العنوان لا حسد إلا في اثنتين
الكاتب أ.د. السيد محمد نوح
تاريخ النشر الجمعة 07-سبتمبر-2012
مشاهدات 54
نشر في العدد 2017
نشر في الصفحة 50
الجمعة 07-سبتمبر-2012
تمني زوال نعمة الغير ممن هو ليس أهلًا لها مع العمل على تحقيق ذلك.. جائز ولا يعاقب عليه
الغبطة تمني مثل ما عند الغير وعدم تمني زواله عنهم... وهذا أمر محمود
قيل: إن حسدت فاحسد من يستحق.. ومن لا يستحق فلا تحسده بل تمن أن يكون لك مثل أجره
يطيب لنا أن نعيش سوياً مع هذا الحديث الذي أخرجه الشيخان البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث عبد الله بن عمر وابن مسعود وأبي هريرة - رضي الله عنهم أن النبي ﷺ قال: «لا حسد إلا في اثنتين؛ رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وأطراف النهار، ورجل آتاه الله مالاً فسلطه على هلكته في الحق »، أو كما قال .
وسبق أن بينا لكم أن لنا رسالة والرسالة تقتضي منهجاً، وأين المنهج ؟ كتاب الله عز وجل، وأين القدوة؟ محمد رسول الله ﷺ فنستطيع أن نقول: إن المنهج الجانب النظري فيه القرآن، والجانب العملي فيه محمد رسول الله ، وكما أن عندنا قرآن المصحف، عندنا أيضا قرآن يمشي على الأرض.
ومن القرآن الذي يمشي على هذه الأرض؟ إنه محمد رسول الله ، وهذا ليس من عنده، فهي هداية الله عز وجل له .. ﴿وإنك لعلى خلق عظيم (4)﴾( القلم)
أي على دين عظيم، وقالت السيدة عائشة رضي الله عنها -: «كان خلقة القرآن»... عندما سألوها عن خلق رسول الله ﷺ فقالت لهم: «أما تقرؤون القرآن قالوا : بلى قالت: كان القرآن خلقه يرضى برضاه ويسخط بسخطه».
وقلنا : إن القرآن كتاب حياة، وكل ما تحتاجه الحياة موجود فيه، ويعرفنا بالله وما له علينا، ويعرفنا بالإنسان ونفسيته وما يدور فيها، فهو يعرفنا بأنفسنا، يعرفنا برسالتنا يعرفنا بالمنهج يعرفنا بالقدوة والأسوة يعرفنا بالعالم الذي نعيش فيه المرئي وغير المرئي، يعرفنا بالعاقبة والمصير يعرفنا بحقوق وواجبات بعضنا على بعض يعرفنا بحقوق المخلوقات الأخرى غير العاقلة علينا، يعرفنا بعيوب النفس وأمراضها كيف نتخلص من هذه العيوب وتلك الأمراض؟
يعرفنا بالطريق لزيادة الإيمان يعرفنا بأعدائنا وكيف نتخلص من هؤلاء الأعداء أو تنتصر منهم».
اثنتا عشرة حقيقة موجودة فيه، والحياة محتاجة ماذا ؟ محتاجة ما يحفظ علينا الدين ما يحفظ علينا النفس ما يحفظ علينا العقل ما يحفظ علينا العرض.
اثنا عشر تعريفا موجوداً ومطبقا فيه فهذا المعنى يؤكد أن القرآن هو الحياة ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مَنْ أَمْرِنَا﴾ (الشورى: ٥٢)، ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دعاكم لما يُحييكم ﴾ (الأنفال: ٢٤ ).
أنت بدون روح ميت وأنا ميت والدواب بدون روح لا تعيش، وهذا روح عقل أن تعرف ما المطلوب، وهذا للإنسان بالطبع فقط.
﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مَنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الْإِيمَانُ وَلَكن جَعَلْنَاهُ نُورًا نهدي به من نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صراط مستقيم (٥٢) ﴾ (الشورى).
دستور الحياة
فالقرآن يهدي، وأنت تهدي يا الله ﴿وإنك لتهدي إلى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢) صِرَاطِ الله الذي لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلا إلى الله تصير الأمور (53)﴾ (الشوري)، ﴿يَا أَهْل الكتاب قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا كَمَا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الكتاب وَيَعْفُو عَن كَثِيرِ قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾ (المائدة).
النور مرة يطلق على القرآن ومرة يطلق على محمد لأنهما مثل بعضهما، والهداية مرة تطلق على القرآن ومرة على محمد ﷺ لأنهما مثل بعضهما ؛ ﴿قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وكتابٌ مُبِينٌ (15) يَهْدِي به اللهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلام وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم (16) ﴾ (المائدة)، إذا ، القرآن كتاب الحياة ودستورها .
أنت عندما تشتري جهاز كمبيوتر» ولم تأخذ دورة تدريبية للتعرف على طريقة تشغيله.. هل تستطيع أن تعمل عليه جيداً؟ بالطبع لا، ويضيع عليك المبلغ الذي اشتريته به، لأنك لم تتدرب على التشغيل ولم تذهب إلى أحد العارفين بالكمبيوتر، وقد تضغط على مفتاح يعطل لك الجهاز، وإذا عرفت كيفية التشغيل يسير معك الجهاز برخاء ويسر.
كذلك أنت لك رسالة، ولابد أن تعرف المنهج وترى المطبق لهذا المنهج محمدا ، كيف كان يعمل بالقرآن والسنة؟ ولما أعرف أطبق.. ما الذي يجعلني أقرأ القرآن؟ وما الإغراء الذي سيجعلني أقرأ القرآن؟ وما الإغراء الذي سيجعلني أقرأ السنة؟ هل ستعطينا مالا ؟ هل ستعطينا شيئاً آخر؟
المال نوعان: دراهم ودنانير، أو درجات عند الله الدراهم والدنانير ستفنى وتكون تراباً، أما الدرجات هي التي ستبقى لي عند الله عز وجل، وسيئات تنزل عني ودرجات ترفع لي ﴿مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ الله بَاقٍ﴾ ( النحل: 96).
ما الذي يغريني؟ ما الذي يحملني إلى أن أقرأ القرآن والسنة وأحفظهما وأتحملهما؟ الثواب والأجر الذي عند الله سبحانه وتعالى.
الغبطة
قيل: إن حسدت فاحسد من يستحق الحسد، ومن لا يستحق فلا تحسده بل تمن أن يكون لك مثل أجره، وهذا يدعونا إلى تعريف الحسد وتعريف الغبطة.
الحاسد لا يعجبه قسمة الله على عباده وهذا التعريف ليس على إطلاقه، فهناك شخص عنده أموال كثيرة لكنه يستخدمها في إذلال الخلق والعباد، يعني ليته عنده مال ويمشي بين الناس بالعدل، بل يذل بها عباد الله ويسيء استخدام هذا المال.. هذا الصنف لو حسدته فهذا جائز لأنه يوظف نعمة الله في إذلال خلقه، ويجوز أن تحسده وأن تتمنى زوال النعمة عنه وذلك يقع في دائرة الحسد المباح.
فالحسد المباح هو تمني زوال نعمة الغير ممن هو ليس أهلا لها مع العمل على ذلك.
الحسد الحرام
وإذا كنت رجلا صالحا تحفظ القرآن وتعمل حلقة مملوءة بالناس هل يقال: ليت حلقة هذا الشيخ تفشل ؟ لا بل يقال: يا رب بارك فيها واحفظ شيخها .. قال الشافعي: وددت لو أن الناس حفظت ووعت كل ما أثر عني دون أن ينسب لي شيء منها ... يعني كل همه أن يستفيد الناس ويتعلموا وينتفعوا .
فالحسد من مثل هذا غير مطلوب وغير محمود، فالرجل الذي يحفظ ويعلم وتنجح حلقته لا ينبغي تماما أن تحسده، بل تدعو له بالبركة والتوفيق.
وإذا قلت هذا الكلام (الحسد) هذا فقط دون أن تحدث به نفسك ولمت نفسك بعد أن قلته، فهل حديث النفس نجزی به و نحاسب عليه؟ لا، والدليل: أن الرسول ﷺ عندما رجع من رحلة المعراج وقال: «أعطاني ربي ثلاثا».
ومنها : تجاوزت لأمتك عما حدثت به نفسها ما لم تعمل به... لكن لو رأيت سيارة فخمة الواحد من الناس وحسدته وانفجرت بعد ذلك، هذا هو الحسد، وتكون معاقب عليه !
قال تعالى: ﴿ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (1) مِن شَرِّ مَا خَلَقَ (2) وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ (3) وَمِن شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ (٤) وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدٌ ﴾ (الفلق).
يعني: إذا عمل إلى تحويل النية إلى واقع من شر حاسد إذا حسد»، أما حديث النفس فالله لا يعاقب عليه، قال سبحانه : ﴿لا يُكلف اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ﴾ (البقرة : ٢٨٦ ) .
فالتحقق يتم عندما أسير خلف حديث الخواطر وأحوله إلى واقع وإلى فعل.. إذا تمني زوال نعمة الغير ممن هو ليس أهلا لها مع العمل على تحقيق ذلك هذا هو الحسد الحلال الذي لا يُعاقب عليه إنسان.
أما تمني زوال نعمة الغير ممن هو أهل لها مع العمل على تحقيق ذلك فهذا حرام ومنهي عنه.
يعني الدعاء على الظالمين من الصنف الأول الذي يسيء استخدام نعمة الله، نوع من الحسد المباح؛ فأقول في دعائي عليهم كل يوم: اللهم أحصهم عددا، واقتلهم بددا ولا تغادر منهم أحدا، اللهم اجعل بأسهم بينهم شديدا ..... مع العمل على تحقيق ذلك.
أما الغبطة، فهي تمني مثل ما عند الغير وعدم تمني زواله عنهم، فهذا محمود وغير مذموم.
كما في الحديث: «لا حسد إلا في اثنتين؛ رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وأطراف النهار، ورجل آتاه الله مالا فسلطه على هلكته في الحق».
فالحسد هنا يكون غبطة هؤلاء، وتمني ما عندهم من الخير «صاحب القرآن، والمنفق في سبيل الله»، وعدم تمني زواله عنهم ! مثلاً أنت لديك سيارة موديل قديم (قديمة) حالتها ليست جيدة، وترى واحدا آخر معه سيارة آخر موديل (حديثة)، فتتمنى أن تكون لديك سيارة مثلها لتوصلك إلى العمل ولا تتأخر كل يوم بسبب سيارتك القديمة، ولا تتمنى زوالها من عند الآخر، فالحسد شيء والغبطة شيء آخر .
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل