العنوان لماذا الجمود في خدمات الأجهزة الحكومية في الكويت ؟
الكاتب عبد اللطيف الصالح
تاريخ النشر الثلاثاء 11-مارس-1980
مشاهدات 74
نشر في العدد 473
نشر في الصفحة 12
الثلاثاء 11-مارس-1980
دخلت إلى إدارة المرور في الشويخ لأجد حاجزًا خشبيًّا جميلًا في المدخل وقف في وسطه رجل وقد ارتسمت الابتسامة على وجهه مذ رآني مقبلًا من الباب «هو لا يعرفني» ولكنني عرفت أن حاجتي عنده لأن لوحة كتبت على الحائط فوق رأسه «الاستقبال»... فما اقتربت حتى زادت الابتسامة فكان من واجبي أن أقابلها بأخرى ليبادرني: أي خدمة من فضلك؟
- أشكرك، ولكنني جئت لأستخرج رخصة لقيادة السيارة.
- وهل أخذت موعدًا مسبقًا؟
- نعم بواسطة التليفون.
- إذن تفضل من هذا الباب.
- شكرًا.
وما إن دخلت من الباب حتى ظننت أنه لا مراجع لهذه الإدارة سواي من شدة الترحيب الذي لاقيته لأن الموظف قال لي: اسمك من فضلك؟
- عبد اللطيف الصالح.
- «وبعد أن بحث في السجل» تفضل على هذا المقعد وخذ نسخة من أسئلة الاختبار لتبدأ في الإجابة.
- ولكنني لا أملك من الوقت ما يكفي للإجابة على هذه الأسئلة كتابيًّا إذ إنني مشغول في هذه الأيام.
- لا تعبأ... هل تفضل أن نجري لك امتحانًا شفويًّا بدلًا من هذا؟
- نعم من فضلك.
- من الممكن أن تقابل الزميل الذي بجوار ذاك المكتب.
ويرحب ذلك الرجل فيّ ليسألني حول قانون السير المتبع وبعض الأسئلة التي تتعلق بالمواقف المحرجة على الطريق ووقت الحوادث «لا سمح الله» وبعد فترة زمنية ليست بالطويلة قال لي: إن معلوماتك حول ما نريد كافية لمنحك ترخيص للقيادة فلو سمحت خذ هذه الورقة واذهب إلى الغرفة المقابلة.
دخلت ليجلسني رجل على كرسي وخلفي ستارة ليأخذ لي صورة فوتوغرافية ويطلب مني الانتظار لمدة دقيقة واحدة- عفوًا نصف دقيقة-... ثم يقول لي: أرجو منك المحافظة على هذه البطاقة «ويسلمني بطاقة بلاستيكية جميلة عليها صورتي وقد كتب عليها اسمي...» وها أنا أتفاجأ لأنني قرأت في أعلى البطاقة كلمة «رخصة قيادة» فسألته: ومتى أراجع لكي أستلم الرخصة فابتسم بهدوء قائلًا: أسأل الله لك التوفيق خلال قيادتك وأن التي بيدك هي رخصتك...!!
عزيزي القارئ... متى تكون هذه القصة حقيقية في واقع الإدارة الكويتية؟ وهل سنراها واقعًا ملموسًا عندما «تحج البقر على قرونها؟» أم أن هذه القصة خيالية؟ ومن الأفضل ألا نشوق أنفسنا إلى مثل هذا المستوى؟ أم أنها ممكنة الحدوث إذا تحققت أمور معينة؟
إنني حقًّا من المتفائلين لأن رسولنا الكريم- صلى الله عليه وسلم- أوصانا بأن نتفاءل بالخير كي نجده... فلنكن من المتفائلين، ولكن السؤال لا يزال: وهل يكفي التفاؤل وحده؟ كلا بالطبع إذ إن مشكلة خدمات إدارة المرور هي مشكلة قديمة قدم الصحافة الكويتية إن لم تكن أقدم، فمنذ طالعت عيوني صحيفة وأنا أقرأ مثل هذه العناوين «إلى متى مشاكل المرور؟»، «متى تنظم إدارة المرور؟»، «من المسئول عن الروتين المتعب في أجهزة المرور؟» «أين جهود هذا العدد من المنظمين في إدارة المرور؟» «الجامعة تقدم استشاراتها لتنظيم جهاز المرور».. لا شك أن هناك مشكلة رئيسية هي المتسبب في كل ما يحدث.
وأذكر في عام 1976 عندما زارنا مدير عام المرور حيث طلب مقابلة مع الطلبة المتوقع تخرجهم من كلية التجارة وكنت واحدًا منهم... حيث قال لنا: لقد جئت بنفسي هنا لأحاول إقناع بعضكم بالعمل عندنا إذ إننا بصدد فصل جهاز الشرطة وتخصيصهم لخدمات الطريق وتكوين جهاز مدني من الشباب الخريج... وأذكر أنني قلت له: إنني مشتاق للعمل في إدارة المرور ولكنني خائف لأنني أعتقد يقينًا أن هناك ورم كبير مغروس في هذه الإدارة ولن تتحسن أوضاع العمل إلا بعد استئصاله... فقال: لا لا وسترى خلال الفترة المقبلة... ومضت سنوات أربع... والكل لا يزال في تضجر بل أن استخراج «فيزة» للقمر قد غدا أسهل من استخراج رخصة لقيادة مركبة فضائية... عفوًا... سيارة وإن كنت صاحب حظ ولك معرفة بأحد المدراء... عفوًا... أحد العاملين فإن موعد اختبار القيادة سيصبح بعد دقائق حسب وقت فراغك، ودفتر لسيارتك الجديدة سيأتيك في منزلك «بدون دور».. بل لا تتعب نفسك في اختيار أرقام سيارتك إذ إن هناك أرقام محجوزة لك، وإذ خولفت في الطريق فما عليك إلا أن ترفع السماعة «فقط» «يا لها من خدمة عصرية!» لتكلم صاحبك الذي في الإدارة ليقول لك: أبشر ولا يهمك، إحنا بالخدمة!! «لا أعرف أي خدمة يقصد؟ أهي الخدمة المدنية التي تنطلق من أن الموظف الحكومي يؤدي خدمة عامة؟ أم أنها خدمة خاصة حتى يقوم وزير الدولة باستصدار قانون الخدمة المدنية الخاصة لها؟»
عزيزي القارئ
إن مشكلة الإدارة في بلدي لا تنحصر في إدارة المرور ولا في وزارة المواصلات فما هذه إلا أمثلة سنصل بك في نهايتها إلى ذلك «البعبع» أو «الورم المغروس» الذي أشرنا إليه وإن تطويرًا إداريًّا لأجهزة الدولة أو تحديثًا وظيفيًّا لها لا يمكن أن يتم باستصدار القوانين ولدينا باحثون قد أعدوا دراسات وجدنا نسخًا منها في مكتبة الكونغرس الأمريكي من دقة تشخيصها وتحليلها... وعندنا كذلك ديوان كامل اسمه «ديوان الموظفين» ومعهد مستقل للتخطيط وجامعة ومعاهد عليا بها أقسام للإدارة ولكن المشكلة أكبر... وأكبر فما هكذا تحل المشاكل يا أبناء بلدي إنما تحل بصنع صخين قادر على استئصال ذلك الورم.
كن عزيزي القارئ على اتصال بهذه الصفحة لكي أوافيك بكيفية صنع الصخين في أعداد مقبلة... ولتحل مشكلة الإدارة في الكويت... فقد أتعبتنا حقًّا!
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل