العنوان لماذا تُحارب الحركة الإسلامية؟
الكاتب محمد إدريس أحمد
تاريخ النشر الثلاثاء 13-يوليو-1982
مشاهدات 62
نشر في العدد 579
نشر في الصفحة 26
الثلاثاء 13-يوليو-1982
قال له صاحبه وهو يحاوره:
يا أخي، أنا لم أعد أفهم أمر هذه الحركات التي تكون نفسها باسم الإسلام وتظهر هنا وهناك في طول البلاد الإسلامية وعرضها، وجل أفرادها وأتباعها من الشباب.. أنها تدخل في صراع مع الحكومات وتجعل نفسها هدفًا للضربات والطعنات، وتعرض نفسها لسخط الأنظمة ومقتها وبطشها وملاحقتها، كما أنها تسلط على نفسها الوسائل الإعلامية التي ما فتئت تنعتها بشيء من الصفات السيئة المنفرة، وهي في غنى عن هذا كله لو أنها التزمت بالحكمة والموعظة الحسنة في دعوتها، وتجنبت الخوض في السياسة وشئون الحكم ومواجهة الأنظمة بالنقد والاستنكار، بل على العكس أنها ستجد العون والتشجيع إذا لم تتعدد حدود الموعظة الحسنة وإصلاح النفوس وتعليم الناس أمور الدين، فماذا يضير هذه الحركات لو تجنبت الاصطدام بالأوضاع القائمة والأنظمة الحاكمة، ودعت إلى الله وهي آمنة مطمئنة من جانبهما؟
فأجابه وقد بدا على وجهه الاهتمام:
أقدر فيك يا أخي غيرتك وحبك لدينك وحرصك على مصلحة أمتك، ولكنك نسيت قاعدة أساسية وسنة كونية كانت كفيلة بأن تفتح لك هذه الأقفال وتحل لك هذه الطلاسم لو ذكرتها، وهذه السنة هي أن هناك دائمًا معركة ضارية بين الحق والباطل، وهي حرب لا تهدأ ولا تضع أوزارها لحظة، وما من نبي ولا رسول ولا مصلح ولا عالم عامل ولا مؤمن صادق إلا وقد اصطدم مع أوضاع عصره الفاسدة، ولاقى في سبيل الدعوة العنت والمشقة، وتعرض لحملات التشهير والتشنيع الممزوجة بالمقت والسخط والكراهية من قبل الأنظمة والحكومات القائمة، واتهم بالجنون أو بالسحر أو بالكهانة أو بتنظيم الشعر أو بالكذب أو بقلب نظام الحكم أو بالتآمر على قتل الزعيم، وتكاتفت من أجل تشويه صورته الأقلام والأصوات، ولن تجد في تاريخ الدعوة إلى الله صاحب دعوة إسلامية حقة اصطلح مع الأوضاع التي جاء أو قام من أجل تغييرها، أو حظي بالقبول والترحاب من قبل أولئك المستفيدين من تلك الأوضاع، ولو قرأت القرآن بتدبر وتأمل لوجدت هذه الحقيقة واضحة جلية، ساطعة تذهب الأبصار، قالوا لنوح: ﴿إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ﴾ (الأعراف: 60) وقالوا لهود: ﴿إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ (الأعراف: 66) وقالوا لصالح: ﴿قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ﴾ (الشعراء: 153)، وقالوا للوط: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ﴾ (الشعراء: 167) وقالوا لشعيب: ﴿وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ﴾ (هود: 91) وقال فرعون لموسى: ﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾ (الشعراء: 27). أما نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فقد كان له النصيب الأوفر من الأذى في سبيل الدعوة، ومن هنا نجد أن محاربة الحركة الإسلامية التي تدعو إلى العودة الصادقة إلى الإسلام وتطبيق تعاليمه في جميع نواحي الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية ليس أمرًا يدعو إلى العجب والاستغراب، فالحركة الإسلامية تريد أن تأخذ الأنظمة الإسلام كله ولا تجزؤه، تريد منها أن تكون سياستها سياسة إسلامية متميزة، تريد منه أن تكون عزيزة لا تخضع لأحد ولا تطأطئ الرأس لصليبي أو شيوعي ولو أعوزتها القوة المادية، تريد منها أن تكون مرفوعة الرأس مرهوبة الجانب بين الشعوب والأمم، تحتل مكانتها القيادية ليكون لها الرأي المسموع والكلمة النافذة، وتكره لها أن تتسول الحلول هنا وهناك، وتتباكي في ذلة وخنوع أمام البيت الأبيض وعتبات الأمم المتحدة ومجلس الأمن.
تريد الحركة الإسلامية -يا أخي- أن يسود البلاد الإسلامية الأمن والاستقرار، وأن تنتشر الحرية والمساواة، والعزة والكرامة، تريد أن يكون الحاكم المسلم ملتزمًا بالقرآن والسنة، مقتفيًا آثار النبي والصحابة، حريصًا على عزة المؤمن وكرامة العقيدة، غيورًا على أعراض المسلمين وبلاد الأمة الإسلامية، تريد منه أن يقول: أطيعوني ما أطعت الله ورسوله فيكم، فإن عصيتهما فلا طاعة لي عليكم، تريد منه أن يقول: رحم الله امرأ أهدى إلي عيوبي، تريد منه أن يقول لعماله ووزرائه: متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا؟! تريد منه أن يقول لهم: إني لم أرسلكم لتجمعوا الأموال وتضربوا المسلمين، ولكن بعثتكم لتقيموا فيهم الصلاة، وتحكموهم بكتاب الله وسنة رسوله.
تريد هذه الحركة من الأنظمة -يا أخي أن تلتزم بالإسلام، وأن تعمل لما يرضي الله ورسوله، وأن يوسد الأمر إلى أهله، وأن يختفي الظلم والاضطهاد، والاستعباد والاستبداد، والقهر والاستدلال، والتفسخ والانحلال، فهل تجد في ذلك كله شيئًا أو أمرًا يخالف الإسلام؟ وبالضد فالذين يحاربون الحركة الإسلامية لا يريدون ذلك كله، يريدون أن تكون لهم الكلمة، ومن لم يخضع له فالسجن مأواه والزنزانة مضجعه، ويريدون أن يحرسوا مناصبهم وكراسيهم من الانهيار، ولو كان في ذلك تدمير الأمة، وامتهان الكرامة، وسحق العزة، وتضييع الأرض والديار المقدسة، ويريدون أن يقودوا الأمة على حسب أهوائهم ومصالحهم ومع ما يتفق مع نزواتهم ونزعاتهم، فهل علمت الآن لماذا تحارب الحركة الإسلامية؟ لأنها تريد أن تكون هذه الأمة عزيزة كريمة، ومحاربوها يريدون أن تكون هذه الأمة ذليلة مهينة تخضع لأهوائهم وشهواتهم.
قال له صاحبه:
ولكن الذي يحيرني -يا أخي- أن هناك كثيرًا من العلماء والدعاة يعملون ويدعون إلى الإسلام، ولكن لا أحد يتعرض لهم، أو يتهمهم بالتطرف والتعصب، بل إنهم ليجدون التكريم والتقريب، فلماذا تحارب هذه الحركة وحدها؟
فأجابه:
الإيمان درجات يا أخي، فمن كان أقوى إيمانًا كان أجرأ وأقدم على الحق من غيره، والمؤمنون في مراتب، فمنهم من يجاهد بقلبه، وينكر ما يجري حوله من انحراف وفساد في نفسه، ومنهم ينضوي على صمته وسكوته، ولا يتجاوز حدود وظيفته وإحراز لقمته، والاعتناء بأهله وأولاده، وهذا من أصحاب حبة الخردل من الإيمان، فأنى يغير منكرًا، أو يصلح أمرًا، أو يوجد وعيًا، أو يوقظ أمة وهو نفسه لم يستيقظ بعد، وفاقد الشيء لا يعطي. ومن هنا فلا أحد يتعرض له؛ لأنه لا يشكل خطرًا على الظلم والطغيان.
ومنهم من يتجاوز هذا الحاجز بشيء من الشجاعة، ويكتب ويخطب، ويجاهد بقدر ولكنه يتجنب التفاعل مع أوضاع مجتمعه، وتحسس ألام أمته، فإذا تكلم عن الإسلام أحسست أنه يتكلم عن قرن غير قرنتا وعصر غير عصرنا ووضع غير وضعنا، ويتجنب استنكار الظلم والانحراف الذي يملؤ حولنا، وإذا أراد أن يدعو إلى الإسلام أخذ الجوانب السهلة التي لا تثير غضب أنظمتنا ولا تتعارض مع أهواء حكامنا، وإذا تكلم عن الجهاد فهو من السابقين السابقين إذا كان كلامًا وأماني، وعرضًا قريبًا وسفرًا قاصدًا، وإذا اشتد أوار الحرب وحمي الوطيس وأصبح ثمن كلمة الحق إطارة الرءوس وإزهاق الأرواح والتعرض للسجن والاعتقال، فلا عليه إلا أن يسكت ويقول: الدين له رب يحميه، وطبعًا لا أحد يتعرض لمثل هذا أيضًا؛ لأن المستفيدين آمنون من جانبه، ولا يخشون من أن يغير شيئًا من واقعهم، ومن المؤمنين صنف نادر، جم الفواضل قليل الكلام، كثير العمل، باع نفسه لله، فلم يعد لذاته فيها شيء، لا يرضى بأن يقتسم لقمة مع الظالمين لأن ربه يقول له: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾ (هود: 113). ولا يرهب الموت لأنه شديد الطمع في الشهادة، وهي أسمى أمنيه، وربه يقول له: ﴿وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ﴾ (آل عمران: 140) لا يحني هامته، ولا يطأطئ رأسه في ذلة وخنوع أمام الظلمين والمفسدين في الأرض؛ لأن حبيبه محمد صلى الله عليه وسلم يعلمه ويقول: «من أعطى الذلة عن نفسه غير مكره فليس مني»، ولا يدفن رأسه في التراب كالنعامة أمام الظلم والطغيان، ولكن يصدع بالحق ويصرخ في وجه الظالم ويعريه من أقنعته، وينتصر للمظلوم المضطهد؛ لأن رسول الله «ص» يعلمه ويقول: «الساكت على الظلم شيطان أخرس». وهو جندي للإسلام دائمًا على أهبة الاستعداد، يغار لدينه، ويعتز بقرآنه وسنة نبيه، ولا يرضى عنهما بديلًا. في نفسه طاقات مذهلة وحيوية متوثبة وغيرة ملتهبة، يبعثها إيمان حي يسكن في قلبه ويضرم بين جنبيه، ووضع نصب عينه منهاجًا واضحًا: ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ﴾ (التوبة: 52) فهو إما أن يعيش للإسلام وفي الإسلام عزيزًا كريمًا، أو يمت شهيدًا ويمضي إلى ربه راضيًا مطمئنًّا، ومثل هذا الإنسان هو الذي لا يترك هذه الدنيا إلا وقع رفع للإسلام من جانبه راية عالية، وسجل مواقف سامية مشرفة، وساهم في إزهاق الباطل، ووأد الظلم الفاحش، وهدم عروش الجهل الجامح، وسحق الغي المبسوط المتأصل، وزعزع أركان الفساد والبغي، هو الذي لا يترك هذه الدنيا إلا وقد نبه الغافلين وأيقظ النائمين، وأوجد الأمل في نفوس الأيسين، وأوقد نار الحماس في نفوس العاجزين، وزرع الثقة في قلوب المتوكلين، وتصدى للذين يتاجرون بالإسلام وبقضايا المسلمين. هذا الإنسان المؤمن هو الذي لا يستطيع الباطل أن يصبر عليه طويلًا، ولا أن يقف أمامه مكتوف اليدين منتظرًا؛ لأنه يقلب موازينه كلها رأسًا على عقب، ويغير واقعه كله بالإسلام، ويوقظ الشعوب النائمة والأمة الغافلة، لتطالب بحقها وتعرف واجبها ومسئوليتها ورسالتها. ومن هنا تأتي مطاردته وملاحقته وتشويه صورته وصرف الناس عن دعوته.. من هنا يأتي التضييق عليه واغتيال كلماته ومصادرة حرياته وتكتيم أنفاسه؛ لأنه خطر على الأوضاع الفاسدة القائمة.
فهذه -يا أخي- أسباب تعرض بعض رجال وشباب الحركة الإسلامية للاضطهاد دون غيرهم من القاعدين؛ لأنهم يصدون بالحق ولا يخافون لومة لائم، وتلك سبب مطاردة بعض الأنظمة للحركات الإسلامية؛ لأن هذه الحركات تريد أن يحكم الله العباد لأنه هو الذي خلقهم، وبعض الأنظمة تريد أن تحكم هي وتنبذ حكم الله، وهذه معركة بين الحق والباطل، ولا بد للحق أن ينتصر متى وجد الرجال الذين يحملونه: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾ (الأنبياء: 18). ولا بد لجند الإسلام أن ينتصروا في النهاية: ﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ (الصافات: 173).
ولنا أن نتأكد أنه لن يقدم لهذا الدين خدمة تذكر من لا يضحي بكل شيء في سبيله، وليس عيبًا أن يوصف الداعية المخلص والشاب الملتزم بالتعصب والتطرف من قبل بعض الجاهلين؛ لأن هذه سنة الدعوات، وقد ذكرنا أن الرسل والأنبياء عليهم صلوات الله وسلامه وصفوا بالمجانين والسحرة والسفاء؛ لأن الكلمة الحقة والشجاعة الفذة والأخلاق الفاضلة والعفة الطاهرة تصبح أمرًا غريبًا وشنيعًا في المجتمعات التي طالت عليها وطأة الظلم والتدهور الأخلاقي والاستخذاء للظلمة والخصوم، حتى تنقلب الموازين فيصبح المعروف منكرًا والمكر معروفًا.. ولكن لا بد أن يطلع الفجر مهما طال الليل.
ولا بد أن يشرق في الكون فجر جديد، وحتى يأتي ذلك اليوم فليس على المؤمنين إلا أن يعملوا ولا يلتفتوا إلى المثبطين والمتواكلين والشامتين والساخرين.. ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾ (الحجرات: 94، 95).
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل