العنوان معالم على الطريق.. لا مُحافظ إلا «حافظ»
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر الثلاثاء 24-يونيو-1997
مشاهدات 54
نشر في العدد 1255
نشر في الصفحة 49
الثلاثاء 24-يونيو-1997
ظاهرة مهمة يلاحظها المراقب في مسالة الجهاد الوطني والكفاح الحربي وخصوصًا على أرض فلسطين في العصر الحديث، وعلامة ملفتة للنظر يرقبها الراصد للحوادث في الوطن العربي والإسلامي على ساحة التحرك الوطني القومي والإسلامي في الوقت الراهن، وهي تحمل الفرد الإسلامي عبء الكفاح الفاعل لطرد المستعمر أو المحتل وقيامه بدفع فاتورته من دمه وماله وراحته، وقد يشاركه في دفع هذا الثمن الباهظ أهله وأقرباؤه وذووه، ترى ذلك على أرض فلسطين الشاهد الحي، والبيان الناطق، فمنذ وعد بلفور والحفيظة الإسلامية، والشباب الركع، والشيوخ السجد هم وقود المعركة وحاملو رايتها، قد وقفوا للإنجليز ومن بعدهم اليهود على أرض فلسطين فأقضوا مضاجع المستعمرين والمحتلين.
ولولا خيانات من هنا وعمالات من هناك وقعود من أولئك، تحالفت على طردهم بدل طرد اليهود وقتلهم بدل جهاد المحتل، وقد ذهب الظالمون كأمس الدابر، وظلت ذكرى الخائنين وقبورهم هواتف في آذان عالمنا الحالي، لابد أن نتذكرها ونعلمها أولادنا ليهلك من هلك عن بيئة، ويحيا من حي عن بينة، ولأننا مازلنا نعيش تلك الحوادث، وتتكرر تلك الوقائع مع الإسلام وشبابه المؤمن، ورجاله الغر الميامين، وشيوخه الكرم المجاهدين، ومازالت المعركة مع الشباب المسلم على أشدها وعلى قدم وساق والجميع يعرف لخدمة من؟، وبإيحاء من؟، ولإرضاء من؟، وذلك بدلًا من جمع الكلمة وتوجيه القوى وزج هذا الشباب الفتي ودفعه ليكون في نحور المحتلين ونصرة مقدسات الدين، ولقد كانت حرب ۱۹۷۳ م بين مصر واليهود حربًا حقيقية، حارب فيها الجندي المصري ببسالة ولكنه ولأخطاء من بعض القادة، وبمساعدة الولايات المتحدة وأقمارها الراصدة فتح العدو اليهودي ثغرة في دفاعات الجيش المصري وتوسعت تلك الثغرة وأذهبت بهجة النصر وفرحة تحطيم الجندي العربي لخط بارليف وانتشر الجيش الإسرائيلي خلف خطوط الجيش المصري واحتل العدو الزيتية، وشركة النصر للبترول، وشركة السويس للبترول، وشركة الأسمدة، والقاعدة البحرية، وأصبح على مشارف مدينة السويس، وهي الهدف المرحلي الكبير الذي يسعى العدو إلى احتلاله، وأصبحت الجبهة قاب قوسين أو أدنى من كارثة محققة ولكن شيئًا قد برز في هذا الوقت، غير الموازين وقلب نصر العدو هزيمة، وجعل زحف العدو إلى السويس ومحاولته احتلالها لعنة عليه ومصيدة لجنوده، وهذا الشيء هو ظهور رجل واحد اسمه «حافظ سلامة» أبّيَ عليه إسلامه بعد انسحاب الجيش والقادة أن يُسّلم المدينة التي وقعت تحت الحصار وانقطع عنها الماء والطعام والكهرباء، وقد تعجب حين تعرف أن هذا الرجل كان إمامًا لمسجد الشهداء في السويس، وليس قائدًا أو جنرالًا، أو حاكمًا للمدينة، استطاع أن يجمع بعض الصامدين من المصلين ويكون منهم مقاومة شعبية رغمًا عن المحافظ الذي كان يريد تسليم المدينة بدون مقاومة، ولنستمع إلى الشيخ حافظ يروي شيئًا عن الواقعة، فيقول: جاء المحافظ إلى المدينة ودخل المسجد الذي يتجمع فيه الناس، وقال: يا إخواني تسلل العدو إلى المدينة بدباباته، فإذا دخلت هذه الدبابات المدينة فعلى كل واحد أن يظل في مكانه ولا شأن له بشيء، ولكن عقب انصراف المحافظ وجدته يكسر معنويات الناس من الأهالي والجنود وكان يجلس بجواري أخ اسمه أشرف عبد الدايم فقلت له ولمن حولي: أخرجوا إلى الطرقات واستعملوا السيارات التي في الشوارع متاريس على أبوابها، ثم توجهنا إلى بعض الجنود الفارين نجمع منهم السلاح والذخائر وكان ذلك من المشاكل التي واجهتنا، إذ إن قوات العدو مدرعة تحتاج إلى : سلاح «أر. بي. جي»، وقنابل من نوع «م. د» ولم يكن لدينا شيء من ذلك ولكننا استطعنا الحصول على سلاحين «أر. بي. جي» وعملنا أكمنة بما معنا من سلاح مستعينين بالله، وبدأ العدو يتقدم في ٢٤ أكتوبر نحو المدينة، وكنا قد نصبنا لهم كمائن على مداخل المدينة الثلاثة.
وكانت قوات العدو في طابور مكون من ١٣ دبابة وبعض العربات المصفحة في الفوج الأول، فضرب الكمين الأول الدبابة الأولى فحطمها ودمر العربة المصفحة التي خلفها فترك العدو بقية الدبابات وفر بهلع وتتبعناه بأسلحتنا الخفيفة لنقضي عليه، وهنا ازداد الهلع لأنه كان يظن أن المدينة خاوية بعد ابتعاد الجيش، وجاء فوج ثان وثالث وتتحطم دبابات العدو أمام صمودنا في المقاومة وصمود الشباب المؤمن، وكان حصيلة اليوم الأول استيلاء وتدمير ١٨ دبابة و5 عربات كانت مزودة بالمؤن والذخائر، فزاد تسليحنا وحصلنا على كمية من الـ «أر. بي. جي» واستعان العدو بالطيران لدك المدينة، ثم واصل الهجوم بعد ذلك بالدبابات والعربات المدرعة، ولكنه قوبل بمقاومة أشد وزادت خسائر العدو فأراد القائد الإسرائيلي أن يؤلب علينا حاكم المدينة الذي اتصل به وأنذره إذا لم يسلم المدينة في ظرف نصف ساعة من الآن فسندك المدينة على من فيها، فأمهله الحاكم حتى يستشير القاهرة، فقال القائد الإسرائيلي: لا القاهرة ولا غيره، واستشار المحافظ العميد عادل الذي كان في السويس، وكان على اتصال بنا فقال له العميد عادل: حتى أشاور الشيخ حافظ والمقاومة، وجاء العميد يستشيرنا فقلنا له: مازلنا نقدر على المقاومة ولا يمكن أن نترك المدينة لليهود، فإما النصر وإما الشهادة، وهذا الطلب من القائد الإسرائيلي يعتبر يأسًا لأنه لم يستطع أن يدخل المدينة، وهو الآن يريد أن يضربنا بحاكم المدينة، ولن نسلم أبدأ، وأثناء المحاورة اتصل حاكم المدينة وقال: لقد جهزت الراية البيضاء، لنذهب إلى القائد الإسرائيلي للتسليم، فقيل له: إن الشيخ حافظ غير موافق فقال المحافظ بثورة ما دخل الشيخ حافظ في الأمور العسكرية وهو إمام مسجد وأنا المسؤول عن السويس عسكريًا ومدنيًا، فقال الشيخ حافظ بحزم إننا سنقاوم وندافع عن المدينة حتى آخر قطرة من دمائنا مهما كانت النتائج، وإذا تحرك المحافظ ومدير الأمن لتسليم المدينة فهم أحرار ولست مسؤولًا عما يحدث لهم، فصاح المحافظ باقي خمس دقائق على الميعاد لتسليم المدينة فرد عليه الشيخ حافظ وعلى اليهود بإذاعة بيان وإنذار له ولليهود من ميكروفون المسجد بأننا سنقاوم وسيرى اليهود بأس المؤمنين وقضي الأمر ومرت الساعات ولم ينفذ اليهود تهديدهم وحاولوا بعد ذلك بالطائرات ، والدبابات والمشاة احتلال السويس ولكن المقاومة الإسلامية كبدتهم خسائر فادحة وطاردتهم خارج السويس، وطلب التفاوض عند الكيلو 110 مع الحكومة.
وكانت مقاومة السويس هي الضاغطة على المفاوض الإسرائيلي لأنهم بجنودهم مكشوفون في العراء والمقاومة تلاحقهم، وتم الاتفاق وانسحب الجنود الإسرائيليون، وشمخت السويس بمقاومتها وجاءت الدولة لتحتفل في السويس بصمودها وجلس المحافظ على المنصة وسط الهالات وأقواس النصر، وجلس الشيخ حافظ سلامة وسط الجمهور ساكنًا، ولكن جمهور السويس الذي قاوم وكافح ويعرف الفضل لأصحابه لم يعجبه أن يحتفل بالفارين ويترك المجاهدون فهتف بأعلى صوته حتى ملأ أجواء الفضاء:
لا مُحافظ إلا الشيخ حافظ.
لا مُحافظ إلا حافظ..
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل