; تحليل سياسي بين المبادئ والمصالح! | مجلة المجتمع

العنوان تحليل سياسي بين المبادئ والمصالح!

الكاتب د. محمد الغمقي

تاريخ النشر الأحد 22-مارس-1992

مشاهدات 64

نشر في العدد 994

نشر في الصفحة 32

الأحد 22-مارس-1992

مآخذ على الحركات الإسلامية: استقلالية القرار السياسي ورفض النخب العلمانية


مقدمة:

إن المتتبع للسياسة الدولية وللسياسة الداخلية لمعظم حكومات البلدان العربية والإسلامية منذ عقد ونصف تقريبًا، يلاحظ وجود خط ثابت في التعامل مع ظاهرة الصحوة الإسلامية، يمكن اختزاله في انتهاج سياسة إقصائية واستثنائية تراوحت بين الترغيب والترهيب.

فما هي مظاهر هذه السياسة؟ وما هي خلفياتها ودوافعها وأبعادها؟ تتجلى هذه السياسة على مستوى الطرح الفكري والتنظيم السياسي وعلى مستوى الممارسة.

1. المآخذ الفكرية على الحركات الإسلامية

في الجانب الأول، هناك شبه إجماع لدى سلطات القرار المتحكمة في النظام الدولي، والتي تدور في فلكها، بأن الحركات والأحزاب السياسية التي تمثل هذه الصحوة غير منسجمة، بل مضادة في تصوراتها وأهدافها للمبادئ والقوانين، وبصفة عامة للعرف الدولي المتعامل به داخل المنظومة الدولية.

ومن أهم المآخذ التي تُوَجَّه لمثل هذه الحركات والأحزاب أنها مُصرة على استقلالية قرارها السياسي وتوجهاتها وإستراتيجيتها؛ مما يترتب عليه النظر إليها واعتبارها كيانًا شاذًا غير قابل للاستيعاب في إطار المنظومة القائمة.

وبالإضافة إلى مسألة الاستقلالية، فإن هذه الصحوة تطرح من جديد إشكالية العلاقة بين الدين والسياسة، مع الخصوصية التي يتميز بها التصور والمنهج الإسلاميان بشأن وجود علاقة جدلية قوية بين المسألتين. ويتناقض هذا الطرح مع الطابع العام لمسار السياسة الدولية والإقليمية الذي يلتزم في الظاهر بمبدأ الفصل بين السلطة الزمانية والسلطة الروحية، في حين أن الواقع يؤكد بأن الكيانات القائمة على أساس ديني هي الأكثر تأثيرًا في صنع القرار الدولي مثل: «الفاتيكان»، و«إسرائيل»، و«اليابان»، وتعتبر الكيانات البوذية والبرغماتية من القوى الجديدة الصاعدة.

من هنا يُفهَم كيف أن الطرح المعتمد لتحليل الظاهرة الإسلامية يهدف بالأساس إلى إقصاء أو استثناء الحالة الإسلامية انطلاقًا من موقف متحفظ إن لم يكن معادٍ للإسلام كدين وتصور ومنهج للحياة. والحركات والأحزاب الإسلامية ليست سوى المبرر أو الغطاء الذي يخفي جوهر الموقف السائد حاليًا من التجارب السياسية ذات الطابع الإسلامي في أفغانستان إلى المغرب، مرورًا بفلسطين والأردن وتركيا والسودان وتونس والجزائر.

2. الممارسة السياسية والإقصاء

أما على مستوى الممارسة، فإن التعامل مع هذه الظاهرة في البلدان الإسلامية وحتى الغربية هو وليد التصور الإقصائي؛ حيث بينت الوقائع أن المصلحة والميكافيلية طغت على المبادئ التي أقرتها المجتمعات الغربية، ووظفتها أغلب الأنظمة القائمة في المنطقة العربية والإسلامية لمصلحتها، مثل مبدأ الديمقراطية الذي غدا شعارًا أُفرِغ من محتواه، خاصة إذا تعلق الأمر بوجود طرف إسلامي في اللعبة السياسية.

وما حدث في المغرب الكبير (موريتانيا والجزائر وتونس بالخصوص) دليل بيّن على هشاشة الفكر السياسي الغربي واختلال أسسه النظرية، وانعكاس ذلك على الشعوب الإسلامية التي تتحكم في رقابها نخب سياسية، تربت في مدارس الغرب، ونقلت فكره وتصوراته دون تمحيص، وطبقتها على واقع مختلف من حيث التركيبة والذهنية. فعندما حصل تماس بين الطرح الغربي والطرح الإسلامي بخصوص تشريك المحكومين في القرار السياسي، أو ما يطلق عليه إسلاميًا الشورى، عجز دعاة الفكر الغربي عن تحمل مسؤولية نتائج اللعبة السياسية واحترام قوانينها التي تقوم أساسًا على احترام إرادة كل شعب حتى آخر المطاف، وعدم التوقف عند منتصف الطريق، إذا كان الخيار الشعبي يسير في خط الإسلام ومنهجه.

وهو ما يفسر قوة الحملة وشدة المواجهة التي قوبلت بها التعبيرات السياسية الإسلامية في هذه البلدان، فقد أربكت الانتخابات التشريعية في أبريل 1989 المشروع التغريبي الذي يتزعمه الجنرال ابن علي والتيار الفرنكفوني ورمزه وزير التربية الحالي محمد الشرقي، بنفس القدر الذي أربكت به الانتخابات التشريعية في الجزائر في ديسمبر الماضي المشروع التغريبي الفرنكفوني بقيادة الجنرال نزار ومن لف لفَّه. وقد بلغ الارتباك ذروته إلى حد تحويل تونس والجزائر إلى ثكنات بوليسية للقضاء على «الخطر الأصولي» كما يطلق عليه في وسائل الإعلام والدوائر الرسمية. وكما قال الحشاني: "لأول مرة في التاريخ البشري، يتم إجهاض دولة قبل قيامها!". وانطلقت الحملات المسعورة لتقديم كل المبررات لإقصاء الإسلاميين عن الساحة السياسية بحجة احتكار الصفة الإسلامية وعدم احترام قواعد اللعبة الديمقراطية.

وفي خضم هذا الصراع، سقط أنصار المشروع التغريبي في تناقضات رهيبة بين ما رفعوه من شعارات ومارسوه من سياسات. فكل الاتجاهات الفكرية والسياسية لها الحق في التواجد السياسي إلا الإسلاميين، والأخذ برأي الأغلبية من صلب الديمقراطية إلا إذا كانت هذه الأغلبية من أنصار المشروع الإسلامي؛ ففي هذه الحالة تتحول الأقلية والدكتاتورية العسكرية والبوليسية إلى حماة للديمقراطية. من خلال هذه الممارسات، يتبين أن الأطراف المعادية للظاهرة الإسلامية غير مستعدة لقبول مبدأ التناوب على السلطة، بل حتى لمجرد اقتراب الإسلاميين من منطقة القرار. وباسم «منطق الدولة» و«المصلحة العليا»، تُضرَب بِعَرْض الحائط كل المبادئ وتُداس كل القيم. المهم ألا يصل الإسلاميون إلى الحكم؛ لأن وصولهم يعني تصالح الشعوب مع هويتها وتصحيح مرجعية قرارها بالأساس إلى خالقها وضرب العقلية السلطوية من أساسها. وهذا ما يخيف أصحاب المصالح الضيقة، ويُسفه أحلامهم.

وفي هذا الإطار تَتَنَزَّل السياسة الإقصائية للظاهرة الإسلامية التي لم تثمر بحول الله؛ لأنها تسير عكس مسار التاريخ.



 

الرابط المختصر :