العنوان كيف كانت الانتخابات مفاجئة؟ تغيير واسع في أعضاء المجلس
الكاتب حمد الجاسر
تاريخ النشر الثلاثاء 12-مارس-1985
مشاهدات 54
نشر في العدد 708
نشر في الصفحة 16
الثلاثاء 12-مارس-1985
كان التغيير الواسع أحد السمات الهامة للانتخابات البرلمانية الأخيرة، الأمر الذي أشار إليه الكثير من المراقبين واعتبر نقطة تحول في العمل النيابي الكويتي، وقد جاء التغيير في نسبة الوجوه الجديدة وفي نواح أخرى مختلفة. الأمر الذي شعر معه المواطنون بأن مجلسًا مختلفًا تمامًا عن المجالس السابقة قد خرج إلى حيز الوجود.
أكثر من نصف الأعضاء تغيروا
لقد جانب الحظ «۲۲» من أعضاء المجلس السابق فلم يتمكنوا من الاحتفاظ بمقاعدهم في حين امتنع «٦» آخرون عن إعادة ترشيح أنفسهم لأسباب مختلفة وبذلك وصل ۲۸ عضوًا جديدًا منهم ۲۱ عضوًا يدخلون المجلس لأول مرة وبلغت نسبة التغيير هنا ٥٦٪ وهي نسبة كبيرة بلا شك.
ويمكن القول بأن الأداء الذي ظهر به مجلس ۱۹۸۱ أمام المواطنين كان له تأثير كبير على هذا التغيير الواسع حيث إن غالبية النواب الذين صوتوًا بالموافقة على مشروع تنقيح الدستور لم يحالفهم الحظ في انتخابات ۱۹۸٥، مما يدلل على أن اختيار المواطن والناخب اتجه إلى انتخاب المرشحين الذين توسم فيهم الحرص على حقوقه ومصالحه والوقوف بصلابة أمام أي انتقاص لهما.
فمجلس الأمة الخامس «۱۹۸۱» واجه مشاكل حادة وقوية وكثيرة وجاء بعد فترة توقيف للحياة البرلمانية في الكويت وبعد ٦ سنوات دون حياة برلمانية لذا بطبيعة الحال كانت العلاقة حذرة ومتحفظة من جانب السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية حيث إن صورة حل مجلس سنة ١٩٧٦ كانت في ذهن نواب المجلس
كذلك يجب ألا نغفل أن المجلس الخامس قد عرضت عليه الكثير من القوانين التي ظهرت في فترة الحل وكان على المجلس أن يواجه تلك القوانين بالموافقة أو الرفض دون المناقشة وأبرزها قانون المطبوعات وقانون التجمعات وقانون الانتخابات وكان موقفه رفض الأول وإقرار الثاني في جلسة سرية وتعديل الثالث بما يؤدي إلى سلامة الانتخابات، إضافة إلى ذلك يمكن القول بأن أزمة المناخ لم تواجه بالمستوى المطلوب من المجلس السابق.
وفي الحقيقة لم يكن المجلس الخامس سيئًا بذاته خاصة إذا قورن بالمجالس الأربعة التي سبقته والتي كانت في الواقع أضعف، ولكن المجلس الخامس لم يفهم بأن ناخب الثمانينيات هو غيره ناخب الستينيات والسبعينيات لقد ازداد الوعي الثقافي والسياسي في الكويت وأصبح الناخبون المثقفون والشباب يشكلون نسبة كبيرة ممن يضعون الوريقات المغيرة في الصناديق ويحددون هوية المجلس، وكلما ازدادت قوة أبصار الناخب كلما كان موقف الجواب أصعب والمجهود المطلوب منهم للاحتفاظ بثقة النائب أكبر.
إن نواب المجلس السابق فاتهم أن يواكبوا التطور في وعي الناخب الكويتي فأدوا دورهم كما لو كانوا في الستينيات والسبعينيات.
مجلس أكثر شبابًا
يتميز أعضاء المجلس الذي أفرزته الانتخابات الأخيرة بصغر السن، فمتوسط من الناخب يبلغ ٤٣,٣ تقريبًا وأكثر من ثلث أعضاء المجلس هم في الثلاثينيات، الأمر الذي يراه البعض دليلًا على قوة المجلس الجديد.
والسبب المباشر لتواجد الشباب القوي في المجلس أن هؤلاء الشباب شكلوا نسبة كبيرة من المرشحين وبذلك وأتت الفرصة لكثيرين منهم للنجاح، وقد اتجه هؤلاء لترشيح أنفسهم بكثرة التطور الوعي السياسي وإدراك المواطن لحقوقه ورغبة منهم في التغيير وتحقيق ما لم يتمكن الأكبر سنًا في تحقيقه. ويمكن أن نضيف إلى هذا أن الشباب أصبحوا يشكلون نسبة كبيرة من الناخبين ومن الطبيعي أن يتجه هؤلاء. لانتخاب مرشحين من أقرانهم، وعنصر الشباب لا يلتزم عادة بالأنماط العائلية أو القبلية من التصويت ويفضل إعطاء صوته لمن يؤمن بأنه سيمثله في المجلس، وهذا مما يساعد على تغيير الوجوه التقليدية القديمة.
ويتميز عنصر الشباب بالجرأة والاندفاع وهي صفات ينجذب إليها الناخب، ويفضلها فيمن يمثله للمجلس، ولما كان الناخب يلوم المجلس السابق على تقصيره في محاسبة المسؤولين فإنه يأمل في اندفاع الشباب وجرأتهم أن تشكل رقابة أفضل على السلطة التنفيذية.
ومما ساعد على زيادة النواب الشباب أن الكثير من التيارات السياسية في الساحة وكذلك التجمعات القبلية أصبحت تميل إلى إبراز مرشحين شباب من بين صفوفها، ربما لأن الشباب- في حالة التيارات السياسية- يكونون على استيعاب كامل لفكر ومنهج ذلك التيار وفي نفس الوقت على إخلاص وثيق لأهداف ذلك التيار، وفي بعض التجمعات القبلية لم تعد الوجوه التقليدية قادرة على مواصلة العمل النيابي، فبدا أن ظهور مرشحين شباب قد أصبح لزامًا لترسيخ تواجد ممثل للقبيلة أو العائلة في المجلس.
المثقفون يحظون بثقة الناخب
حاز المثقفون وأصحاب الشهادات العليا على المزيد من مقاعد المجلس وبذلك ارتفع المستوى الثقافي والتعليمي بين النواب، وكما جاء في إحدى الدراسات فقد ارتفعت نسبة الجامعيين من ٢٤٪ إلى ٤٦ % ومن بين هؤلاء «۸» يحملون شهادات عليا، وأصبح أكثر من ٨٠٪ من أعضاء المجلس يحملون شهادة ثانوية على الأقل.
إن وصول نسبة أكبر من المثقفين إلى المجلس يعكس انتشار الثقافة وارتفاع المستوى التعليمي بين أفراد المجتمع الكويتي، ومع ازدياد حملة شهادة الدكتوراه والماجستير بين الكويتيين بدأ المزيد منهم يحسون بضرورة مشاركتهم في العمل البرلماني لأن الكثير من أهداف الإصلاح وتنمية قدرات المجتمع ومعالجة مشاكله تكون أقرب للتحقيق عن طريق مجلس الأمة.
وفي الماضي كان المركز المالي للمرشح أو به العائلة التي ينتسب إليها تحدد- بقدر كبير- فرصة هذا المرشح في النجاح، وكان ناخب الستينيات يتصرف على هذا الأساس لأن المجالس القديمة «۱۹۲۱» و «۱۹۳۸» کان يقتصر الترشيح فيها على بعض العائلات في الكويت نظرًا للظروف آنذاك، أما الآن فإن شخصية المرشح وثقافته ومواقفه تحدد نظرة الناخبين إليه.
لقد كانت الندوات والمحاضرات جزءًا أساسيًا من الحملة الانتخابية للمرشحين خلال الانتخابات الأخيرة وهذا لم يكن بارزًا في المجالس القديمة، لذلك تفوق المرشح المثقف على المرشح التقليدي في قدرته على الاتصال بالناخب ومناقشة القضايا التي تهم هذا الناخب، ثم طرح وجهة نظره وآرائه الشخصية، ولا شك أن مزيدًا من الناخبين سيتجهون نحو هذا المرشح ويهجرون المرشحين التقليديين.
جميع التيارات وجدت لها مقعدًا في المجلس
أفرزت الانتخابات مجلسًا يتمتع بالتوازن السياسي، فالمرة الأولى تتمكن جميع التكتلات السياسية في الكويت في إيجاد ممثلين لها في المجلس، بعكس المجالس السابقة التي كانت تشهد تواجدًا لتيار سياسي معين مع اختفاء التيار الآخر، وعلى سبيل المثال لم يتواجد اليسار مع الإسلاميين في مجلس قبل هذا الأخير، ولقد زادت حصة بعض التيارات ونقصت حصة تيار آخر، ولكن جميع التيارات وجدت لها مقعدًا في المجلس:
١- الإسلاميون: ومنهم تيار جمعية الإصلاح الاجتماعي، احتفظ بتواجده في المجلس وازداد عدد ممثليه من «۲» إلى «۳».
٢- تيار جمعية إحياء التراث: استمر تواجد اثنين من ممثليها في المجلس.
۳- اليسار: ويمثله تجمع الطليعة، وقد عادوا إلى المجلس بعد اختفائهم منه خلال السنوات الأربع الأخيرة، وارتفع رقمهم من «صفر» إلى«۳».
٤- القوميون: ويمثلهم التجمع الوطني الذي عاد مرشحه السيد جاسم القطامي إلى المجلس بعد أن احتجب عن المجلس السابق.
٥- التيار الحركي الشيعي: وتمثله جمعية الثقافة الاجتماعية، حقق تراجعًا في الانتخابات وانخفض رقمه من «۳» إلى «١» ولكنه استمر بالتواجد في المجلس يمثله الدكتور ناصر صرخوه.
إن تواجد جميع القوى داخل المجلس قد أوجد توازنًا سياسيًا كان مفقودًا في السابق. ولقد رغب الناخبون الكويتيون بهذا التوازن وإن كان من الصعب أن نقول بأن الناخب قد قرر بذاته أن يحقق التوازن لأن هذا الناخب لا يصوت إلا في دائرة واحدة، إلا أن النتيجة العامة التي خرجت فيها الانتخابات وبغض النظر عن الظروف الخاصة لكل دائرة انتخابية. تشير إلى رغبة شعبية في التوازن وإيصال جميع الأفكار المختلفة إلى مكانها الحقيقي داخل المجلس.
وهذا ما عبر عنه كثير من الناخبين المثقفين، حيث كتب بعضهم في الصحف وتحدث آخرون في الديوانيات عن ضرورة وصول التيارات المختلفة إلى المجلس وظهرت هذه الفكرة بصورة عملية في دائرة حولي وهي التي يقطنها عدد أكبر من المثقفين حيث نجح في هذه الدائرة مرشح إسلامي هو الدكتور عبد الله النفيسي ومرشح من تجمع الطليعة هو الدكتور أحمد الربعي.
وهناك سبب آخر في تواجد جميع القوى في المجلس، فالتيارات التي أخفقت في الوصول للمجلس سنة ١٩٨١ قد استخدمت جميع طاقاتها وعلى أربع سنوات لضمان وصول ممثلين لها للمجلس ومن هؤلاء تجمع الطليعة. كذلك تضافرت التيارات الليبرالية مثل الطليعة والتجمع الوطني على التعاون في العودة للمجلس وضمان مقاعد لها فيه.