; كيف ناقش المجلس ميزانية الدولة؟ | مجلة المجتمع

العنوان كيف ناقش المجلس ميزانية الدولة؟

الكاتب حمد الجاسر

تاريخ النشر الثلاثاء 21-يونيو-1983

مشاهدات 69

نشر في العدد 626

نشر في الصفحة 12

الثلاثاء 21-يونيو-1983

مجلس الأمة.. مهام ثقيلة لم يوفق في القيام بها

·      مرت الميزانية على المجلس بصورة متعجلة ودون أن تحظى بالتدقيق والتمحيص المطلوبين.

·      الحكومة قدمت الميزانية الملحقة أولًا قبل الميزانية العامة حتى تفلت وزارات الدولة من المناقشة الصارمة.

·      لماذا تغاضى المجلس عن الكثير من التجاوزات في المؤسسات؟

·      مناقشات النواب تركزت حول رغبات معينة دون النظر إلى الأهداف العامة للمؤسسات.

·      منذ نهاية شهر مارس الماضي وحتى نهاية شهر مايو المنصرم وفيما لا يقل عن سبع جلسات ظل مجلس الأمة الكويتي يناقش الميزانية العامة للدولة والميزانيات الملحقة بها.

·      ومجلس الأمة يلعب دوره الموسمي هذا كل عام مع انتهاء دور الانعقاد ودخول فصل الصيف وبدء إجازته السنوية، وهو دور هام وخطير يمثل
إحدى المهام الأساسية التي تتولاها السلطة التشريعية في ممارسة الرقابة المالية على إيرادات الدولة ونفقاتها خلال سنة كاملة.

إن الظروف الاقتصادية الخاصة التي تمر بها الكويت حاليًا والناتجة عن تدهور السوق النفطية العالمية وانخفاض عائدات البترول، وانهيار سوق الأوراق المالية في الكويت فيما عرف بأزمة «سوق المناخ» كل هذه الأمور جعلت للمهمة الرقابية المالية لمجلس الأمة لهذا العام صفة الخصوصية التي تميزت بها، أو التي كان من المفروض أن تتميز بها فالانخفاض الذي طرأ على إيرادات الدولة وحدوث عجز في الميزانية العامة بمقابل الزيادة الكبيرة في النفقات المتوقعة، وصدور الدعوات والتحذيرات من أجل ترشيد الإنفاق وضغط النفقات الزائدة في مؤسسات الدولة المختلفة، كل هذا وضع على كاهل مجلس الأمة مهام ثقيلة لم يوفق في القيام بها على الوجه الأكمل ولأسباب مختلفة، مما أدى إلى مرور الميزانية على مجلس الأمة بصورة متعجلة ودون أن تحظى بالتدقيق والتمحيص المطلوب.

اهتمام قليل بالميزانية:

وبصورة عامة فإن اهتمام مجلس الأمة للرقابة المالية- وهي إحدى المهام الرئيسية للمجلس- لم يكن كبيرًا، بدليل أن المجلس قد خصص لمناقشة الميزانية 8 جلسات «استثنائية» بينما خصصت أكثر من ٣٢ جلسة لمهام التشريع خلال دور الانعقاد الماضي
من ناحية أخرى فإن مناقشة المجلس للميزانية قد تمت بصورة مضطربة، فقد ركز النواب في مناقشاتهم على نقاط معينة أو مؤسسات محدده وتركوا مؤسسات أخرى ووزارات دون بحث دقيق لميزانياتها مما جعلها تفلت من النقد المطلوب.

وكانت الحكومة من الدهاء بحيث إنها قدمت الميزانية الملحقة- والتي تتعلق بالمؤسسات والهيئات- أولًا لكي يفرغ المجلس فيها كل طاقاته، وتركت ميزانيتها العامة إلى النهاية حيث يكون المجلس قد أنهك تمامًا وحين تكون العطلة السنوية على الأبواب
ولذلك فقد خصص المجلس ۷ جلسات لمناقشة ميزانيات 18 مؤسسة في حين أن مناقشة ميزانيات 15 وزارة قد تمت في جلسة واحدة، كما أن المجلس قد اعتمد اعتمادًا شبه كلي على دور اللجنة المالية في بحث ومناقشة الميزانية، وحتى ولو كان عمل اللجنة في المناقشة جيدًا إلا أن ملاحظات النواب واستفساراتهم تعتبر مكملة لمثل هذه المناقشة

وهذه الأمور المذكورة آنفًا تعكس قلة اهتمام المجلس بقضية الميزانية بالمقارنة مع خطورة هذه القضية إضافة إلى أن الجلسات التي خصصت للمناقشة كانت جلسات استثنائية، وتميزت في بعض الأحيان بتغيب كثير من النواب وعدم متابعتهم للمناقشات إما بسبب الإهمال واللامبالاة وإما خوفًا من الحرج ورغبة في التهرب من عملية التصويت.

·      بعض مناقشات المجلس للميزانية

ولعله من المفيد أن نتناول بالاستعراض بعض الأمثلة على مناقشات المجلس لميزانيات المؤسسات والتي تمت على مدى ۷ جلسات.

معهد الأبحاث العلمية:

ومن هذه المؤسسات التي ناقش المجلس ميزانيتها معهد الكويت للأبحاث العلمية. ويتضح من المناقشات التي دارت حوله أن النواب كانوا يعلقون آمالًا على هذا المعهد للدور الهام المطلوب منه أداؤه نحو الدولة والمواطنين، لكن خاب رجاؤهم فيه إلى درجة أن أحد النواب قال: «أطالب بتشكيل لجنة للتحقيق في أوضاع المعهد والتحقيق فيما عمل وماذا نتج؟!» وقد كانت أبرز مؤاخذات النواب حول المعهد إنتاجه الضعيف، وضآلة دوره في معالجة المشاكل العلمية التي تعاني منها في الكويت كمشاكل البيئة والتلوث النفطي وكذلك عدم تعاونه مع مؤسسات الدولة والأمور الإدارية داخل المعهد حيث التعيين المصلحي، وضخامة حجم بند الرواتب بالنسبة لحجم النفقات ككل.. وكان النواب بشكل عام موفقين في انتقادهم لهذه المؤسسة، وقد أقر المجلس ميزانية المعهد للسنة المالية 83/1984.

·      الخطوط الجوية الكويتية

وقد ناقش المجلس كذلك ميزانية الخطوط الجوية الكويتية وركز النواب على موضوعات تدخل في السياسة العامة للمؤسسة وتركوا مناقشة الميزانية الا القليل منها، وكان ذلك لأن النواب كانوا ينظرون إلى «الكويتية» على أنها مؤسسة لخدمة البلد وتوفير السفر المريح للمواطنين أكثر من كونها مؤسسة تجارية، كما دخلت مناقشات النواب في تفصيلات طويلة كان من الأجدر تناولها في غير جلسات بحث الميزانية، مثل قضية الموظف «ب. ب» في مؤسسة الخطوط الذي تحدث عنه النائب صرخوه، ومسألة وجود التكتلات داخل إدارة المؤسسة وغيرها. ويلاحظ في مناقشة المجلس الميزانية «الكويتية» أن النواب خرجوا بتوصيات كانت قد طرحت في مناقشات ميزانية نفس المؤسسة الدور الانعقاد الثاني (السنة الماضية) ولم تلتزم فيها المؤسسة بعد، وقد أقر المجلس ميزانية المؤسسة للسنة المالية ٨٣/١٩٨٤ والتي بلغت ١٤٨ مليون دينار كإيرادات و١٤٧ مليون كمصروفات

·      جامعة الكويت:

أما خلال مناقشة المجلس لميزانية جامعة الكويت فيلاحظ أن النواب قد طرحوا قضية الاختلاط في الجامعة للنقاش، وهذه القضية أكبر بكثير من أن تناقش في إطار نقد الميزانية، وكنا نتوقع من المجلس أن يثير هذه القضية الهامة في وقت سابق من دور الانعقاد، إذ ليس من اللائق أصلًا ألا تظهر سلبيات ظاهرة الاختلاط في الجامعة لنواب المجلس إلا في مضمار مقياس كفاءة الأداء للإدارة الجامعية وفي نطاق تحديد احتياجات الجامعة من الأموال، وكذلك فقد دخل بعض النواب في نقاط هامشية كالحديث عن علاقة الكويتي بغير الكويتي في الجامعة وما شابه ذلك، وخروجهم خلال النقاش بتوصيات غريبة، كأن يحظر على الطلبة غير الكويتيين الدخول في انتخابات الجمعيات العلمية وهو الأمر الذي رفضته قيادات الطلبة في الجامعة.

ومع ذلك فقد لاحظ بعض النواب أن التعليم في الجامعة في تدنٍ وتدهور وقارنوا هذا بالازدياد المطرد في ميزانية الجامعة سنة بعد أخرى دون أن يرى لذلك أثر محسوس ودون أن تأتي الجامعة بمردود مفيد مقابل هذه الملايين التي تنفق وقد اقترح بعض النواب إنشاء قسم للإعلام وأوصوا بتوسعة كلية البنات الجامعية لتشمل معظم التخصصات وكذلك أوصوا بتوحيد الزي الجامعي للطالبات بما يتناسب من الشريعة الإسلامية.

وأقر المجلس ميزانية الجامعة للسنة المالية 83/1984 والتي بلغت (50) مليون دينار.

وقد دخل المجلس في مناقشات مماثلة لمؤسسات أخرى كمؤسسة البترول ووكالة الأنباء الكويتية وبنك التسليف والادخار ومؤسسات أخرى وقد نالت هذه المؤسسات القسم الأكبر من النقاش وعلى مدى جلسات عديدة مطولة وبشكل أنهك مجلس الأمة، ثم جاء المجلس بعد ذلك ليقر الميزانية العامة التي تدخل فيها ١٥ وزارة من وزارات الدولة في جلسة واحدة أو في نصف جلسة

·      مناقشة هامشية

ورغم أن النواب قد بذلوا جهدًا كبيرًا في مناقشة الميزانيات إلا أن بعض المناقشات التي تمت قد تميزت بالضعف والسطحية، فقد كانت مناقشات النواب تتركز حول بعض الرغبات المطلوبة والتي تكون غالبًا جزئية بدلًا من التركيز على أهداف المؤسسات المعنية بالنقاش.. ومدى نجاح إدارات المؤسسات في تحقيقها، ففي إطار مناقشة الميزانية لمؤسسة ما كان النواب يسهبون في انتقاد الأمور التفصيلية والتي قد لا تكون لها علاقة بالشؤون المالية، كما أن ضعف تصور النواب لأهداف بعض المؤسسات جعلهم يطالبونها بتنفيذ رغبات معينة لا علاقة لها بالأهداف.

من جهة أخرى فإن بعض النواب في مناقشاتهم كانوا يهتمون بالدفاع عن المعارف وأصحاب الصلات وذلك على حساب المصلحة العامة والحقيقة المجردة التي يجب أن يسعى إليها النائب في نقاشه فهذا أحد النواب يندفع لتبرير أخطاء أحد معارفه من المسؤولين الذين تعرضوا للمساءلة ويحمل الحكومة مسؤولية هذه الأخطاء، وهناك مسؤول يمتلك علاقات حسنة مع معظم النواب نجا من المساءلة ومرت مناقشة المؤسسة التي يرأسها دون تدقيق، ومن جهة أخرى فقد أخذت المناقشة في بعض الأحيان طابع المزايدة والهجوم الشديد على المسؤول الذي له علاقة غير حسنة من بعض النواب، كما أن بعض النواب غالبًا ما يكونون آراءهم حول المؤسسات اعتمادًا على شکوى الأصدقاء منها أو إشادتهم بها أو حسب التجربة الشخصية مع هذه المؤسسة، مع أن الواجب أن يتحرى النائب الحقيقة والمصلحة العامة وأن يقوم بالبحث والتدقيق حتى يصل إلى تكوين آراء وجيهة وأحكام موضوعية.

·      تجاوزات في المؤسسات:

ومما يؤخذ على المجلس أيضًا أنه قد ظهرت خلال المناقشات تجاوزات كثيرة من قبل المؤسسات ومع ذلك فقد تغاضي المجلس عنها ومرت خلال النقاش مثل قضية الاختلاس في مكاتب الخطوط الجوية الكويتية التي مررها المسؤول بأننا لا نعيش في «عصر مثالي» ومثل قضية معهد الأبحاث العلمية التي برر مديره قلة أعماله وضآلة إنتاجه بأن المعهد لم يحظ بالفترة اللازمة من البحث والبناء رغم أن المعهد قد مضى عليه ١٦ عامًا.

وكذلك بعد الرواتب في المعهد الذي بلغ 16 مليون دينار من أصل 19 مليون في مجمل نفقاته المتوقعة.

·      بعض الإيجابيات

إلا إن هذا لا ينفي أن المناقشات قد تميزت في بعض الأحيان بالإيجابية خصوصًا في نقاش الميزانية الملحقة وقد ظهر من تلك المناقشات وجود سلبيات عديدة بالمؤسسات التي نوقشت ميزانياتها، ونتصور أنه لو حظيت وزارات الدولة بقدر مماثل من النقد لظهرت فيها سلبيات ونقاط ضعف عديدة.

ومما يلاحظ أيضًا على المناقشات أن النواب كثيرًا ما كانوا ينوهون عن وجود أمور مخالفة للشريعة الإسلامية في بعض المؤسسات مثل الاختلاط في الجامعة والنظام الربوي في بنك التسليف والادخار وغيرها.. وهذا الأمر يعكس شيئين إيجابيين؛ أولهما أن النظرة الإسلامية هي النظرة الشائعة لدى النواب، فالأمور عندهم غالبًا ما تمحص في إطار التشريع الإسلامي، والشيء الآخر أن حكم الإسلام في الأمور الخلقية والمالية أصبح يراعي ويحترم حتى من قبل النواب الذين لا يحملون توجهًا إسلاميًّا، فاقتراحات النواب ونقاشاتهم تقع ضمن حدود المنهج الإسلامي

·      أشياء يحتاجها المجلس:

إن مجلس الأمة حتى يستطيع القيام بأعبائه كاملة على أحسن وجه يجب أن تتوافر له إمكانيات معينة تساعده على القيام بتلك الواجبات:

1- فيجب أن يتوافر للنائب مستشارون علميون يساعدونه في بحث القضايا وتمحيص الأمور والبحث عن الحقائق لأن النائب تمر عليه خلال المناقشات قضايا اقتصادية واجتماعية وعلمية وقانونية لا يكون ملمًا بها جميعًا فليس من المناسب على سبيل المثال أن يطلب من النائب مناقشة الحكومة في تفصيلات الدستور والقوانين دون أن يكون للنائب مستشار قانوني، وليس بإمكان النائب أن يناقش الحكومة في شؤون الاقتصاد دون أن يكون له خبير اقتصادي يعرض عليه تعقيدات الاقتصاد والتجارة ويشرحها له.

2- يجب أن تمنح للمجلس فترة زمنية أطول لمناقشة القضايا التي تعرض عليه، فمناقشة الميزانية كان لابد أن تستغرق فترة أطول من الفترة التي استغرقتها فعلًا حتى لا تمر میزانيات الوزارات دون مناقشة كما حدث هذا العام.

كما يجب ألّا تقتصر مناقشة الميزانية على جلسات يوم السبت دون جلسة الثلاثاء خلال دور الانعقاد كذلك يجب ألّا تضغط في مناقشات الميزانية كما حدث هذا العام حتى نوقشت الميزانية في أقل من أسبوعين، لأن الأسلوب مرهق للنواب ولا يعطي الفرصة للتدقيق والمراجعة.

الرابط المختصر :