العنوان لفت نظر الآباء والأمهات إلى أصول تربية الأطفال
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 27-سبتمبر-1977
مشاهدات 66
نشر في العدد 368
نشر في الصفحة 42
الثلاثاء 27-سبتمبر-1977
مكانة الطفل
الطفل هو أثمن ما يملك الإنسان في هذه حياة الدنيا بعد الإيمان بالله وهو قطعة منه، قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ ۖ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ * وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَىٰ وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ * وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا ۖ وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا ۖ وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ۚ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (لقمان: 13-15).
وقال الشاعر:
وإنما أولادنا بيننا
أكبادنا تمشي على الأرض
والطفل امتداد لحياة الإنسان على الأرض، وفرع من شجرته، وليس أحد يتمنى أن يكون آخر أعلى منه مرتبة إلا أن يكون ولده. والطفل وُلد على فطرة الإيمان والتوحيد إلا أن أبويه يمكن أن ينحرفا به إلى الشرك والكفر. عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه كان يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من مولود إلا ويولد على الفطرة، فأبواه يهودانه، وينصرانه، ويمجسانه...» رواه مسلم.
ولمكانة الطفل العظيمة في قلب الوالدين ولأنهما مسؤولان عنه وعن تربيته أمام الله يوم الحساب صار من الواجب على الأب والأم أن يبذلا أقصى العناية والرعاية ليكون أولادهما في مستوى رفيع من الأدب والخلق والاستقامة ولينشأوا على العقيدة الصحيحة وحب الله ورسوله وحب والديه ومواطنيه والناس أجمعين وحب الوطن وليكون عالي الهمة بعيد النظر يتعلق بمعالي الأمور ويرتفع عن الدنايا.
نسأل الله تعالى أن يهدينا جميعًا سواء السبيل، وأن يحفظ أولادنا من كل سوء، وأن يجعلهم من عباده الصالحين وجنده المخلصين، وهو مولانا ونعم النصير.
التوجيهات التربوية
1- يتفق علماء التربية أن السنوات الخمس الأولى من عمر الطفل هي أهم وأخطر مراحل حياته؛ لذلك يجب الاهتمام الزائد بالطفل من حيث تعويده على الأخلاق الفاضلة والسلوك الجيد؛ لأن من شب على شيء شاب عليه.
2- ينبغي أن ينام كل طفل فوق سن العاشرة في فراش منفصل عن الآخرين ولا ينام في فراش مشترك مع إخوته أو والديه.
قال تعالى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۚ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (النور: 59).
3- على الوالدين أن يأمرا الطفل بالصلاة لسبع سنوات من عمره، ويضرباه إن أبى إذا بلغ عشر سنوات، وعليهما بذل الجهد لترغيبه بأداء الصلاة بمختلف الوسائل والمغريات. وإذا كان الأبوان لا يصليان كانا قدوة سيئة للولد وهما يتحملان وزر انحرافه وبعده عن الدين. قال تعالى: ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا أَصَابَكَ ۖ إِنَّ ذَٰلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ (لقمان: 17).
4- على الوالدين تعويد الأطفال أن يناموا مبكرين ويستيقظوا مبكرين وعندما ينهض من الفراش صباحًا يقول الحمد لله الذي أحياني بعد ما أماتني وإليه النشور، ثم يحيي والديه وإخوته تحية الصباح فيقول: السلام عليكم ورحمته الله وبركاته. ثم يعمد إلى الوضوء والصلاة ثم الإفطار ثم ارتداء ملابسه.
5- يقول الطفل عند الأكل بسم الله الرحمن الرحيم، اللهم بارك لنا فيما رزقتنا وقنا عذاب النار، ثم يأكل مما يليه بهدوء وبلا شراهة ويمضغ الأكل جيدًا، فإذا أكمل قال: الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وجعلنا من المسلمين. ومن الضروري حسب السنة غسل اليدين والفم قبل الأكل وبعده.
6- ينبغي الإقلال كثيرًا من المزاح مع الطفل خصوصًا صرف الكلمات الفظة والقبيحة له. إن كثرة المزاح مع الطفل تؤدي به إلى الاستهانة بمن يمزح معه واستثقاله وعصيانه وكراهية الجلوس معه.
7- ينبغي تجنب الشجار بين الأب والأم أمام الطفل؛ لأن ذلك يحدث في قلبه جرحًا ويؤثر على سلوكه ويدخل إلى نفسه الهم والحزن.
8- ضرورة إخفاء المبادلات العاطفية والأسرار الزوجية عن الأطفال، وإلا فسدت أخلاق الطفل وانحرف سلوكه، وهذا أمر هام جدًّا.
9- لا بد أن يتجنب الأهل إصدار أوامر متناقضة للطفل كأن يقول له الأب افعل كذا وتقول له الأم لا تفعل، فيقع الطفل في حالة بلبلة وحيرة، هل يطيع أباه أم يطيع أمه؟
10- تعويد الطفل على الألفاظ المهذبة والصدق والأمانة والصراحة والشجاعة.
11- تعويد الطفل على الاعتماد على نفسه في تناول الطعام والشراب وارتداء الملابس وخلعها وتلميع حذائه وخدمة نفسه بنفسه.
12- تكليف الطفل ببعض الخدمات الخفيفة كإحضار بعض الحاجات للبيت، ومساعدة الأم في بعض أعمال البيت وقضاء بعض الحاجات للجيران، ومساعدة إخوته في شؤونهم، وإذا فشل في البداية فلا ينبغي تعنيفه بل لا بد من تشجيعه ليعود إلى العمل.
13- الحذر من تخويف الأطفال من الأطفال الآخرين والظلام والعفاريت وغيرها؛ لأن ذلك ينمي في نفسه رذيلة الجبن والضعف والهلع.
14- من الضروري استدعاء الأطفال من الشوارع والساحات والملاعب بعد الغروب وإدخالهم البيوت لتناول العشاء وتحضير الدروس ثم النوم مبكرين.
15- لا بد أن يفهم الأهل أن اللعب بالنسبة للأطفال هو كالغذاء ولا غنى عنه لنمو الطفل بدنيًّا وعقليًّا فلا يجوز إرهاقه بالأوامر وتكليفه بكثير من الخدمات، خصوصًا إذا كان منسجمًا مع زملائه في لعبة ما؛ لأن محاولة إخراجه من لذته وحماسه يحدث في نفسه امتعاضًا قد يجره إلى عصيان والديه.
16- ينبغي تعويد الطفل على احترام والديه ومعلميه وزملائه وجيرانه وابتدائهم بالتحية كلما التقاهم، وإذا كلفوه بعمل فلا يرفض.
17- من وعد الطفل بشيء فعليه أن يوفي، وإلا كان في نظر الطفل كذابًا وقد يسرى إليه خلق الخلف بالوعد فيفسده.
18- حذار من الإسراف في تدليل الطفل وكثرة الإشفاق عليه فلا بد من أن يرى من الأهل لينًا وشدة كما يتطلب الموقف، كما يجب الحذر من الاستجابة له في كل ما يطلب ويسأل، والنبتة إذا زيد في سقايتها وتسميدها أكثر مما يلزم أصابها السقم والضعف والذبول، وهكذا الأطفال ينبغي أن يفهموا الحياة أنها نعومة وخشونة، ليونة وقسوة، ربيع وشتاء. إن الطفل المدلل لا يستطيع في المستقبل أن يتحمل أعباء الحياة وشدتها وتخور قواه سريعًا.
19- أفضل التربية والتوجيه ما كان بأسلوب غير مباشر، كأن تروي أمام الطفل قصة عن رجل شجاع خدم أمته ووطنه، أو مخترع توصل إلى صنع آلة نفعت الناس، أو فتى صدق في موقف حرج فأنقذه صدقه من كارثة، أو مؤتمن على شيء فأدى الأمانة لصاحبها كما هي، أو رجل مر بجماعة جياع فأطعمهم، أو صاحب سيارة رأى أطفالًا يمشون على أرجلهم في البر فأركبهم وأوصلهم إلى بيوتهم وما شابه، ثم تعليق خفيف من المربي بضرورة أن يكون الطفل مثل هؤلاء ويعمل عملهم.
20- إذا تشاجر الطفل مع آخر كبيرًا كان أم صغيرًا فلا يجوز أن تصرف له الأم كالعادة ألفاظ الشفقة عليه والرحمة له وأنه مظلوم وأن خصمه آذاه ثم تلجأ إلى احتضانه. ذلك خطأ لأنه يفقده التجلد والصبر ويدفعه إلى الانخراط في البكاء والشعور بالاستكانة والضعف.
21- ينبغي تعويد الطفل الصغير على التمييز بين الألوان وعلى معرفة أوصاف غرفة الصف وغرف بيته وبناء مدرسته وأسماء معلميه وأسماء زملائه الأطفال وأسماء بعض الحيوانات الأليفة والمفترسة والأشجار المثمرة والخضروات.
22- يستحسن تعويد الطفل ذكرًا كان أم أنثى على مشاركة والديه في بعض أعمال البيت مثل ترتيب الفراش وتنضيد باقات الزهور ومسح المناضد والكراسي وإلقاء النفايات في السلال وتحضير وترتيب مائدة الطعام والعناية بأشجار الحديقة والقيام ببعض أعمال المطبخ.
23- ضرورة تعويد الطفل على الادخار من مصروفه اليومي، ووضعها في حصالة.
24- تعويد الطفل على القراءة بصوت عال لتدريب حنجرته.
25- في حالة المذاكرة والكتابة من المهم أن يجلس الطفل جلسة صحيحة وفي حالة مستريحة وظهره مستقيم وبينه وبين الكتاب ثلاثون سنتمترًا على الأقل ويكون الضوء كافيًا ومنيرًا لصفحات الكتاب والدفتر، إذ كثيرًا ما يقرأ الأطفال حتى الكبار منهم ويكتبون وظلالهم تغطي صفحات الكتاب والدفتر فكأنهم يقرأون في الظلام وذلك خطر شديد على العيون يرهقها ويضعف قوة أبصارها.
26- من الضروري والمهم جدًّا أن يوفر الأهل للأطفال جوًا مريحًا وهادئًا للدراسة وخاليًا من الضوضاء وارتفاع الأصوات. يجب الامتناع عن كثرة الدخول والخروج عليهم والتحدث معهم أثناء الدراسة.
27- في حالات مرض الطفل وانحراف صحته يجب المسارعة إلى مراجعة الطبيب. إن التهاون في هذا الشأن قد يجر إلى عواقب وخيمة.
28- الطفل هو الجذر الذي ينمو عليه فتى المستقبل ولا تدرين أنت أيتها الأم من سيكون هذا الطفل الذي أمامك أيكون مثل صلاح الدين؟ أم مهندسًا مشهورًا؟ أم طبيبًا حاذقًا؟ أم مخترعًا كبيرًا؟ أم عالمًا جليلًا؟ أم أديبًا عظيمًا؟ أم قائدًا شهيرًا؟ أو طيارًا بارعًا؟ ربما يكون أحد هؤلاء وربما يكون مجرمًا خطيرًا أو جبانًا حقيرًا أو غنيًّا بخيلًا أو فقيرًا متكبرًا أو جاهلًا مغرورًا ربما ينفع أهله وأمته وربما يعيش ويموت ولا ينتفع به أحد.
ومن ومن هنا وجب العناية به وتوجيهه وجهة العمل الصالح وحب الخير للناس أجمعين، وتعويده الخصال الحميدة والمزايا الرشيدة وتغذية ميوله الفاضلة وتعويده على التفكير بمعالي الأمور وحب الإسلام والوطن وحب الآخرين وخدمتهم.
29- أما الأفلام والمناظر التي تعرض على شاشة التلفزيون فبعضها صالح ليشاهده الطفل وأكثرها مفسد للأطفال وضار بالأمة. ونتمنى أن تضع الحکومة سياسة إعلامية علمية قويمة مبنية على أسس أخلاقية توجه الأطفال وجهة الخير والنماء والقوة. إن الطفل مقلد كبير وسريع التفاعل بما يشاهده، إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر. وعلى الأهل أن يحُولوا بين أطفالهم ومشاهدة الأافلام المنحرفة.
30- إن الطفل يتذكر المشاهد والحوادث التي شاهدها أو حدثت له وهو في سن الرابعة أو أقل من ذلك ويبقى بعضها ملازمًا له ومؤثرًا على سلوكه تأثيرًا يتراوح بين القوة والضعف طيلة أيام عمره. ومن هنا وجب العناية بالطفل عند بعض المشاهد والحوادث المفاجئة المؤلمة وشرحها وتبسيطها وتخفيف أثرها عليه.
31- الولد الأول ذكرًا كان أم أنثى هو قدوة لإخوته الذين يولدون من بعده في كل شيء؛ لأن الصغير دائمًا يقلد الكبير حتى في التعامل الدولي والحضاري. الولد الأول قدوة لإخوته فيما يحب ويكره من الطعام والملابس وأنواع اللعب وطاعة الوالدين وساعة النوم واليقظة والشجاعة والجبن وطريقة الحديث وفي كل الأمور. لذلك وجب العناية بالطفل الأول عناية زائدة وتربيته تربية حسنة جدًّا ليكون أسوة حسنة لمن بعده، وبذلك يستريح الوالدان ويضمنان بإذن الله ذرية طيبة باختصار الولد الأول مرب لمن بعده.
32- إن الطفل الذي لا يُوجَّه من قبل والديه منذ البداية ويُترك لشأنه وتجاربه الخاصة يتأخر نضجه الفكري كثيرًا، وقد يبلغ الخامسة عشرة من عمره وهو في عقلية وتجارب ابن العاشرة. لذلك يجب على الأهل الإجابة على أسئلة الأولاد وعدم التبرم بهم عند كثرة الأسئلة والاستفسارات وشرح ما يسألون عنه بلغة بسيطة وإعطائه معلومات صحيحة عما يسأل بأسلوب يفهمه الطفل. الطفل كثير السؤال والاستفسار وقد يحرج والديه ببعض الأسئلة وعليهما استعمال الحكمة في الإجابة ولا يجوز صدمه وتعنيفه عندما يستفسر؛ لأن ذلك يؤذيه ويجعله ينكمش على نفسه.
33- ينبغي على الأهل الحذر من التمييز في المعاملة بين أطفالهم وخصوصًا بين ذكر وأنثى؛ لأن ذلك يثير فيهم الغيرة والحقد والعداوة. ولتكن لنا في قصة يوسف وإخوته التي وردت في القرآن المجيد عبرة ومثل. وقد يحدث أن الوالدين أو أحدهما يحب أحد أولاده أو يعطف عليه أكثر من الآخرين، وهذا شيء طبيعي، ولكن إظهار ذلك أمام الأطفال أو إيثار المحبوب بالهدايا أكثر من إخوته فذلك خطأ قد تكون له نتائج سيئة في المستقبل.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل