العنوان لكي يكون التعاون طريقًا لوحدة صحيحة
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 03-فبراير-1981
مشاهدات 72
نشر في العدد 515
نشر في الصفحة 4
الثلاثاء 03-فبراير-1981
الوحدة أمل مستقر في قلوب جميع المسلمين، وسيظلون ينشدون الوحدة إلى أن يمن الله عليهم بها.. كانوا أمة واحدة عندما كان القرآن يحكم فيهم.. ولكن عندما ركنوا إلى الدنيا سلط الله عليهم الاستعمار، فقسموا العالم الإسلامي بلدانا وممالك وإمارات... وفيما بعد الاستقلال تكرست الفرقة بفعل الحكام، وبفعل الغزو الفكري والثقافي.. ولكن هاجس الوحدة ظل لحنًا محببًا للنفوس وهدفًا ساميًا يستحق التضحيات، فقامت محاولات لتوحيد المسلمين بعضها كان جادًّا، ومعظمها كان نفاقًا واستغلالًا لمشاعر الناس.. بعضها كان جزئيًّا، وبعضها كان على مستوى المناطق.. ولكثرة الوحدات العربية التي أعلنت ودقت لها الطبول وباءت بالفشل.. ولكثرة ما ردد الأدعياء الوحدة؛ أصبحت شعارًا يثير السخرية!
وأهل الخليج شهدوا محاولات كثيرة للوحدة لم يعش منها إلا اتحاد الإمارات العربية المتحدة الذي حتى اللحظة لا زال يعاني من روح الأنانية ونزوة الانفصال!
منذ عشر سنوات ومحاولات الوحدة أو العمل المشترك أو التنسيق والتعاون لم تتوقف في منطقة الخليج.. وقد تكثفت بالفعل خلال العام الأخير. فبعد لقاءات على مستوى القمة في عمان وفي الطائف، ولقاءات على مستوى وزراء الداخلية والخارجية جاء الاجتماع الأخير لوزراء خارجية دول الخليج العربية في الرياض؛ ليتوصل إلى مشروع للتنسيق وتأسيس «مجلس للتعاون» بين هذه الدول.
والمؤتمر إذ اكتفى بتأسيس «مجلس التعاون»، ولم يشر إلى «الوحدة» كان متواضعًا ومحقًّا.. كان متواضعًا؛ لأنه يدرك أن الواقع أبان الاستعمار وفيما بعد الاستقلال قد كرس التفرق، وأوجد أوضاعًا متباينةً في لون الإدارة السياسية والشريحة الاقتصادية والثقافية، كما كرس الروح العصبية والانفصالية؛ مما يجعل التوصل إلى الوحدة الشاملة أمرًا صعبًا وغير ممكن خلال فترة زمنية قصيرة؛ فضلًا عن مؤتمر أو مؤتمرين:
ولكن هذه الخطوة على طريق التعاون، وإن كانت متواضعةً، إلا أنها خطوة أساسية وضرورية؛ وخاصة في هذا الزمن الذي لا احترام فيه إلا للقوي، ولا قوة إلا بالوحدة أو التعاون والتنسيق.
في زمن التكتلات السياسية والعسكرية والاقتصادية لا ينفع إلا التكتل، فالعالم اليوم ينقسم إلى معسكرين أساسيين: أمريكا، وروسيا. ثم ينقسم إلى تجمعات وتكتلات... السوق الأوروبية المشتركة، والكوميكون، والبرلمان الأوروبي الموحد، ولجنة الطاقة الدولية، ومنظمة التعاون والتنمية..
التعاون ضرورة عصرية ومبدأ إسلامي أصيل.. ودول الخليج باعتبارها بلدانًا إسلامية تمثل كما جاء في بيان الرياض منطقة تكتمل فيها عناصر الوحدة والتكامل.
ولكي يصبح «مجلس التعاون لدول الخليج العربية» فاعلًا ولو ببطء على طريق تأصيل وتنمية التعاون؛ ليصل إلى مرحلة الوحدة الصحيحة لا بد من الاتفاق على أمور أساسية وضرورية. لقد أوضح البيان كما أوضح الشيخ صباح الأحمد أن التعاون بين دول الخليج مكمل للتعاون والتنسيق بين الدول العربية، ولا يتعارض مع ميثاق الجامعة العربية. وهذا الأمر ينبغي التأكيد عليه ليس في الفكر والقول؛ بل يحتاج إلى تأكيد في السياسات..
ففي عالم الأحلاف والتكتلات العسكرية الدولية الطامعة في نفط الخليج وموقعه الاستراتيجي؛ يجب أن يكون واضحًا أن دول الخليج بمفردها لا تستطيع أن ترد كيد الأعداء من شرق أو غرب.. إن المنطقة تعاني من قلة الكثافة السكانية، وهذا أمر يترتب عليه أشياء كثيرة وخطيرة.. إن عملية التنمية الاقتصادية الشاملة وعملية الدفاع عن البلاد تحتاج إلى أعداد بشرية هائلة مثقفة ومدربة.. لها خبرات وقدرات علمية وتكنولوجية.. ومن هنا فإن التعاون المقترح بين دول الخليج العربية يجب أن يأخذ في الحسبان قوة العرب وقوة المسلمين.. ويجب أن يفسح المجال لهجرة العرب والمسلمين، طالما احتاجت المنطقة إلى الطاقة البشرية.. أما فتح الباب لمن هم على غير ديننا؛ فسيخلق ثغرات اجتماعية واقتصادية وربما سياسية.
ومن هذا المنطلق أيضًا يجب أن تتوصل صيغة التعاون أول ما تتوصل إلى تبني سياسة استثمارية واحدة.. تستثمر أموال النفط في بلاد المسلمين، وليس في بلاد غير المسلمين.. في البلاد العربية التي تعاني من التخلف، وليس في البلاد الغربية التي تعاني من التضخم.. في تنمية القدرات والكفاءات البشرية العربية والإسلامية، وليس في زيادة الأغنياء غناء.. في بناء الاقتصاد الإسلامي، وليس في بناء الاقتصاد الرأسمالي.. حتى يصبح التعاون الخليجي مثمرًا، مطلوب كذلك ألا يقتصر على المستوى الرسمي.. لقد كان من أهم عيوب المحاولات السابقة أنها كانت تأتي من أعلى من قمة السلطة السياسية.. لكن الشعب لم يكن يشارك، ولم يكن له خيار.. ولذلك يجب ألا تقتصر المحاولة الجديدة على التعاون الرسمي؛ بل يجب أن تمتد إلى المستوى الشعبي..
ولعل أكثر ما يمس الشعب، ويعمق روح الوحدة والتعاون فيه هو توحيد المناهج الدراسية على المستوى المدرسي والجامعي.. وهنا علينا ألا ننسى أننا مسلمون.. فلا بد أن تستقي المناهج أصولها من الإسلام... وعلينا ألا ننسى أننا نعاني من التخلف التكنولوجي، ولا بد من التعاون في سد هذه الثغرة على مستوى المنطقة، وليس على مستوى كل قطر.
صحيح أن بعض المسؤولين قد نفوا أن تكون هنالك دوافع سياسية وراء التوصل إلى اتفاق بشأن التعاون الخليجي في هذا الوقت بالذات.. وصحيح أن البيان أكد على أن التعاون ينطلق من مصلحة دول الخليج ومصلحة شعوبها، ولكن علمتنا التجارب أن معظم محاولات الوحدة أو أي شكل من أشكال التعاون في العالم العربي، كانت وراءها دائمًا أسباب سياسية، وحتى لا تترسخ هذه لدى الشعوب، على الحكام أن يبرهنوا على أن هذا التعاون هو لخيرهم، وليس الحماية أنظمة الحكم.. على الحكام أن يتخذوا التعاون استراتيجية، وليس هدفًا مرحليًّا..
إن الظروف السياسية الدولية في المنطقة تعجل بالتعاون أي تعاون.. فالوجود البحري الأجنبي يحيط بالخليج، والروس أصبحوا يقتربون أكثر فأكثر من الخليج.. والحرب العراقية الإيرانية لا تزال مشتعلة وقد تطول.. والقوى الدولية تكاد تتخطف الخليج.. لكن التعاون بالرغم من ضغط هذه الظروف يجب ألا يكون أسيرًا لها ومرتبطًا بها...
وفي هذا الصدد يجب ألا يقتصر التعاون والتنسيق بين دول المنطقة على الناحية العسكرية والأمنية؛ بل يجب أن يتناول بعمق وجدية الاقتصاد والاجتماع والثقافة والفكر، وما لم يصار إلى ذلك؛ فسيظل المناخ صالحًا لكل التنبؤات والتوقعات.
لقد أشيع في الصحافة الغربية عمومًا وفي الصحافة الإنجليزية خصوصًا أن الواقع السياسي قد ألقى بظلاله على المؤتمرين في الرياض، وأنهم بحثوا في صيغة تحالف دفاعي في ضوء الحرب العراقية -الإيرانية- بل لقد قيل: إن بريطانيا ممثلة في وزير خارجيتها اللورد كارينجتون قد كان لها دور في دفع دول الخليج في التوصل إلى اتفاق دفاعي.. وقيل: إن هذا الحلف يهدف إلى حماية الخليج من الأطماع الأمريكية والروسية، ولكنه مع ذلك يؤمن مصالح أوروبا النفطية باعتبارها تستورد أكثر من 70 % من حاجتها من نفط المنطقة.
إن حماية الخليج من الأطماع الدولية مطلب أساسي، ويقع على عاتق أبنائه كما صرح أكثر من مسؤول خليجي.. لكن أن نتخلص من معسكر لندخل من حيث لا ندري في معسكر آخر؛ فذلك أمر خطير ينبغي الانتباه له.. أن القوة المطلوب منا بناءها هي القوة الإسلامية المستقلة كما أسلفنا. وما لم نسير في هذا الطريق فسنظل خشبة هامدة تتقاذفها الأمواج العاتية.
• ونحن نخطو خطوات التعاون والتنسيق في منطقة الخليج يجب أن نكون صرحاء، الحكام يصارحون الشعوب، والشعوب تصارح الحكام... وانطلاقًا من هذا المبدأ نقول: إن الشعوب تتحسب أن ينعكس التعاون عليها بالسلب، فلا ترى منه إلا التعاون بين أجهزة الأمن؛ لتعقب الآراء المعارضة ومحاصرتها..
الشعوب تتخوف من واقع التجربة في الوطن العربي.
إن التعاون الرسمي غالبًا يقتصر على الحفاظ على الأنظمة وسلب الناس بعض حرياتهم العامة.. ومن هنا لا بد لأية صيغة للتعاون الخليجي أن تقر ابتداءً، وأن تعمل لاحقًا على الحفاظ على الحريات العامة، وفي مقدمتها حرية الفكر والرأي.
وشعوب المنطقة مسلمة تعتز بالإسلام ولا ترضى عنه بديلًا، وهي تشهد اليوم حركة انبعاث إسلامي مباركة ينبغي تغذيتها ومدها بجميع عناصر القوة انتشارًا؛ وخاصة وسائل الإعلام.
• أن أي عمل -فضلًا عن أن يكون تعاونًا وتنسيقًا- لا بد له من عوامل حتى ينجح... ولا بد من الإخلاص أولًا، ثم لا بد من إتقان العمل ثانيًا. لقد كان عدم الإخلاص وعدم الإتقان- من أهم أسباب فشل الوحدات العربية والخليجية، وإذا كنا نأمل أن طبيعة الظروف الصعبة التي تمر بها المنطقة تحتم على مسؤوليها أن يكونوا مخلصين في التوجه نحو التعاون، فإن الإتقان المبني على العلم والتخطيط يظل الدعامة الأساسية للنجاح. ولا بد أن يدرك المسؤولون في دول الخليج أن الميزان الحق لصواب العمل هو الإسلام، ومن هنا فإننا نطالبهم باسم شعوبهم أن يعلنوا التوبة من الحكم بكل ما يخالف ما أنزل الله، وأن يجعلوا الإسلام والشريعة الإسلامية المعيار الأساسي لكل خطوة يخطونها على طريق التعاون والوحدة.. مطلوب من الحكام بصراحة أن يوحدوا مناهج التربية والتعليم والإعلام وفق أصول الدين والحكمة قبل أي عمل آخر... أن التدرج مطلوب وهو عنصر أساس في نجاح أي هدف أو استراتيجية طالما خلصت النيات وسدد العمل، وليكن منهاجنا على أية حال قوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلبِرِّ وَٱلتَّقوَىٰ وَلَا تَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلإِثمِ وَٱلعُدوَٰنِ﴾ (سورة المائدة: ٢).