العنوان كيف كانت نتائج الانتخابات مفاجئة؟
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 05-مارس-1985
مشاهدات 153
نشر في العدد 707
نشر في الصفحة 16
الثلاثاء 05-مارس-1985
الانتخابات في الكويت غالبًا ما تأتي بالمفاجآت، فكما كانت نتائج انتخابات 1981 مفاجئة، كذلك كانت نتائج 1985 مفاجئة، فالوجوه تغيرت، وحصص التيارات السياسية في «الكعكة» البرلمانية تغيرت كذلك، وجدت على ساحة الانتخابات ظواهر لم تكن موجودة في السابق.
ولو كانت الانتخابات الكويتية شبيهة بالتي تجرى في دول العالم الثالث الأخرى لظلت النتائج في حدود التوقع وحسبما يريد النظام، ولكن طالما أن العملية الانتخابية تسير سيرًا نزيهًا وبعيدًا عن التدخل الرسمي المباشر، فإن النتائج تعبر هنا عن رأي مجتمع عربي مسلم يعيش ضمن العالم الثالث، وهذا ما يعتبر بحد ذاته نادرًا ويعكس المضمون في نفوس الشعوب العربية.
وكانت نتائج الانتخابات مفاجئة من عدة نواح، فقد تغيرت وجوه كثيرة في المجلس وبرزت عناصر بعض الاتجاهات «اليسار والقوميين» كانت مفقودة تقريبًا في المجلس السابق، ومنيت كثير من العناصر المحسوبة على الحكومة بالفشل. كذلك كثرت العناصر الجديدة الشابة والمثقفة في صفوف النواب، ثم تراجع التيار الحركي الشيعي بعد أن خسر لعبة التحالف مع اليسار وكسبها اليساريون، وظهور أسلوب جديد في التصويت وهو حرق الأصوات، أو ممارسة نصف الحق الانتخابي. وأخيرًا النتائج الجيدة التي حققها المرشحون الجدد لتيار جمعية الإصلاح الاجتماعي، رغم عدم نجاح بعضهم في تحقيق الفوز.
وسوف نتناول في هذه الصفحات هذه النواحي بصورة مختصرة، على أن نعود إليها في الأعداد القادمة بالتفصيل مع تحليل الظروف والأسباب.
تغيير كيبر في أعضاء المجلس
كانت من أولى مفاجآت الانتخابات الأخيرة سقوط الكثير من أعضاء المجلس السابق وفشلهم في الاستمرار في عضوية المجلس؛ فمن بين 45 نائبًا في المجلس السابق رشحوا أنفسهم في الانتخابات الأخيرة نجح 22 منهم في العودة للمجلس، في حين فشل 23 منهم في الانتخابات، ولم يرشح خمسة آخرون أنفسهم لأسباب مختلفة، وبذلك بلغت نسبة التغيير 56%.
ومن بين الناجحين 21 نائبًا يدخلون المجلس لأول مرة، بينما الناجحون السبعة الآخرون أعضاء سابقون، منهم 4 أعضاء في أربعة مجالس سابقة، ونائبان في 3 مجالس سابقة، ونائب واحد في مجلسين سابقين.
ومن بين الناجحين في الانتخابات وجوه معروفة وقديمة مثل: السيد عباس مناور، والدكتور أحمد الخطيب، والسيد جاسم القطامي، والسيد يوسف المخلد، وهم أعضاء في المجلس التأسيسي، ولم يوفقوا في الانتخابات الماضية ونجحوا في الانتخابات الحالية.
وقد اختفت من المجلس الجديد وجوه لامعة كذلك، منهم السيد جاسم الصقر أحد أقطاب المجلس، والسيد محمد العدساني رئيس المجلس وعضو في مجالس سابقة، والسيد محمد البراك وغيرهم، حيث لم يوفق هؤلاء في النجاح.
عودة الرموز اليسارية للمجلس
منذ حل المجلس عام 1976 وإغلاق نادي الاستقلال شهد اليسار الكويتي الذي تمثله «مجموعة الطليعة» انحسارًا كبيرًا من الساحة الكويتية، وفقد الكثير من المنابر التي كان يحتلها مثل الاتحاد الوطني لطلبة الكويت الذي يسيطر عليه الإسلاميون منذ 1978، وفقد اليسار معظم الجمعيات العلمية داخل الجامعة. كذلك انحسر اليسار على صعيد جمعيات النفع العام والجمعيات التعاونية، وكانت آخر خسارة لليساريين قبيل الانتخابات عندما فقدوا معقلهم الحصين وهو نقابة عمال نفط الكويت، وقبل ذلك كان اليساريون قد فشلوا في النجاح في انتخابات مجلس 1981 كما هو معروف.
ويمكن القول بأن اليسار لا يزال في انحسار غير أن الانتخابات وما تنطوي عليه من ملابسات خاصة أعادت رموز اليسار القدامى إلى المجلس وإلى الواجهة السياسية.
فقد قام 6 مرشحين من تجمع الطليعة بخوض الانتخابات الأخيرة، وتمكن ثلاثة منهم من الفوز وهم: الدكتور أحمد الخطيب في دائرة الروضة، والسيد سامي المنيس رئيس تحرير الزميلة «الطليعة»، وفاز في دائرة العديلية ، ثم د. أحمد الربعي في دائرة حولي وهو يخوض الانتخابات للمرة الأولى، ويلاحظ أن الثلاثة جاءوا بالمركز الثاني في دوائرهم، وبذلك ارتفع رصيد تجمع الطليعة من النواب من صفر إلى ثلاثة.
إن نجاح رموز تجمع الطليعة في كسب معركة انتخابات 1985 مع الانحسار الشديد لتيارهم على الساحة الشبيعة «في الاتحادات الطلابية والجمعيات المختلفة» يعتبر من مفاجآت الانتخابات الأخيرة، ويجدر الإشارة هنا إلى فوز السيد جاسم القطامي مرشح التجمع الوطني وحليف تجمع الطليعة خلال الانتخابات.
وكان من الملاحظ على نتائج اليسار في الانتخابات عدم قدرته أو قدرة المتحالفين معه على اختراق المناطق الخارجية ونيل ثقتها، فلم ينجح أحدهم في دائرة الأحمدي رغم فوزه في الانتخابات الفرعية، كذلك لم ينجح آخرون متحالفون مع اليسار في مناطق خارجية أخرى.
فشل المتقربين إلى السلطة في النجاح بالانتخابات
كان من الملاحظ على البعض من أعضاء المجلس السابق أنهم «وضعوا بيضهم» في سلة الحكومة؛ أي ربطوا مصير حملتهم الانتخابية بدعم الحكومة لهذه الحملة بما تملكه من وسائل كثيرة -وغير مباشرة- للتأثير على الانتخابات.
فبعض الأقطاب السياسية في الحكومة تتمتع بنفوذ واسع لاستمرارها في تبوء المناصب الرسمية بصورة دائمة، وبذلك تستطيع استخدام هذا النفوذ في تدعيم موقف بعض المرشحين في دوائرهم.
لذلك كان كثير من النواب يتبنى مواقف الحكومة داخل المجلس ويدافع عن أخطائها ويعادي خصومها، وكان الكثير منهم من مؤيدي بعض المشاريع الحكومية التي تميزت بالرفض الشعبي لها، مثل قانون التجمعات وتنقيح الدستور وقوانين أزمة المناخ المتتالية.
ولكن النتيجة جاءت خلاف ما يتوقع هؤلاء، إذ تبين أن الناخب الكويتي يريد نائب الموقف وليس نائب الخدمات، فقد سقط مبدأ الخدمات كطريق مضمون للوصول للمجلس، وكان ذلك أكثر وضوحًا في المناطق التي تحتاج إلى خدمات.
وكمثال على فشل المتقربين إلى السلطة يكفي أن نشير إلى أن 14 نائبًا من أصل 21 نائبًا ممن أيدوا تنقيح الدستور قد فشلوا في الاستمرار في مقاعدهم في المجلس.
بروز العناصر الشابة المثقفة
كان من الملاحظات على المجلس الجديد كذلك وصول الكثير من العناصر الشابة المثقفة للمجلس، سواء من المناطق الداخلية أو المناطق الخارجية على حد سواء، ولذلك فإن متوسط عمر النائب في المجلس الحالي يبلغ 34 و43 سنة، وهو سن صغير نسبيًّا بالنسبة للمنصب البرلماني. ويلاحظ أن نصف المجلس تقل أعمارهم عن هذا المعدل، بينهم 19 نائبًا تتراوح أعمارهم بين الثلاثين والأربعين.
ومن النواب الشباب الجدد في المجلس «من المناطق الداخلية» المحامي حمد الجوعان والسيد أحمد باقر والسيد عبد الله الرومي وغيرهم، «ومن المناطق الخارجية» المهندس مبارك الدويلة، والسيد دعيج الجري وغيرهم.
كما يلاحظ زيادة في المستوى التعليمي؛ ففي دراسة للزميلة «الأنباء» تبين أن نسبة الجامعيين بلغت في المجلس الحالي 46% مقابل 34% في المجلس السابق، ومن بين الجامعيين 8 نواب حائزين على شهادات عليا، كذلك فإن 82% من نواب المجلس قد اجتازوا المرحلة الثانوية.
ومن بين النواب الجدد نائبان بدرجة دكتوراه ومهندسان ومحاميان وصيدلي و3 ضباط؛ اثنان منهم برتبة رائد والثالث برتبة مقدم، وهؤلاء جميعًا يدخلون المجلس لأول مرة، مما يعطي انطباعًا بارتفاع المستوى العلمي والثقافي للنواب ووصول فئات مهنية مختلفة إلى المجلس.
تراجع التيار الحركي الشيعي
إن التيار الحركي الشيعي الذي تقوده جمعية الثقافة الاجتماعية قد حقق تراجعًا في هذه الانتخابات، فبعد وجود 3 من ممثليه في المجلس لم يوفق اثنان منهم في العودة للمجلس، وبقي الدكتور ناصر صرخوه ممثلًا وحيدًا لهذا التيار في المجلس، وبهذا كان هذا التيار السياسي الوحيد الخاسر في الانتخابات.
من ناحية أخرى تراجع عدد النواب الشيعة في المجلس من 4 أعضاء إلى ثلاثة.
ولقد ترددت إشاعات خلال الحملة الانتخابية لليسار أن التيار الحركي الشيعي سيتحالف معه، وقد جاءت الانتخابات لتؤكد ذلك؛ فقد تبين وجود أصوات مشتركة كثيرة بين المرشحين الشيعة ومرشحي اليسار في مختلف المناطق، فعلى سبيل المثال كان لأحمد الربعي ممثل اليسار في حولي 150 صوتًا مشتركة مع مرشحين من الشيعة، وفي العديلية حاز سامي المنيس على أعلى نسبة من الأصوات في منطقة الجابرية بالمقارنة مع المرشحين السنة الآخرين، ومنطقة الجابرية تتميز بأغلبية شيعية، والأمثلة مشابهة في مناطق أخرى.
ولا شك أن الاتجاه الحركي الشيعي كان خاسرًا في هذا الاتفاق، فقد وصل المرشحون اليساريون إلى المجلس على أكتاف هذا الاتجاه، بينما مارس اليساريون بالمقابل حرق الأصوات ولم يمنحوها للشيعة، فعلى سبيل المثال: حرق ناخبو أحمد الربعي 90 صوتًا، هم قاعدته في حولي، ولم يمنحوها للمرشحين الشيعة الذين قاسموا الربعي أكثر من نصف أصواته، وخسر عبد الله جراغ مرشح الجمعية الثقافية الانتخابات لصالح أحمد الربعي رغم أنه كان من أقوى المرشحين. وهذا الاتفاق بين الطرفين يبدو متناقضًا؛ لأن التيار الحركي الشيعي له سمة دينية، بينما الاتجاه اليساري اتجاه علماني صرف.
ظاهر حرق الأصوات
برزت في الانتخابات الفائتة ظاهرة غريبة وهي قيام البعض بممارسة «نصف» حقهم السياسي؛ أي أن يقوم الناخب بانتخاب مرشح واحد فقط بدلًا من مرشحين كما هو مفروض.
وهذه الظاهرة الجديدة من معوقات سلامة سير الانتخابات الكويتية، وقد نتجت عن التعديل في قانون الانتخابات؛ إذ تقلص حيز الفوز في الدائرة الواحدة إلى مرشحين اثنين بدلًا من خمسة مرشحين كما كان سابقًا، مما دفع بعض المرشحين إلى توصية مؤيديهم لانتخابهم وحدهم فقط وحرق الصوت الآخر لضمان الفوز.
وكانت هذه الظاهرة متوقعة في دائرة الشامية بسبب ضيق المساحة التنافسية بين ثلاثة مرشحين تقريبًا، لذا بادر أحد المتنافسين وهو الأنظف سياسيًّا بإصدار بيان شارك فيه منافسوه بحظر حرق الصوت، ولكن الذي حدث أنه التزم وحده بهذا المبدأ، ومارس منافسوه حرق الأصوات فنجحوا!
وأكثر من مارس حرق الأصوات هم العوازم خاصة عندما يكون لهم مرشح وحيد في المنطقة، يليهم في ذلك اليسار، ثم التجمع الوطني، ثم تيار جمعية التراث، ثم الشيعة، ثم جمهور جمعية الإصلاح.
وقد اقترح البعض لعلاج هذه الظاهرة وضع تشريع يمنع ذلك عن طريق اعتبار كل من لا يستخدم حقه كاملًا «أي لا يمنح صوتين» ملغي الحق؛ أي ورقته باطلة، ولا يدري إذا كان الناخبون سيقبلون بهذا التقييد أو أن هذا التقييد -إن تم- سيكون فعالًا؛ لأن حرق الأصوات سيتم حينذ بصورة غير مباشرة.
نتائج جيدة لمرشحي جمهور جمعية الإصلاح
لقد حقق تيار جمعية الإصلاح الاجتماعي تقدمًا في هذه الانتخابات على صعيد عدد ممثليه في المجلس، فزاد عددهم من «2» إلى «3»، كما فاز معظم المرشحين الذين أيدهم هذا التيار وساندهم في الانتخابات. من ناحية أخرى خسر تيار جمعية التراث أحد ممثليه وكسب ممثلًا جديدًا؛ فثبت رقمه داخل المجلس على نائبين اثنين.
وقد اعتبر جمهور الجمعية أن الانتخابات الأخيرة كانت فوزًا كبيرًا لصالحه، فبرغم عدم نجاح أحد نوابه في العودة للمجلس الجديد، فإنه بالإضافة إلى الثلاثة الذين نجحوا وهم السيد حمود الرومي والدكتور عبد الله النفيسي والسيد مبارك الدويلة، فإن مرشحين آخرين من تيار الجمعية قد حققا نتائج ممتازة، فبالنسبة للسيد جمال الكندري المرشح في منطقة الرميثية، فبالرغم من كونه من المغمورين سياسيًّا ويخوض الانتخابات لأول مرة فإنه قد حقق نتيجة ممتازة واجتاز عدد أصواته 1057 صوتًا، مما يعتبر أكبر نتيجة في المنطقة ليس على أساس طائفي، وجاء بالمركز الثالث، وكان للتحالف بين مرشحي الشيعة الدكتور ناصر صرخوة، والسيد عباس الخضاري أثر كبير في عدم نجاح السيد الكندري.
أما الدكتور عادل الصبيح المرشح في منطقة كيفان فقد كانت جميع الظروف في غير صالحه؛ فهو مرشح للمرة الأولى، وقد بدأ حملته الانتخابية في وقت متأخر؛ بينما ينافسه في المنطقة كل من:
* السيد محمد العدساني؛ رئيس المجلس السابق، وهو نيابي مخضرم ومنافس قوي لأي مرشح آخر.
* السيد جاسم العون: نائب سابق وله علاقات مع ناخبي كيفان بحكم موقعه النيابي، ويدعمه تيار جمعية التراث القوي في كيفان.
* السيد فيصل الصانع: وله محاولات قديمة للوصول إلى المجلس، وقد نال ثمار حملاته المتكررة ونجح في هذه الانتخابات بالإضافة إلى آخرين.
ورغم هذه المنافسة القوية فقد حقق الدكتور الصبيح نتيجة رائعة بلغت 569 صوتًا، وكان الفارق بينه وبين المركز الأول «32» صوتًا لا غير.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل