العنوان لاذع أكثر من الحد! عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي في “زنجبار” يطرد المستثمرين
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 04-أغسطس-1998
مشاهدات 54
نشر في العدد 1311
نشر في الصفحة 37
الثلاثاء 04-أغسطس-1998
تحولت الأنسام العليلة التي تهب على هذا البلد الصغيرة “زنجبار” عبر قناة بيمبا فجأة إلى ريح خبيثة تحل معها سلسلة من الكوارث كان بعضها طبيعياً مثل عواصف النينيو التي أغرقت الجزيرتين التوأمين «أونجوجا» و«بيمبا» مشردة الآلاف من سكان ذلك البلد المليوني، أما البعض الآخر فكان اقتصادياً مثل انهيار أسعار سلعة التصدير الرئيسة للبلاد نبات الكلوفس، وكان يمكن تجنب بعض هذه الكوارث مثل انتشار وباء الكوليرا بسبب سوء أحوال النظافة خلال شهر رمضان الماضي، مما أدى إلى مقتل المئات غير أن أسوأ المشاكل تنشأ عن الأزمة السياسية التي عجلت بها محاكمة ستة عشر عضواً من جبهة الاتحاد المدني المعارضة بتهمة الخيانة، وهي المحاكمة التي جرى إبرازها، ويبدو أن جريمتهم الأساسية أنهم فازوا في انتخاب فرعي حيوي مما أحرج حكومة الرئيس سالمين أمور، وأثار حنقها، وتؤدي غارات الشرطة العنيفة على مسؤولي المعارضة إلى تنفير المستثمرين والسياح، وإلى تهاوي الاقتصاد.
وما زال هذا النظام المستمر منذ أربعة وثلاثين يسمي نفسه باسم حكومة زنجبار الثورية، ولكنه ظلَّ يسعى منذ سنوات إلى دفن بعض ملامحه الستالينية الباقية، والأشد تنافراً كي يجتذب الاستثمارات، غير أن الأمور تسير بتباطؤ في جزر التوابل الهادئة، إذ لم تنقل سفارة المانيا الشرقية من القائمة الرسمية للأماكن السياحية إلا بعد سقوط حائط برلين بوقت طويل، كما أن مستشفى فلاديمير اليتش لينين لم تعد إلى اسمها القديم مستشفى غرة جوز الهند الوحيدة إلا منذ عامين فقط، ويقول محمد يوسف مسؤول التنظيم في جبهة الاتحاد المدني: إن الحكومة فاقدة للوعي بالواقع وتقاوم التغيير.
وقد حظرت الملكية الخاصة عقب ثورة عام ١٩٦٤م الدموية التي طردت السلطان (وهو عماني وقامت الحكومة الثورية، وفي العام التالي شكلت زنجبار الاتحاد التانزاني السياسي مع تنجانيقا في القارة الإفريقية لكنها ظلت شبه مستقلة برئيسها وبرلمانها، ولم تحصل زنجبار على ٢٠٪ من الميزانية القومية رغم أن سكان تنجانيقا يفوقون عدد سكان تلك الجزيرة بنسبة ٢٩ إلى واحد.
ويريد الزنجباريون برغم أن إقليمهم وتنجانيقا لا بُدَّ أن يكونا شريكين متساويين في الاتحاد أن يحصلوا على ٥٠٪ من الكعكة، بينما يريد التنزانيون الآخرون أن تنقص النسبة، وإذا لم تصل المجموعتان إلى تسوية فقد ينهار التحالف بأسره قريباً، بل ويتهدد الحكومة نفسها خطر الانهيار الداخلي السريع، ففي الانتخابات التي جرت في أكتوبر عام ١٩٩٥م فازت جبهة الاتحاد المدني بأربعة وعشرين مقعداً في البرلمان القومي مقابل ۲۰ مقعداً فازت بها الحكومة وكان برنامج الجبهة الشعبي يدعو إلى حرية التعبير والمزيد من الشفافية في الحكومة والإصلاح الاقتصادي، وكان هذا في انتخابات حكم عليها المراقبون المستقلون بأنها مشوبة بالعوار إلى حد كبير، مما حرم جبهة الاتحاد المدني من الفوز الواضح، الفوز المحدود الذي حصل عليه الرئيس أمور، أعطاه السلطة كي يعين ٢٥ عضواً آخر في البرلمان بجانب المدعي العام، لكن جبهة الاتحاد المدني قاطعت جلسات البرلمان وركزت على التخطيط للانتخابات القادمة المقررة في عام ٢٠٠٠م.
وقد قطعت الدول الأوروبية معوناتها عن زنجبار منذ الانتخابات، مشيرة إلى انتهاكات حقوق الإنسان، كما أن دعامة اقتصاد البلاد أولاً وهي زراعة التوابل تعرضت المصاعب جمة، وقد انخفض إنتاج مئات الألوف من أشجار الكوف في البلاد - ومعظمها يزيد عمره على المائة عام من كمية ١٠ آلاف طن في العام إلى خمسمائة طن فقط، بينما انخفض دخل الفرد من ٥٠٠ دولار في العام إلى حوالي ۱۰۰ دولار، وقد انخفضت الأسعار لأن السوق الرئيس إندونيسيا، حيث يستخدم نبات الكوف لتعطير السجائر، قلت مشترياته من ذلك النبات بعد تغير أذواق المدخنين، ولم تقابل محاولات الحكومة برفع الإنتاج من خلال توزيع الفسائل مجاناً على المزارعين باستجابة حماسية.
ويقول المزارع سعيدي عماري: نحن غير مهتمين لأننا نتكلف ٥٠ سنتاً لقطف الكيلو في نبات الكوف بينما تدفع لنا الحكومة ٥٥ سنتا وبدلاً من ذلك يحاول الكثير من المزارعين كسب القوت المحدود بمرافقة السياح الزيارة حقول التوابل والأعشاب أو بزراعة الأعشاب البحرية الصالحة للأكل لتصديرها إلى الشرق الأقصى ومع ذلك فالسياحة هي قطاع خاسر، وفي العام الماضي تلقت زنجبار دفعة مشجعة عندما اشترت مجموعة سيرينا للفنادق التي يمتلكها الأغاخان بنايتين كبيرتين تطلان على البحر بالقرب من الميناء وحولتهما إلى فندق فاخر تزينه المشغولات الخشبية الزنجبارية التقليدية وغير ذلك من المصنوعات الفنية، غير أن مستوى الخدمة المتميزة والتسويق الماهر والتخفيضات الكثيرة لم تكف كلها لشغل الفندق بالسياح بل تعرض الفنادق الأخرى غرفاً مزدوجة مكيفة الهواء بسعر ٢٥ دولاراً في الليلة، ولا تجد الزبائن مع ذلك لأنهم يخافون من القلاقل السياسية.
وقد تمكن الرئيس أمور حتى الآن من المحافظة على البلاد من الانهيار الاقتصادي من خلال رسوم الاستيراد على السلع الاستهلاكية فالحمولات القادمة إلى دار السلام داخل تنزانيا تفرغ في زنجبار؛ لأن رسوم الجمارك والضرائب فيها أقلَّ من داخل تنزانيا، ومع دخول الليل تتسرب السلع إلى كهوف بحرية منعزلة؛ حيث تهربها القوارب الصغيرة إلى البائعين المنتظرين على الساحل الرئيس على بعد ۳۰ كيلو متراً وهناك مثل شائع في الجزيرة يقول: «في يوم صاف أو رائق تستطيع أن ترى تنجانيقا نفسها داخل زنجبار، لكن المثل يضيف: «لكنها تختفي في اليوم الجيد، وقدْ تختفي أيضاً وقريباً جزر التوابل الهادئة التي يعرفها خيالنا إلا إذا استطاع أهل زنجبار أن ينهوا تشاكسهم السياسي ويستعيدوا السياح والمستثمرين الذين يحتاجونهم بشدة.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل