العنوان كيف نغتنم هذه الفرصة؟ العشر الأواخر من رمضان
الكاتب د. حمدي شلبي
تاريخ النشر السبت 07-أكتوبر-2006
مشاهدات 78
نشر في العدد 1722
نشر في الصفحة 60
السبت 07-أكتوبر-2006
في هذا المقال نتوقف مع العشر الأواخر من رمضان، وما يستحب فيها من الأعمال، وكيف كان حال النبي ﷺ في هذه العشر؟ وفيها بيان لليلة القدر وفضل العمل فيها مع بيان أسباب مغفرة الذنوب في رمضان:
عن عائشة رضي الله عنها، قالت: كان رسول الله ﷺ إذا دخل العشر شد مئزره، وأحيا ليله، وأيقظ أهله، وفي رواية أحيا الليل وأيقظ أهله، وجد، وشد المئزر «رواه البخاري ومسلم».
وكان النبي ﷺ يخص العشر الأواخر من رمضان بأعمال لا يعملها في بقية الشهر منها:
إحياء الليل
فيحتمل أن المراد إحياء الليل كله، ففي حديث عائشة قالت: «كان النبي ﷺ يخلط العشرين بصلاة ونوم، فإذا كان العشر -يعني الأخير- شمر وشد المئزر» «رواه أحمد».
ويحتمل أن يريد بإحياء الليل إحياء غالبه، ويؤيده ما في صحيح مسلم عن عائشة قالت: «ما أعلمه ﷺ قام ليلة حتى الصباح».
إيقاظ أهله
وكان ﷺ يوقظ أهله للصلاة في ليالي العشر دون غيره من الليالي.
قال سفيان الثوري: «أحب إلي إذا دخل العشر الأواخر أن يتهجد بالليل ويجتهد فيه، وينهض أهله وولده إلى الصلاة إن أطاقوا ذلك».
وقد صح عنه ﷺ أنه كان يطرق فاطمة وعليًّا ليلًا فيقول لهما: «ألا تقومان فتصليان؟» «رواه البخاري ومسلم».
وكان يوقظ عائشة بالليل إذا قضى تهجده وأراد أن يوتر.
وقد ورد الترغيب في إيقاظ أحد الزوجين صاحبه للصلاة، ونضح الماء في وجهه.
وفي الموطأ أن عمر بن الخطاب كان يصلي من الليل ما شاء الله أن يصلي، حتى إذا كان نصف الليل أيقظ أهله للصلاة، يقول لهم: «الصلاة الصلاة»، ويتلو هذه الآية: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا ۖ﴾ (طه: 132).
وكانت امرأة أبي محمد حبيب الفارسي تقول له بالليل: قد ذهب الليل وبين أيدينا طريق بعيد، وزادنا قليل وقوافل الصالحين قد سارت قدامنا، ونحن قد بقينا.
شد المئزر: وكان يشذ المئزر، واختلفوا في تفسيره:
فمنهم من قال: هو كناية عن شدة جده واجتهاده في العبادة، وهذا فيه نظر.
والصحيح أن المراد اعتزاله النساء وبذلك فسره السلف والأئمة المتقدمون منهم سفيان الثوري.
وورد تفسيره بأنه لم يأو إلى فراشه حتى ينسلخ رمضان، وفي حديث أنس «وطوى فراشه واعتزل النساء»، وقال طائفة من السلف في تفسير قوله تعالى ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ (البقرة: ۱۸۷) إنه طلب ليلة القدر.
والمعنى في ذلك أن الله تعالى لما أباح مباشرة النساء في ليالي الصيام إلى أن يتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود أمر مع ذلك بطلب ليلة القدر، لئلا يشتغل المسلمون طول ليالي الشهر بالاستمتاع المباح، فيفوتهم طلب ليلة القدر، فأمر من ذلك بطلب ليلة القدر بالتهجد من الليل خصوصًا في الليالي المرجو فيها ليلة القدر فمن هاهنا كان النبي ﷺ يصيب من أهله في العشرين من رمضان، ثم يعتزل نسائه ويتفرغ لطلب ليلة القدر في العشر الأواخر.
تأخير الفطور إلى السحر
وروي عنه ﷺ من حديث عائشة وأنس أنه لما كان في ليالي العشر يجعل عشاءه سحورًا. ولفظ حديث عائشة: «كان رسول الله ﷺ إذا كان رمضان قام ونام، فإذا دخل العشر شد المئزر، واجتنب النساء، واغتسل بين الأذانين، وجعل العشاء سحورًا» «رو ابن أبي عاصم».
وعن أبي سعيد الخدري رسول عن النبي ﷺ قال: «لا تواصلوا، فأيكم أراد أن يواصل فليواصل إلى السحر، قالوا: فإنك تواصل يا رسول الله؟ قال ﷺ: إني لست كهيئتكم، إني أبيت لي مطعم يطعمني وساق يسقيي» «رواه البخاري».
وظاهر هذا يدل على أنه ﷺ كان يواصل الليل كله، وقد يكون إنما فعل ذلك لأنه رآه أنشط له على الاجتهاد في ليالي العشر، ولم يكن ذلك مضعفًا له عن العمل فإن الله كان يطعمه ويسقيه.
كان النبي ﷺ يعتكف فيها طلبًا لليلة القدر
الصحابة حرصوا على الاغتسال كل ليلة من ليالي العشر
اغتساله ﷺ بين العشاءين
وقد تقدم من حديث عائشة واغتسل بين الأذانين.
والمراد: أذان المغرب وأذان العشاء.
قال ابن جرير: كانوا يستحبون أن يغتسلوا كل ليلة من ليالي العشر الأواخر.
وكان إبراهيم النخعي يغتسل في العشر كل ليلة.
ومنهم من كان يغتسل ويتطيب في الليالي التي تكون أرجى لليلة القدر.
وكان أيوب السختياني يغتسل ليلة ثلاث وعشرين وأربع وعشرين، ويلبس ثوبين جديدين، ويستجمر ويقول: ليلة ثلاث وعشرين هي ليلة أهل المدينة، والتي تليها ليلتنا، يعني البصريين.
فتبين بهذا أنه يستحب في الليالي التي يرجى فيها ليلة القدر التنظف والتزين، والتطيب بالغسل والطيب واللباس الحسن، وما يشرع ذلك في الجمع والأعياد، وكذلك يشرع أخذ الزينة بالثياب في سائر الصلوات، ولا يكمل التزين الظاهر إلا بتزين الباطن بالتوبة والإنابة إلى الله تعالى وتطهيره من أدناس الذنوب؟ فإن زينة الظاهر مع خراب الباطن لا تغني شيئًا.
ولا يصلح لمناجاة الملوك في الخلوات إلا أن زين ظاهره وباطنه وطهرهما، خصوصًا ملك الملوك الذي يعلم السر وأخفى، وهو لا ينظر إلى صوركم، وإنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم، فمن وقف بين يديه فليزين له ظاهره باللباس، وباطنه بلباس التقوى.
إذا المرء لم يلبس ثيابًا من التقى *** تقلب عريانًا وإن كان كاسيًا
وخير لباس المرء طاعة ربه *** ولا خير فيمن كان لله عاصيا
الاعتكاف
عن عائشة أن النبي ﷺ «كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله تعالى» «رواه البخاري ومسلم».
وعن أبي هريرة قال: «كان رسول الله ﷺ يعتكف في كل رمضان عشرة أيام فلما كان العام الذي قبض فيه اعتكف عشرين» «رواه البخاري».
وإنما كان يعتكف النبي ﷺ في هذه العشر التي تطلب فيها ليلة القدر، قطعًا لأشغاله، وتفريغًا لباله، وتخليًا لمناجاة ربه وذكره ودعائه.
فالمعتكف قد حبس نفسه على طاعة الله وذكره، وقطع عن نفسه كل شاغل يشغله عنه، وعكف بقلبه وقالبه على ربه وما يقربه منه، فما بقي له هم سوى الله وما يرضيه عنه، وكلما قويت المعرفة بالله والمحبة له والأنس به أورثت صاحبها الانقطاع إلى الله تعالى بالكلية على كل حال.
في رحاب آية
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ۚ ذَٰلِكَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَأَطْهَرُ ۚ فَإِن لَّمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (المجادلة: 12).
يعلم القرآن الكريم الجماعة المسلمة أدبا آخر في علاقتهم برسول الله ﷺ فيبدو أنه كان هناك تزاحم على الخلوة برسول الله ﷺ ليحدثه كل فرد في شأن يخصه ويأخذ فيه توجيهه ورأيه أو ليستمتع بالانفراد به مع عدم التقدير لمهام رسول الله ﷺ الجماعية وعدم الشعور بقيمة وقته وبجدية الخلوة به، وأنها لا تكون إلا لأمر ذي بال.
فشاء الله أن يشعرهم بهذه المعاني بتقرير ضريبة للجماعة من مال الذي يريد أن يخلو برسول الله ﷺ ويقتطع من وقته الذي هو من حق الجماعة، في صورة صدقة يقدمها قبل أن يطلب المناجاة والخلوة، وقد عمل بهذه الآية الإمام علي -كرم الله وجهه- فكان معه كما روي عنه دينار فصرفه دراهم وكان كلما أراد خلوة برسول الله ﷺ لأمر تصدق بدرهم ولكن الأمر شق على المسلمين وعلم الله ذلك منهم، وكان الأمر قد أدى غايته وأشعرهم بقيمة الخلوة التي يطلبونها، فخفف الله عنهم ونزلت الآية التالية برفع هذا التكليف وتوجيههم إلى العبادات والطاعات المصلحة للقلوب.
بالترتيب مع موقع «نداء الإيمان»
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل