العنوان لماذا ثار الشعب السوري على نظامه في دمشق
الكاتب محمد عبدالهادى
تاريخ النشر الثلاثاء 09-سبتمبر-1980
مشاهدات 80
نشر في العدد 496
نشر في الصفحة 14
الثلاثاء 09-سبتمبر-1980
جذور المأساة:
لم يعد خافيًا على أحد ما يجري في سوريا من فوضى واضطراب وتدهور لحالتها الأمنية!
سوريا.. تلك التي كانت قلب الأمة النابض.. صارت تعاني من مرض عضال٠. إنها جراح مثخنة.. تصرخ من شدة الألم فلا يستمع الأشقاء لهذا الصراخ، وتئن من وطأة الهوان والذل فلا يلتفت إليها أحد. فقد ابتليت سوريا بطائفة أجمع فقهاء السنة والشيعة على ردتها، وسجل كبار المؤرخين والعلماء خيانتها.. فقد حارب النصيريون مع الجيوش الصليبية صلاح الدين الأيوبي، وعندما دخل الفرنسيون سوريا عام ١٩٢٠ وجدوا في هؤلاء ضالتهم، وسموا بالعلويين ليلتبس على العرب والمسلمين أمرهم.. ثم أقام لهم الفرنسيون دولة في جبال النصيرية.. ثم شكلوا جيشهم من أبناء هذه الطائفة وقذفوا بهم داخل المدن السورية ضد الحركة الوطنية.. وبعد استقلال سورية، نكس النصيريون رؤوسهم خجلًا بعد جلاء الفرنسيين، وغادر البلاد لفيف منهم مع الجيش الفرنسي، وفر الخائنون أمام الوطنيين، وكان من أبرزهم (سليمان المرشد) الذي ادعى الربوبية في حماية الفرنسيين، ثم أعدمه الحكم الوطني بعد أن أدانه القضاء العادل بالخيانة العظمى. وبعد الاستقلال تسلل رجال الطائفة تحت مظلة الأحزاب، فألفوا ضالتهم في الحزب القومي السوري الذي يحارب العروبة والإسلام، وإلا فشلوا بحركتهم الانقلابية الأولى بقيادة غسان جديد وأقربائه. بدأوا ينسلون داخل حزب البعث من عام١٩٥٧.. ولم تمضِ سنوات قليلة حتى سيطر النصيريون على حزب البعث، فقام انقلاب (٨) آذار ١٩٦3 تحت غطاء (ناصري بعثي) لم يلبث أن كشر عن أنيابه قبيحًا طائفيًا، وبدأت نكبة سورية الجريحة. ولكي يضمن هؤلاء بقاءهم في السلطة طويلاً اعتمدوا مخططًا نفذوا فيه.
• تصفية رجال الحركة الإسلامية وإلغاء دورها النضالي وتجريده من خصائصه.
• نشر الفساد في جميع الأوساط.
• تفشي الرشوة بصورة يندى لها الجبين.
• بذر الفتنة والشقاق بين المواطنين بواسطة جهاز المخابرات الذي ينفقون علية المليارات٠
هكذا كانت البداية، ومن هنا بدأت تتكون بذور الثورة الإسلامية في سوريا، والتي
عبرت عن نفسها في انتفاضات عديدة عام ١٩٦٦وما تلاه من أعوام، إلى أن جاءت الانتفاضة الشعبية الكبرى التي تشهدها الساحة السورية الآن.
الرفض الشعبي لسياسة النظام:
المعارضة التي تشمل الآن جميع أبناء الشعب السوري، أصدرت على مختلف وجوهها بيانات وضحت فيها للعالم الموقف الشعبي الرافض لسياسة النظام منذ أن بدأت سيطرة الطائفة النصيرية تمامًا على الحكم منذ انقلاب عام ١٩٦٦، وقد أشارت بيانات المعارضة إلى أمور أساسية كثيرة نشير إلى بعضها فيما يلي:
أولًا: تسليم الجولان إلى اليهود:
الجولان أمنع جبهة عسكرية في دول المواجهة. تشرف على المستعمرات اليهودية وتتحكم فيها. وقد أجمع المراقبون أن اليهود لا يستطيعون الاستيلاء عليها تجاه أية مقاومة .٠ وقصة تسليمها كما يقول المجاهدون المسلمون في نشرتهم النذير رقم (18)، أن السلطة افتعلت عام ١٩٦٧حربًا لتورط إذ ذاك مصر كما صرح وزير الخارجية في ذلك الوقت (إبراهيم ماخوس) وغيره في اجتماعات حزبية مغلقة.
وسرعان ما أمر وزير الدفاع حافظ أسد - جيشه بالانسحاب، الكيفي من الجولان، وأعلن عن سقوطه قبل وصول اليهود إليه بأكثر من عشرين ساعة، الأمر الذي أذهل كبار الموظفين في مدينة القنيطرة، فلاذ الضباط وأفراد الجيش بالفرار تبعًا لأوامر وزير الدفاع، وسلم الجولان بكل ما فيه لإسرائيل. ومن ثم أعلن النظام الذي كان يقوده النصيري صلاح جديد انتصاره على اليهود، طالما أن اليهود أخفقوا في إسقاط النظام. فالمهم هو النظام مهما ضاع من الأرض، ولا قيمة لسقوط الجبهة في نظر النظام إذا استمر النظام على رأس الحكم، وسخر الشعب يومها.، ولعن الفاعل في الشوارع، وعبر عن استيائه من قصة الغدر هذه.. ثم ماذا؟ لقد كوفئ وزير الدفاع ليصبح رئيسًا للجمهورية بعد أن جسدت آمال أعداء العرب (اليهود) في الجولان وفلسطين بوجود النظام المذكور.
ثانيا: الدستور العلماني:
في عام ١٩٧٢ أصدر النظام دستورًا علمانيًا فرض على السوريين باستفتاء صوري بلغت نسبته كالعادة أكثر من ٩٩% تجاهل فيه عقيدة الأمة وتراثها وتاريخها وقيمها وتقاليدها وحريات الشعب العامة. وحقوق الأمة في السياسة والاقتصاد والعسكرية والأمنية؟ هذا ما يحسن أن يوضع في نقاط:
1. الصعيد الاجتماعي:
مزقت روابط الأسرة باسم الاتحاد النسائي وحرية المرأة، وأطلق الزبانية أنيابهم كالوحوش المفترسة لتنهش أعراض النساء المخدَّرات سرًا وعلانية. وأطلق للشهوات عنانها لممارسة كل ألوان الفجور، كما يقول بيان الثورة الإسلامية المعارضة الصادر يوم 20/11/1979الموجه إلى شعوب وحكومات الدول العربية والإسلامية.
2. التربية والتعليم:
بث مبادئ الكفر والإلحاد في المناهج الدراسية. ونقل المدرسين الأكفاء من حملة الشريعة والآداب والعلوم إلى دوائر التموين والأشغال والإسكان والبلدية، لكونهم يؤمنون بالإسلام، وحرض بعض الطلاب على أساتذتهم يتجسسون عليهم ويكتبون فيهم التقارير، ويبادرونهم بالإهانة في كثير من الأحيان.. ووضع خطة لإغلاق المعاهد الشرعية. وأخرى لتغيير المناهج الخاصة بالتربية الإسلامية لتشويهها ومسخها، وأدخل في المناهج الدراسية بحوثا تمجد الحركات الهدامة كالقرامطة وثورة الزنج وغيرهما، تحت ستار الحركات الاشتراكية، والتعبير، وجعل الشعب كله مواطنين من الدرجة الثانية، عندما نص أن الحزب الحاكم هو قائد الأمة والدولة. وقد ثارت جميع المدن السورية في ذلك العام دون استثناء. أما جواب السلطة على انتفاضة الشعب فكان تزج بزعامات الشعب من مفكرين وعلماء في غياهب السجون.
ثالثا: حرب ١٩٧٣:
تقول المعارضة السورية: افتعل نظام دمشق عام ١٩٧٢حربًا مع اليهود وسلموا فيها عشرات القرى الجديدة التي لم تكن إسرائيل احتلتها ١٩٦٧ بعد أن دفع للموت آلاف الشباب من المسلمين، ولا سيما المعارضين في خطوط المواجهة. ولم يستطع النظام استرداد بعض هذه القرى إلا بقرار من هيئة الأمم المتحدة.، وهو ما سمي آنذاك بفك الارتباط، ومع ذلك فقد أعلن النظام أنه حرر الجولان في حرب تشرين التحريرية، لكن الشعب كان يعرف الحقيقة ويهزأ من الكاذب.
• التنكيل بالمسلمين والفلسطينيين:
أعيد شباب سوريا المسلم إلى السجون لتمتلئ بهم عام ١٩٧٥ وذلك عندما لمس النظام وعيًا إسلاميًّا يسود أوساط الشباب، وقرب الفلسطينيون: في صيدا وطرابلس والبقاع وبيروت وبحمدون وقرنايل وتل الزعتر في مجازر لم يرتكب اليهود مثلها منذ
جاءوا إلى فلسطين. أما في عام1979 فقد استأنف النظام اضطهاد وقتل المسلمين وزج الآلاف منهم في السجون، وقتل عددًا كبيرًا منهم تحت سياط التعذيب، واستعمال الكهرباء، والاعتداء على آدمية الإنسان وكسر عظامه وكيه بالنار، وشتم دينه وربه ونبيه ومعتقده، وتهديده في أهله وأطفاله ووالديه وذويه، ومصادرة ماله المنقول وغير المنقول، وحرمانه حق الدفاع عن نفسه، وشنق خيرة هذه الأمة خلقًا وعلمًا وخدمة للمواطنين، علمًا بأن السجون لم تخل منذ عام ١٩٦٤ من شباب الدعوة الإسلامية في جميع سنوات الحكم النصيري، وقد مضى على اعتقال مجموعات من طلاب الجامعات والمهندسين سبع سنين دأبًا دون محاكمة.
هكذا صنعت مأساة سورية التي فجرت فيما بعد نقمة الشعب السوري في ثورته الإسلامية العارمة. وإزاء تلك الممارسات... كيف كان يعامل المجتمع السوري من قبل النظام على الأصعدة الاجتماعية والثقافية والعلمية والاقتصادية، ومنع تعيين المدرسين المسلمين والمدرسات المسلمات في التعليم، وحسب المعلمة أن تكون محجبة لتحظى بالسخرية والأمانة والطرد، كما سلمت الإدارات المدرسية للصوص والجواسيس، وأفسدوا التعليم الجامعي بتسليط شذاذ الحزب على اتحاد الطلاب وعلى هيئات التدريس الجامعي، يفرضون آراءهم وأهواءهم ويقررون نسب النجاح التي تغطى كسلهم وفشلهم.
3. الإعلام:
سخر النظام أجهزة الإعلام لتمجيد أركانه وتقديسهم، وملأ هذه الأجهزة بالأفكار الضالة والبرامج الهابطة، مما أدى إلى موجة من التفسخ والتحلل في الأخلاق والقيم التي لم يسبق لها مثيل، وبث كل أنواع الدجل والمغالطات والهلوسة الفكرية، التي خلقت ضياعًا وحيرة في الناشئين.
4.الاقتصاد:
نهب أركان النظام ومنهم رفعت أسد وأفراد من عائلته ميزانية الدولة بحسب ما أشارت إليه بيانات المعارضة على مختلف أشكالها، وأودعت البالغ المنهوبة في المصارف الأجنبية، وتصرف أركان النظام في بناء القصور في دمشق واللاذقية والقرداحة، وسلمت المؤسسات والشركات المؤممة لعصابات الحكم، فأفلس معظم هذه المؤسسات وطبعت أكثر من مرة عملة دون رصيد، فتدنت العملة السورية بشكل ملحوظ، بالرغم من ازدياد معدل إنتاج النفط وارتفاع ثمنه، وأطلقت أيادي السماسرة والوسطاء الذين به يملؤون المقاهي في دمشق لعقد الصفقات الخيالية، وقضاء المصالح خارج القانون لمن يدفعون الرشوات مثل الاستيراد والتخليص من الجندية، والحصول على الرخص التجارية، وتسلم مواد البناء، وإصدار العفو عن الجرائم وما إلى ذلك، ولكل مسألة سعرها ووسطاؤها الذين ينتظرون الزبائن الوافدين من المحافظات، وقد اشتهر أمر كبار المسؤولين لدى الشركات الأجنبية بالطمع والجشع مثل محمد حيدر، الذي تطلق عليه الشركات (مستر 5%)
5. الوسط العسكري:
انتشرت الأحقاد بين الضباط وصف الضباط، وانهارت الروح المعنوية لدى العسكريين، وتفشت الطائفية إلى حد أن أصغر مجند نصيري بات جاسوسًا على أكبر ضابط غير نصيري، وشكلت ميليشيات مسلحة عاثت في الأرض فسادًا من نهب المال وانتهاك الحرمات، فسرايا الدفاع بقيادة رفعت أسد، والوحدات الخاصة بقيادة علي حيدر تتمرد على الوحدات النظامية كالشرطة العسكرية، ويصبح الصدام الدموي يوميًّا، أما القبول في الكليات العسكرية فهو حكر على النصيرين ومن ولاهم، وقد كشفت حادثة مدرسة المدفعية في حلب في العام الماضي أن عدد النصيريين فيها كان (٢٨٦) ضابطًا من أصل (300) ، أما مناصب الجيش القيادية فقد سلمت لأبناء الطائفة الحاكمة، مما أدى إلى انتشار الخمور والحشيش والموبقات في الثكنات العسكرية، بينما تصبح الصلاة العلنية جريمة دونها جريمة الخيانة لإسرائيل.
الأمن:
شكلت في سوريا مفارز أمنية، وأغلب قياداتها من النصيريين، فثمة مخابرات أمن الدولة، والمخابرات العسكرية، والأمن السياسي، ومخابرات القصر الجمهوري، ومخابرات سلاح الطيران، ومخابرات سرايا الدفاع... وغيرها، فأضحى المواطنون السوريون يعيشون في رعب وفزع دائمين، خوفًا من عصابات المخابرات النصيرية التي تملأ الشوارع والدوائر والساحات والمدارس والأسواق، وتسيطر على كل شيء في حياة المواطنين.
القضاء
يقول تقرير للمعارضة الإسلامية:
عينت دفعات جديدة في سلك القضاء من النصيريين ليحكموا بين الناس (بالعدل!!) وحتى في قضايا الأحوال الشخصية، وعُدل قانون الأحوال الشخصية للمسلمين دون سواهم، ليستجيب إلى دواعي التحرر ومتطلبات التقدم، وحذفت من البطاقة
الشخصية ديانة المواطن ليسهل زواج المسلمة من غير المسلم، وانتشر الاعتقال التعسفي إلى حد ليس له مثيل في أي بلد شرقي أو غربي، وصار القضاء لعبة في أيدي الحاكم، بل صار القضاة الجدد يعطلون النظر في الدعاوى حتى يتم الدفع وتسليم الرشاوي بما يتناسب مع قيمة الدعوى، فلم يعد المواطن آمنًا على روحه وماله وعرضه بعد فقدان القضاء العادل، وقد فضحت ذلك كله نقابة المحامين التي حلها النظام بسبب وضوحها وصراحتها في قول الحق وكشف الزيف للعالم أجمع.
قمة المأساة:
إزاء كل هذا ماذا يفعل السوريون؟ وكيف يسكتون على تحطيم شعبهم وتخريب وطنهم؟ لم يدعوا طريقة إلا سلكوها... وكان جواب السلطة ضرب الاتجاه الإسلامي دائمًا، بما في ذلك ضرب المساجد وتخريبها ودكها بالمدفعية فوق الآمنين. إذا لم يبقَ إلا حمل السلاح، وهكذا كان... فلم يعد أمام أصحاب العقيدة والغيورين على الوطن إلا طريق الحرب، وفي هذا الصدد يقول أحد بيانات المعارضة، والذي نشرته نشرة النذير في عددها الثامن عشر الصادر يوم 31/5/1980: لن نضع السلاح، ولن يسكت أزيز الرصاص إلا بتحرر شعبنا وتحطيم قيوده، ليستأنف دوره الأصيل مع الأشقاء في تحرير مقدساته وتفجير طاقاته، وصون معتقداته وكراماته، لتحكم الأكثرية فيه بحكم شورى برلماني بموجب دستور عتيد وقوانين نافذة وحريات مصونة وقضاء عادل نزيه، وحفاظ على الأقليات المسيحية والدرزية والنصيرية غير الباغية،... وذلك كما نص شرعنا الإسلامي الحنيف، وكما شهد بذلك تاريخنا على مر العصور، وكما تمليه مصلحة وطننا وقومنا... لا نفرط بذلك، ولا نسمح لمستغل بالعدوان على مواطن مسيحي أو نصيري أو غير ذلك لا يحمل السلاح ضدنا، ويوضح رجال المعارضة الإسلاميون موقفهم مما يحدث حاليا في سورية بقولهم:
إنه ليؤلمنا أن تطلق رصاصة واحدة في داخل بلادنا، أو تراق نقطة دم واحدة في وطننا، إننا نعلم يقينا أن حرمة دم المسلم عند الله أعظم من حرمة الكعبة، ولذا؛ فلا نقاتل إلا مرتدًا أو جاسوسًا على المجاهدين لحساب المرتدين، ولا نتحرك إلا بمقياس شرعي دقيق، لا نعتدي إلا على الظالمين المعتدين، وصدق الله العظيم: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنتَصِرُونَ﴾ (الشورى :39)