العنوان لغويات سياسية
الكاتب عبد الله عيسى السلامة
تاريخ النشر السبت 14-ديسمبر-2002
مشاهدات 80
نشر في العدد 1530
نشر في الصفحة 50
السبت 14-ديسمبر-2002
لقد دخلت السياسة اليوم في كل شيء، حتى اللغة واللغة داخلة منذ القدم في كل شيء حتى السياسة).
خَبَرَ ومشتقاتها الحديثة
الخبر النبأ جمعه أخبار وجمع الجمع أخابير.
ورجل خابر وخبير وخبر وخبر عالم.
وأخبره خبره أنبأه ما عنده. والخبِر والخبِرة ويضمان أي (خُبر وخُبرة) والمخبِرة، والمخبرة العلم بالشيء كالاختبار والتخبر. وقد خَبُر: صار خبيرًا.
والخَبار ما لان من الأرض واسترخي. والجراثيم وجحرة الجرذان.
ومن تجنب الخبار أمن العثار «مثل».
والمخابرة أن يعطي المالك الفلاح، أرضًا يزرعها على بعض ما يخرج منها، كالثلث، أو الربع أو النصف. وفي الحديث أنه «نهى عن المخابرة..».
قلنا: وجمع المخابرة هنا بالطبع المخابرات. وهي لفظة حديثة مولدة، بمعنى آخر، لشأن آخر ومهمة أخرى. وبرغم حداثتها جمعت المعاني كلها، معاني المفردات الواردة في معجمات اللغة.. ومعاني السياسة المعاصرة.. ومعاني الأمن بمفهوماتها التي تبنى عليها الدول المعاصرة ونعني هنا بالطبع، الدول الديمقراطية جدًّا، التي لا يقوم لها بنيان، إلا على ركائز متينة من مادة «خبر» ومشتقاتها ولقارئ هذه السطور، في أي دولة ديمقراطية جدًّا معاصرة أن يتخيل بلا عناء علاقة المفردات الواردة آنفًا. والمفردات التي سترد لاحقاً، بهذا المصطلح المحدث «المخابرات»، الذي صار قطب الرحى في كل شيء في حياة المواطن المعاصر المبتلى.. بدءًا بلغته ومفرداتها، وانتهاء بالسياسة العليا والدنيا للدولة، ومرورًا بخبز المواطن ومائه، وهوائه وكسائه وأقلام أبنائه.
ولن نعود هنا إلى التذكير بصلة الخبر والخبير، والخبرة والاختبار.. بمصطلح المخابرات، فهذه كلها لدى التدقيق ظلال للمصطلح، وأصداء، وإيحاءات، ورموز.. إلا أن لأي سائل الحق أن يسأل ببراءة ما دام الخبار هو ما لان من الأرض واسترخى، وما دام من معانيه الجراثيم، وجحرة الجرذان. وما دام المثل يقول من تجنب الخبار أمن العثار.. ما دام ذلك كذلك، فما علاقة هذه المعاني بالمصطلح المولد؟ ولن نجيب عن هذا السؤال، بل نترك استنباط جوابه للسائل، ونترك لخبرته أن تعمل عملها، في إثارة خياله للربط بين معاني الكلمات الواردة ودورانها في فلك المصطلح المولد الطريف...!
وبالطبع نذكره هنا، بضرورة التفرقة بين معنى «الطريف» ومعنى «اللطيف»، فما كل طريف لطيف. ومن أراد اللطف فليبحث عنه بعيدًا عن هذا المصطلح ..
انتهى استطرادنا الضروري، بين مفردات الفيروز أبادي.. ونعود إلى القاموس المحيط لنسرد بعضًا آخر من مفرداته، حول «خبر» وما يدور في ميادينها، وفي مسالكها المتشعبة. ونذكر القارئ بضرورة إعمال خياله، لاكتشاف الصلة - الظاهرة والخفية.. الوثيقة العميقة، أو المستنبطة الدقيقة - بين معاني الكلمات القادمة وبين المصطلح المحدث «الطريف»، بيت القصيد...
فنقول: يقول الفيروز أبادي والخبرة الثريدة الضخمة.
والنصيب تأخذه من لحم أو سمك.
والخيبري الحية السوداء.
وخبره خبرًا وخبرة بلاه، كاختبره
وخبر الطعام دسمه.
واستخبره سأله الخبر، كتخبره.
وخبّره تخبيرًا: أخبره.
والخبور الأسد.
ولأخبرن خبرك: لأعلمن علمك.
هذا بعض من أهم ما أورده (الفيروز أبادي) في قاموسه المحيط من «خبر»، ومن أسرارها وأخبارها ...
أما «المعجم الوسيط» وهو معاصر مبتلى بمصطلحات طريفة محدثة، يتمنى معها، أن لو كان يعيش في عصر «الفيروز أبادي» أو «ابن منظور صاحب لسان العرب»، أو حتى الخليل بن أحمد الفراهيدي صاحب معجم «العين»، أول معجم وضع في العربية... يتمنى أن لو عاش في تلك الأيام الخوالي، يوم كان الشرطة والعسس كافيين وحدهما لحفظ «أمن الدولة»، ولم تكن كل كلمة من كلمات المعجم، مهددة بـ «خيبري» يزورها في منتصف الليل، لينتزعها من بين صفحات المعجم، ويسوقها إلى «الخبار» ليتلقفها «خيبري» آخر، يبعثر حروفها، وينسيها أول يوم ولدت فيه، من فم أول أعرابي نطقها.
يقول «المعجم الوسيط»:
خابره: زارعه مخابرة أي أعطاه أرضه يزرعها مقابل حصة معلومة.
و خابره: بادله الأخبار «محدثة».
والأخباري: المؤرخ «نسب إلى الأخبار».
والخبيرة: الشاة يشتريها جماعة، ويذبحونها، ويقتسمون لحمها، على قدر ما نقد كل منهم.
استطراد: «أما إذا كانت الشاة موجودة وكانت شعبًا بأكمله، مذبوحاً ومسلوخاً، فلا يحتاج «الخيبريون» إلى دفع النقد مقابل اللحم. بل يأخذ كل منهم بحسب طول أظفاره وحدة أنيابه.
والمَخبر: خلاف المنظر. يقال: طابق مخبره منظره.
والمُخبر: من يزود الصحيفة بالأخبار «محدثة». ومن يتجسس الأخبار محافظة على أمن الدولة.
قلنا: والمقصود هنا بالطبع، هو حفظ أمن الدولة من مواطنيها، أما حفظ أمن المواطن من عسف رجال الدولة ورجال أمنها، فهذا غير وارد في السياق.
وأما حفظ أمن الدولة من عدو خارجي يتربص بها، فليس من شأن الدولة ولا من شأن «مخبريها» ما دام أشرس أعدائها - أي الذي كان عدوًا لها يومًا ما - هو الذي يتولى أمنها ويبث «مخبريه» في كل زاوية من زواياها، ليحفظ أمنها من مواطنيها».
والمخبراني: الحسن المخبر.
قلنا: وهذا يبحث عنه خارج سياق المصطلح. والمخبرة في (علم الطبيعة): أداة تتركب من موصل، يجعل عادة على شكل قرص صغير، وله يد عازلة، تستخدم في اختبار الشحنات الكهربائية.. «مجمع».
قلنا: ومن لم يجرب هذه المخبرة، ولم تصل شحناتها الكهربائية إلى كل خلية في بدنه، في قبو أو زنزانة، وفي أي دولة من الدول التي تولى حفظ أمنها الأشاوس، رجال المصطلح الطريف المحدث.. فلينس مرة واحدة، وليسبح بحمد الله أكثر مما يسبح بحمد حاكمه.. ولينتظر النتيجة. والمختبر المكان الذي تجرى فيه التجارب العلمية.
قلنا: وبلادنا - بحمد الله - مختبرات، يجري فيها الأشاوس تجاربهم العلمية: جسد المواطن مختبر، وعقله مختبر وبيته مختبر وضميره مختبر والمختبر الأعظم لهذه المختبرات كلها، هو «الخبار»، أي: وكر الأشاوس وكل هذه بالطبع مختبرات لحفظ أمن الدولة.
وأطرف الطرائف في هذا السياق، أن قصور الحكام صارت مختبرات للتجارب العلمية يرصد فيها الأشاوس.. حماة أمن الدولة، كل كلمة يقولها الحاكم، أو تقال له ويصورونه بعدسات دقيقة، في أحواله كلها، دون أن يعلم شيئًا عما يجري حوله. وقد يتكهن، أو يتخيل، أن «رجال أمنه» يرصدون كلماته وحركاته بالصوت والصورة.. إلا أنه لا يستطيع الجزم بشيء.
وأجهزة الرصد المتطورة، التي تكشف أجهزة التسجيل، إنما يشتريها له رجال أمنه أنفسهم، ويستخدمونها بطرائقهم الخاصة.
وكل منهم بالطبع يوظفها لخدمة أمنه هو ولمصلحته هو، وبما يؤهله أن يكون هو المسيطر الوحيد على شؤون البلاد والعباد، وهو المحيط بكل صغيرة وكبيرة، من شؤون الحاكم ليبتزه في الوقت المناسب، وبالصورة التي يراها مناسبة، أو لينسفه من جذوره، إذا وجد نفسه محتاجًا ليحل محله، أو ليحل محله شخصًا آخر أكثر نفعًا، أو أقل ضررًا أو خطرًا. وبالطبع كل ذلك يجري باسم «أمن الدولة»، وحتى حين يكتشف السادة لعبة من لعب موظفيهم الأشاوس هؤلاء، فما أسهل ما يتم إقناعهم، بأن أجهزة التنصت والتجسس المزروعة في غرف نومهم، إنما هي لحفظ أمنهم.
فإذا رأى أحدهم مثلاً كابوساً مزعجًا في نومه، وأفاق مذعورًا .. سارعت إليه أجهزة أمنه الساهرة، لتهدئ من روعه، ولتطرد عنه الكوابيس الثقيلة، ولتعرف منه أسماء المخربين الذين رآهم في نومه - إن كان قد رأى أحدًا منهم - فتزج بهم في الزنازن، وتركب على جسد كل منهم «مخبرة» تنفضه نفضًا، بشحنات كهربائية، تزلزل كيانه وتجعله يقر ويعترف بأن خياله زار السيد الحاكم في نومه، فسبب له الكابوس المفزع... لينال جزاءه العادل أمام محكمة «أمن الدولة»، رمز «الطهر والنزاهة »
ومن الطريف - أو المستطرف - أن بعض أولئك الحكام، لفرط إعجابهم باللعبة، أدمنوها إلى حد الهوس، فصار أحدهم يستكثر إلى أقصى حد ممكن من هذه الأجهزة التي يظن أنها تحمي أمنه من مواطنيه فصارت لديه عشرة أجهزة ولدى ذاك خمسة عشر، ولدى الآخر سبعة عشر أو ثمانية عشر، أو عشرون وكل جهاز يضم المئات من الموظفين أو الآلاف.. ويتبع كل جهاز آلاف المخبرين.
وواضح من هذا الرعب الرهيب الموغل في نفوس أولئك الحكام من شعوبهم.. واضح كم تحب هذه الشعوب حكامها، وكم هي مشغولة بالدعاء لهم بطول العمر.
وواضح أيضًا، أن الأموال التي تنتزع من جيوب المواطنين لخزينة الدولة، لتصب في جيوب جلاديهم هذه الأموال المسلوبة بأبشع صورة لأشنع هدف، إنما تزيد المواطنين غنى ورفاهية - ألا يحرص الحكام على رفاهية شعوبهم - كما تزيدهم حبًّا لهم، واستعدادًا للدفاع عنهم وعن
كراسي حكمهم - ألا تهتف الجماهير في كل مناسبة بالروح بالدم نفديك يا فلان؟!…