اليومية على التلاوة تقدم للمرء عطاء ليس مثله عطاء، عطاء في الفكر حيث يستنير فكره، وعطاء في السلوك حيث يتهذب سلوكه، وعطاء في النفس حيث تطمئن نفسه، وهكذا يتم العطاء في مجموع جوانب حياته، وتوضيحًا لهذه العطاءات مثال الآية الكريمة ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ (البقرة: 238).

فهنا الأمر بالمحافظة ينير عقل القارئ لكتاب الله سبحانه لأهمية قانونية ونظامية ترتيب الأوقات وارتباط المسلم بها وعدم الحيدة عنها والمحافظة على الصلاة الوسطى على خلاف أهي الفجر أم العصر وإنما المهم تقدم زيادة في توكيد المحافظة، وتقدم عطاء للسلوك حيث تنتظم مسيرة المسلم في حياته فلا ينشغل بأعمال غير لازمة أوقات الصلاة وإنما يحافظ أن يكون دائمًا حاضرًا وقت الصلاة كما تقدم عطاء للنفس حيث تقنت وتخضع لله سبحانه فتكون الاستجارة والإنابة وطلب الدعاء بالنصرة للحق وأهله والثبات عليه حتى اليقين.

وهذا نموذج من نماذج التطبيق أرجو أن يكون دليلًا للقراءة والتلاوة الخاشعة العملية التطبيقية، هذا وإن كتاب الله سبحانه هو الخير وهو المصدر لكل ما يستجد وظهر ويظهر من دراسات إسلامية وهو منبع ومنهل التربية الجادة الصحيحة ولا خير لمسلم ولا لأمة أضاعت كتابها وتركته ظهريًا خلفها. ألا وإن تدارس القرآن والعودة إلى حياضه هي النجاة وهي الفوز في الدارين والله الموفق.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل