; لا إيثار في الطاعات | مجلة المجتمع

العنوان لا إيثار في الطاعات

الكاتب د. ناجي عبدالله الخرس

تاريخ النشر الثلاثاء 05-يناير-1993

مشاهدات 46

نشر في العدد 1032

نشر في الصفحة 45

الثلاثاء 05-يناير-1993

 

لا إيثار في الطاعات

بقلم: ناجي الخرس

إن حقيقة الإيثار أن تؤثر رضا الله- سبحانه- على كل شيء.

يقول ابن القيم وهو يشير إلى قاعدة إيمانية قد يغفل عنها بعض الدعاة؛ بسبب انشغالهم في دعوة الناس، والحرص على كسبهم، يقول ابن القيم:

«إن بداية الارتقاء في مدارج الإيثار أن تؤثر الخلق على نفسك فيما لا يحرم عليك دينًا، ولا يقطع عليك طريقًا، ولا يفسد عليك وقتًا، وذلك بأن تقدمهم على نفسك في مصالحهم، مثل أن تطعمهم وتجوع، وتكسوهم وتعرى، وتسقيهم وتظمأ، بحيث لا يؤدي ذلك إلى ارتكاب إتلاف لا يجوز في الدين، ومثل أن تؤثرهم بمالك، وتقعد كَلّاً مضطرًا، مستشرفًا للناس أو سائلًا.

وأما ألا يقطع عليك طريقًا: فذلك طريق الطلب والمسير إلى الله- تعالى-: مثل أن تؤثر جليسك على ذكرك، وتوجهك وجَمْعَكَ على الله، فتكون قد آثرته على الله، وآثرت بنصيبك من الله ما لا يستحق الإيثار، فيكون مثلك كمثل مسافر سائر على الطريق لقيه رجل فاستوقفه، وأخذ يحدثه ويلهيه حتى فاته الرفاق، وهذا حال أكثر الخلق مع الصادق السائر إلى الله- تعالى-، فإيثارهم عليه عين الغبن، إلا أن تكون مجالسة ضيف أو نحوه، فإن ذلك من تمام الجود، وكذلك الإيثار بما يفسد على المؤثر وقته قبيح أيضًا، أو يؤثر بأمر قد جمع قلبه وهمه على الله يفرق قلبه عليه بعد جمعيته، ويشتت خاطره، فهذا أيضًا إيثار غير محمود.

وكذلك الإيثار باشتغال القلب والفكر في مهماتهم ومصالحهم، التي لا تتعين عليك، على الفكر النافع واشتغال القلب بالله، ما لم يكن نصر مظلوم أو إغاثة لهفان أو شفاعة حسنة.

وفي هذا تكلم الفقهاء في الإيثار بالقرب، وقالوا: إنه مكروه أو حرام، كمن يؤثر بالصف الأول غيره ويتأخر هو، أو يؤثره بقربه من الإمام يوم الجمعة، أو يؤثر غيره بالأذان والإقامة.

يقول ابن خبيق الأنطاكي: «إن استطعت ألا يسبقك أحد إلى مولاك فافعل، ولا تؤثر على مولاك شيئًا».

ويقول د. أحمد الشرباصي: «لأن الإيثار يكون في أمور الدنيا لا في الطاعات والقربات»، ويوضح هذا المفهوم الإيماني هذا الحديث، «عن أبي هريرة- رضي الله عنه- أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال: «لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول، ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا عليه، ولو يعلمون ما في التهجير لاستبقوا إليه، ولو يعلمون ما في العتمة والصبح لأتوهما ولو حبوا».

فقوله صلى الله عليه وسلم: «ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا عليه».

والاستهام: الاقتراع دليل على أن الطاعة والقربة ليس فيها إيثار لأحد؛ لذلك تجرى بينهم القرعة حتى يتراضى الجميع.

وقدوتنا في هذا الإيثار هو النبي- صلى الله عليه وسلم-، يقول ابن القيم: «فقد كان النبي- صلى الله عليه وسلم- همه وعزمه وسعيه كله مقصورًا على إيثار مرضاة الله، وتبليغ رسالاته، وإعلاء كلماته، وجهاد أعدائه؛ حتى ظهر دين الله على كل دين، وقامت حجته على العالمين، وتمت نعمته على المؤمنين، فبلغ الرسالة، وأدى الأمانة، وجاهد في الله حق جهاده، وعبد الله حتى أتاه اليقين من ربه، فلم ينل أحد من درجة هذا الإيثار ما نال صلوات الله وسلامه عليه».



 

الرابط المختصر :