; لئلّا نقع في المحظور فنكون شركاء الله | مجلة المجتمع

العنوان لئلّا نقع في المحظور فنكون شركاء الله

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 17-فبراير-1981

مشاهدات 69

نشر في العدد 516

نشر في الصفحة 4

الثلاثاء 17-فبراير-1981

من هذا المنبر باركنا عودة الحياة النيابية وباعتبارها أداة للتشريع والرقابة على السلطة التنفيذية، ومن هذا المنبر دعونا المرشح والناخب لأن يكون معيارهم الأمانة والإخلاص والكفاءة. واليوم ونحن في غمرة الانشغال بالدعاية الانتخابية وانتظار موعد الاقتراع، يحسن بنا مرشحين وناخبين أن نضع نصب أعيننا أن نكون يقظين حذرين؛ فالحياة النيابية على جلالها وأهميتها قد تنقلب إلى حسرة وندامة يوم القيامة، إنها قد تجعلنا معتدين على شرع الله فيما إذا اعتقدنا أن من حق النواب أن يشرعوا ويسنوا القوانين حسبما تتوصل إليه عقولهم وتجاربهم بعيدًا عن منهج الله الذي ارتضاه الله لنا. ولئلا نقع في المحظور علينا أن ندرك طبيعة المجلس النيابي أو الهيئة التشريعية أو الاستشارية كأداة سياسية.

لا شك أن مجلس الأمة أو المجلس النيابي أو البرلمان الذي تعرفه البشرية الآن لم يكن موجودًا سابقًا على نفس الصورة، إنما كانت هناك مجالس للشورى أو بطانة من الوزراء لكنها كانت قريبة في مهماتها مع المجلس النيابي.

ففي عهد فرعون كان «الملأ» الذين زينوا له ما كان يفعل ﴿قَالَ الْمَلَأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَٰذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (الأعراف: 109)، ﴿وَقَالَ الْمَلَأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَىٰ وَقَوْمَهُ (الأعراف: 127)، ﴿قَالَ يَا مُوسَىٰ إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ (القصص: 20). هذا الملأ ذمه الله تعالى، سماهم الله كفارًا لأنهم لم يؤمنوا بموسى -عليه السلام- ولأنهم أطاعوا فرعون مختارين عندما قال لهم: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرِي (القصص: 38)، وبلقيس ملكة سبأ كان لها «ملأ» أو مجلس مستشارين لا تبت في أمر حتى تعرضه عليهم، وعندما جاءها كتاب سليمان -عليه السلام- قالت: ﴿قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ (النمل: 29)، وقالت: ﴿يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي﴾ (النمل: 32)، وكان جوابهم: ﴿وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ (النمل: 33). 

وإذن فالمجلس الاستشاري كأداة سياسية كان معروفًا منذ القدم وليس في ذلك محذور ولا ممنوع، بل إنه مظهر من مظاهر الحكمة السياسية وأسلوب من أساليب المشاركة الشعبية في اتخاذ القرار السياسي.

ولكن الأمثلة التي ضربها لنا القرآن عن مثل تلك المجالس كان المقصود منها ألا نقع فيما وقعت فيه تلك المجالس من الاعتداء على حق الله في الحاكمية والتشريع.  

في الجاهلية حيث لم تكن السلطة السياسية المنظمة معروفة، كانت هنالك مجالس قبلية، وكانت هناك «دار الندوة» التي يجتمع فيها ممثلون عن القبائل العربية يتشاورون في تدبير أمورهم. لقد كانت الحياة السياسية آنذاك في المصطلح الحديث حياة ديمقراطية، ومع ذلك عندما جاءهم الرسول -صلى الله عليه وسلم- وأقام الحجة على أنه نبي مرسل كفروا بما جاء ورفضوا أن يعطوه الولاء. وعندما دعاهم للاستجابة لحكم الله وعقيدة التوحيد، وقف الملأ من قريش يحرضون الناس على النبي المرسل -صلى الله عليه وسلم- وسماهم القرآن شركاء ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ (الشورى: 21).

والشرك ضد التوحيد، الشرك هو ما جاءت الرسل عليهم صلوات الله وسلامه لإنقاذ البشرية منه.

والشرك سماه القرآن ظلمًا عظيمًا لأن معناه اعتداء المخلوق على حق الخالق في الحكم والتشريع وادعاء هذا الحق، ومن هنا فالله سبحانه ﴿لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ (النساء: 116). وما نظن أن أحدًا من المسلمين يقبل الشرك أو يقر به، ولكن قد يقع فيه الإنسان وهو لا يدرك، ومن هنا فإنه ينبغي لنا جميعًا وعلى المرشحين خصوصًا أن ندرك أن المجلس النيابي قد يكون مؤسسة تحاد الله وتعتدي عليه في الحكم والتشريع، إن اعتقد أحدٌ أنَّ من حق المجلس أن يشرع القوانين ويضع التشريعات بعيدًا عن الإسلام ودون الرجوع إلى أحكام الشريعة الإسلامية.

هذه القضية يجب أن تكون واضحة جدًّا في أذهان المرشحين قبل غيرهم حتى يكونوا مسلمين موحدين أولًا، وحتى يكونوا ممثلين مخلصين للأمة ثانيًا. وهذه الحقيقة يجب أن تكون واضحة كذلك لدى الناخبين؛ لئلا يقعوا في الشرك عندما يقترعون لمن يحاد الله ورسوله ولمن لا يؤمن بالشريعة والنظام الإسلامي. والمجلس النيابي إذا هو تجاوز هذا المحذور واجتهد أن يكون جهازًا لسنِّ وإقرار التشريعات الإسلامية حاز رضا الله وكان مشروعًا. 

وغنيٌّ عن البيان أن تطبيق الشريعة لا يعني عدم الاستعانة بالنظم الإدارية الحديثة، بل إن ذلك مطلوب محمود ما لم يتعارض مع أصل أو قيمة إسلامية.

إذا استطاع المجلس أن يكون كذلك، وإذا وصل إليه المخلصون الأكفياء، فتلك نعمة تستحق الشكر لله، وإلا فإن المجلس يكون شهيدًا علينا يوم القيامة، ويكون حسرة وندامة. أما في الدنيا فقد نهنأ بعرض منها زائل، ولكن سنظل متفرقين مشتتين، وسنظل نهبًا للطامعين، وقصعة تتآكل عليها الهموم.

الرابط المختصر :