العنوان لبنان: التوازن الجديد مفتاح أزمة حكم وحكومة
الكاتب هشام عليوان
تاريخ النشر الثلاثاء 19-سبتمبر-2000
مشاهدات 42
نشر في العدد 1418
نشر في الصفحة 28
الثلاثاء 19-سبتمبر-2000
انتهت الانتخابات النيابية اللبنانية بزلزال كبير في بيروت، فرئيس الحكومة الدكتور سليم الحص فشل فشلًا ذريعًا في الاحتفاظ بمقعده النيابي، وبفارق كبير عن أقرب الفائزين على لائحة الكرامة المدعومة من غريمه السياسي رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري فيما خسر أيضًا رئيس جمعية المقاصد الإسلامية النائب تمام سلام نجل الزعيم البيروتي صائب سلام المقعد النيابي، وربما مستقبله السياسي كوريث لعائلة سياسية عريقة في العاصمة الفوز الكبير للحريري في انتخابات بيروت، فرضه كأبرز مرشح لرئاسة الحكومة يحظى بتأييد الكتل الكبرى في البرلمان بغض النظر عن العدد الإجمالي للنواب الذين سيختارونه فعلًا لدى إجراء الاستشارات النيابية المنصوص عليها في الدستور.
وهكذا يواجه رئيس الجمهورية إميل لحود معضلة سياسية ناتجة عن سقوط رهانه على الانتخابات للمجيء بغالبية نيابية موالية توفر الغطاء للإصلاح الإداري والاقتصادي والسياسي، الذي يختصره بعناوينه العامة خطاب القسم الذي ألقاه لحود لدى تسلم مهامه الدستورية قبل عامين تقريبًا، والذي اتخذته حكومة الحص برنامج عمل لها.
بل المسألة تتعدى ذلك إلى واقع أن رئيس الجمهورية هو الآن أمام الخيار المر الذي حاول تجنبه، وهو التعايش مع رئيس حكومة قوي وصاحب رؤية مختلفة تمامًا وأسلوب حكم مغاير ومن الآن وحتى أواخر شهر أكتوبر المقبل ستكثر المساومات والوساطات وربما التجاذبات إلى حين الوصول إلى صفقة معينة بين الرجلين وإلا فإن شخصًا آخر سوف يتولى تشكيل الحكومة، وأسماء المرشحين لهذه المهمة الصعبة لیست كثيرة، وحظوظهم بالنجاح شبه معدومة.
ويجمع المراقبون على أن ما جرى في الانتخابات افتتح مرحلة جديدة، عنوانها الأبرز توازن الأقوياء، فالرئيس لحود فقد كثيرًا من رصيده بعد تجربة إصلاحية فاشلة، لم تعمر أكثر من ۲۰ شهرًا، تخللتها صراعات مكشوفة بين أجهزة أمنية رسمية متنافسة لاسيما في الانتخابات الأخيرة، أدت فيما أدت إلى خسارة الفرصة الوحيدة والمتاحة في الانتخابات لتعزيز حكم لحود، وإلى غياب وجوه برلمانية كانت تشكل قوة مؤازرة له تتولى تبرير السياسات أو على الأقل تقوم بمعارضة الحريري، فيما لو فرضت التوازنات الداخلية والمعادلات الخارجية عودته إلى سدة الحكم. ثم إن نجاح المعارض وليد جنبلاط في تثبيت زعامته الدرزية، عبر الفوز الكبير في الانتخابات، وكذلك ما حصده حليفه الحريري في بيروت من اكتساح للمقاعد النيابية فيها ما عدا واحدًا تخلى عنه المرشح حزب الله، أدى إلى توسيع كتلة المعارضة في المجلس النيابي إلى ما يقارب النصف، وهي المعارضة التي تتفاوت في انتقاد السلطة، لكنها تجتمع على دعم عودة الحريري إلى رئاسة الوزارة.
إنه باختصار التوازن بين نهجين أو بين أسلوبين في إدارة الشأن العام، في حالة تكليف الحريري بتشكيل الحكومة، بخلاف ما كان عليه الأمر في عهد الرئيس السابق إلياس الهراوي عندما كان الحريري يصول ويجول دون أن يحده شيء سوى قواعد المحاصصة السياسية التي اصطلح على تسميتها بالترويكا، حيث كل أمر يخضع للمساومة بين رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة ورئيس مجلس النواب. وهذا مختلف أيضًا عن الحص، حيث يتهمه معارضوه بأنه فرط في موقع رئيس الحكومة وفي صلاحية المنصب، وترك نخبة خاصة من الضباط ورجال الأمن المقربين من رئيس الجمهورية تحكم البلاد بشكل فعلي، فيما بقيت الصورة فقط لرئيس الحكومة، وفي هذا الادعاء كثير من الصواب.
في عدد من الحالات الموصوفة أعلن رئيس الحكومة أنه لا يدري أمورًا حدثت، وكان عليه أن يعلمها، كرئيس لمجلس الوزراء وكوزير للخارجية في الوقت عينه.
حالة التوازن هذه تفرض الحوار والمهادنة لما فيه المصلحة العامة إلا أن جهات متضررة من عودة الحريري لا تزال تعمل بإصرار على عدم تكليف الحريري بتشكيل الحكومة الجديدة وذلك عبر وسائل شتى ليس أقلها الاستعانة بخبراء القانون والدستور لإصدار فتاوى تجيز لرئيس الجمهورية تكليف من يرتئيه لتشكيل الحكومة دونما اعتبار للأغلبية النيابية التي تسمي رئيس الحكومة عبر ما يسمى بالاستشارات الملزمة، حتى انبرى من يقول إن الاستشارات ملزمة بالمبدأ، بمعنى أن على رئيس الجمهورية الاستماع إليها، لكنها غير ملزمة بنتائجها بمعنى أن الرئيس غير ملزم باحترام نتيجة الاستشارات، ويمكنه أن يكلف من يشاء علمًا بأن الدستور بعد التعديل الذي طرأ عليه عقب اتفاق الطائف عام ۱۹۸۹ م بات أكثر توازنًا لجهة إحالة السلطة التنفيذية لمجلس الوزراء مجتمعًا، بعد أن كان رئيس الجمهورية بحسب الدستور يحكم ولا يسأله أحد، فيما كان رئيس الحكومة يعين من داخل البرلمان أو من خارجه سواء كان من الأغلبية أو من الأقلية، وكان لا يحكم فعلًا، فيما يسأل من قبل البرلمان وتطرح الثقة به وبحكومته.
الرئيس لحود أصبح أمام الخيار المر التعايش مع رئيس حكومة قوي وصاحب رؤية مختلفة في الحكم
ويبدو أن البعض ممن يغمز من قناة اتفاق الطائف معتبرًا إياه قد أخل بالتوازن المصلحة المسلمين، يسعى إلى ترسيخ عرف دستوري جديد يقضي بأن يستعيد رئيس الجمهورية بعض هيبته وصلاحياته من خلال فرض الشروط على رئيس الحكومة، فلا يأتي إلى الحكم دون التوافق مع رئيس البلاد، منعًا للازدواجية في السلطة وتجنبًا للصراعات التي شهدتها حكومات ما بعد الطائف مباشرة، والتي تحولت فيما بعد إلى صراعات ثلاثية مع دخول رئيس السلطة التشريعية على خط المحاصصة السياسية، وهو ما يخالف أبسط قواعد الديمقراطية أي الفصل بين السلطات.
وكان الحريري قد اعتذر قبل عامين عن تشكيل أول حكومة في عهد الرئيس لحود، لأن بعض النواب الذين استشارهم رئيس الجمهورية لم يسموا أحدًا، بل فوضوا صوتهم لرئيس الجمهورية، ورأى الحريري في تلك الخطوة انتهاكًا لاتفاق الطائف وانتقاصًا من هيبة رئيس الحكومة وقد استغل لحود الموقف لقبول اعتذاره وتكليف الحص بتشكيل الحكومة.
عداوة مستحكمة
والمقصود من الحملات المنظمة ضد الحريري استبعاده من رئاسة الحكومة، والخصومة الأساسية هي بينه وبين المؤسسات العسكرية والأمنية حتى في ظل حكوماته الثلاث ما بين عام ۱۹۹۲م و۱۹۹۸م، عندما كان لحود قائدًا للجيش وانسحبت الخصومة إياها على المرحلة التي تلت انتخاب قائد الجيش رئيساً للجمهورية بتأييد واضح من دمشق. ومع أن الحريري كان على الدوام حليفًا مفيدًا لسورية على جميع الأصعدة إلا أن الحرب التي شنها عهد لحود على سياسات إعادة الإعمار التي قادها الحريري وحملة الاتهامات والاعتقالات لأنصاره في الإدارات العامة بتهمة مخالفة القوانين وهدر الأموال العامة، طالت بشكل خاص المسلمين السنة، ولم تقترب من أنصار الزعيم الشيعي رئيس حركة أمل نبيه بري الذي هو في الوقت عينه الركن الثالث في الترويكا، ورئيس مجلس النواب. ثم إن العهد الجديد اعتمد على وزير الداخلية في حكومات الحريري ميشال المر ليكون دعامة الحكومة والعهد مع أن المر شخصية ذات إشكالات والتباسات والأدهى من ذلك أن المر الذي يشغل أيضًا منصب نائب رئيس الوزراء بات الرجل القوي في الدولة على حساب رئيس الحكومة وهذه الثغرات بمجملها أضعفت من مصداقية النظام بخصوص شعار مكافحة الفساد وبناء دولة القانون والمؤسسات، حيث ظهرت حملة الحكومة في هذا الشأن وكأنها بهدف الانتقام والتشفي والكيدية والوضع برمته جعل الحريري في موقف الدفاع عن النفس فاستعد للحسم في انتخابات بيروت، وهذا ما حدث بالضبط. ففي حين كانت الحكومة وأجهزتها الأمنية تتدخل في الانتخابات من قانون الانتخاب والترشح إلى التحالفات واللوائح بهدف تصغير حجم المعارضة في البرلمان وتمرير القوانين والإجراءات التي تطول الطبقة السياسية التي نشأت خلال الحرب وبعدها، كان المعارضون بالمقابل يجندون أقصى ما لديهم من إمكانات لتحصين مواقعهم وشن الهجوم المضاد والمفاجأة التي أصابت المعارضة قبل الحكومة أن الناخبين عاقبوا الحكومة والعهد بقساوة بالغة، فكانت الصدمة؟
إن الوزراء الذين تبرأوا من سياسات الحكومة قبيل الانتخابات مثل سليمان فرنجية ونجيب ميقاتي فازوا بأرقام قياسية وتغلبوا على لائحة رئيس الوزراء السابق عمر كرامي المؤيد من الحص، ومن العهد أيضًا حتى وزير الداخلية رجل النظام ميشال المر نعى الحكومة ليلة انتخابات الجبل وهو مرشح في إحدى دوائره. أما الوزراء الآخرون الذين فازوا خارج بيروت فقد كانوا في لوائح ائتلافية قوية، ولو شكلوا لوائحهم الخاصة لأصابهم مصير رئيس الحكومة في بيروت، حيث كان الفارق بينه وبين أقرب الفائزين من لائحة الحريري حوالي ١٥ ألف صوت سني.
الهزيمة الكبيرة نالت أيضًا من المرشح الأبرز الدى السلطة لخلافة الحص النائب تمام سلام فقد كان الفارق بينه وبين أقرب الفائزين من المرشحين السنة على لائحة الحريري ١٥ ألف صوت سني والمفارقة أن الناخب السني اندفع إلى صناديق الاقتراع منذ الصباح الباكر وانتخب بكثافة لوائح الحريري، وهذا لم يحدث من قبل بهذا الزخم، وللمرة الأولى يسقط رئيس حكومة في انتخابات يجريها هو.
احتمالات
ما الاحتمالات المطروحة؟ هل يتعايش رئيس الجمهورية مع الحريري، ووفق أي قواعد؟ هل يأتي شخص آخر من خارج نادي رؤساء الحكومة لفترة انتقالية إلى حين البت بالمسائل العالقة بين الرجلين؟
هناك أسئلة أخرى تكمل هذه مثل: هل يحتمل لبنان هزة اقتصادية عندما يحجب المنصب عن الحريري وهو الذي يشيع وجوده في الحكم تفاؤلًا قويًا في أوساط المستثمرين؟ من البديل القادر والراغب بتحمل أعباء من قبيل إيجاد حل المشكلة الدين العام الذي يتجاوز بسرعة حاجز ١٥٠ من الإنتاج القومي أي أكثر من ٢١ مليار دولار؟
إن الحريري نفسه رفض توزيع الوعود المجانية أثناء الحملة الانتخابية، واكتفى بمسألة واحدة هي خلق فرص عمل للشباب، مما يعني ضمنًا مزيدًا من الديون.
ويرى المراقبون أن من مصلحة الحريري الآن- وقد فاز بهذا الشكل- ألا يستعجل بتشكيل حكومة جديدة، فأي قرارات يتخذها ستكون غير شعبية بالضرورة. وتلك الثقة العمياء التي نالها سرعان ما تنقلب عليه إذا لم يحدث التغيير المطلوب. وعليه- أي الحريري . ألا يقع في الأخطاء نفسها التي ارتكبها في الفترة السابقة فلا يخضع لابتزاز القيادات السياسية، ولا يتحمل وحده وزر سياسات شاركه الآخرون في صنعها. كما أن الإيجابي في المسار السياسي للحريري أنه يأتي هذه المرة إلى السياسة من أبوابها، أي من تحت إلى فوق، فهو الآن محكوم بإرادة الناخبين أكثر من أي وقت مضى.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل