العنوان لماذا دخل الاستعمار إلى بلاد المسلمين؟
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 15-مارس-1988
مشاهدات 58
نشر في العدد 858
نشر في الصفحة 34
الثلاثاء 15-مارس-1988
إن الغرب يتآمر
على الإسلام والمسلمين، وتزداد حدة التآمر ضراوة هذه الأيام والمسلمون غافلون عما
يدبر لهم كيدًا وحقدًا في الخفاء. إن المؤامرة على الإسلام وعلى العالم من ورائهم
تشمل أبعادًا شنيعة ذات آثار مدمرة، ونذير شؤم وخراب، وذلك بعدما شهد العالم في ظل
الحضارة الغربية حربين عالميتين مدمرتين خلال نصف قرن من الزمان فقط، أتت على كثير
من البشر وشملت بقاعًا واسعة من الأرض في شرق وغرب، تلاها تسابق دولي رهيب على
التسلح واقتناء أسلحة الموت والدمار ابتداءً من الأسلحة الذرية التي تدمر كل شيء
إلى الكيميائية والجرثومية وحتى النيوترونية التي تقتل الناس عنصر الحياة في الأرض
وتبقي على الجمادات الميتة!
يدعم ذلك كله
إنفاق على ميزانيات الحرب بأرقام فلكية من الأموال التي تستقطع من قوت جياع البشر
في بقاع الأرض لإهلاك الحرث والنسل.
والإسلام هو
المنهج الوحيد الذي يستطيع أن ينقذ الإنسانية، والمسلمون هم الأمة الوحيدة المرشحة
لهذه المهمة الصعبة؛ لأنها الأمة الوحيدة التي تملك المنهج الرباني الذي لم تنله
يد البشر بالدس والتحريف؛ ولأنها الأمة التي اختصها الله بالمنهج الذي نسخ المناهج
السابقة كلها، والشرع الذي نسخ ما نزل من قبله من شرائع السماء، والأمة الوحيدة
التي لا يزال لها ضمير إنساني حي يحترم الإنسان ويحافظ على بقائه في الأرض دون عبث
أو تدمير، فهذه الأمة بشهادة ربها وخالقها الذي أخرجها للعالمين على منهجه وشرعه
﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ
وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (آل عمران:110) فهذه
الصفات لم تعد موجودة في أمة أخرى غير أمة الإسلام والإيمان؛ لأن الأمم الأخرى ليس
لديها نفس الشريعة والمنهاج.
وليس هذا كل
شيء.
فالعالم اليوم
والغرب يقوده، يعاني من أزمات طاحنة في الغذاء والكساء والمسكن والدواء. ويقف
الإنسان على هذه الأرض بين طرفي نقيض: بين التخمة الفاحشة في كل شيء في الشمال
الذي يسكنه شعوب الغرب، وبين الفقر المدقع في الجنوب الذي تسكنه شعوب العالم
الأخرى. وفي الغرب مع هذا كله أزمات أخلاقية واجتماعية من شيوع للزنا والشذوذ
والأمراض الجنسية الفتاكة وارتفاع نسب الطلاق وانخفاض نسب التزايد السكاني لانخفاض
عدد المواليد وطغيان الولادات غير الشرعية على المواليد الشرعيين، وأزمات اقتصادية
من تضخم وبطالة وكساد وفقدان الصدق والثقة في أسواق المال لزيادة الكذب والغش
التجاريين إلى آخر تلك القوائم الطويلة من الأزمات التي لم يكن ليعرفها العالم
لولا قيادة الغرب. وليست الإنجازات المادية كلها بذات أهمية في مقابل مرض جنسي
واحد فتاك صنعه شذوذ البشر وانحرافهم عن فطرة الخالق.
والعالم الغربي
اليوم الذي يقف في مواجهة الإسلام والمسلمين الذين تتصدرهم الحركة الإسلامية، لا
يقف في حقيقة أمره وخلفه أي إرث إنساني أو عقائدي أو أخلاقي، فالعالم الغربي
وعقيدته وفكره وثقافته وأخلاقه، والتي ورثها عن الحضارة الرومانية والإغريقية
الوثنيتين.
لا يملك مقومات
القيادة الأخلاقية للإنسانية، ولا يملك أن يقدم للبشرية أي طريق للخلاص من
المعضلات التي تواجهها والأزمات التي تعترض مسيرتها في تاريخها الطويل على هذه
الأرض. إن المدنية الغربية لم تحل مشاكل الإنسانية بقدر ما زادتها تعقيدًا، وأضافت
إليها مشكلات جديدة أكثر حدة وأشد تعقيدًا. وهذه حقيقة يقررها كل دارس للتاريخ
وناظر للمسيرة الإنسانية منذ وجودها وحتى الآن.
إن المسيحية
التي تتزعمها الكنيسة الكاثوليكية ومقرها في الفاتيكان، لا تحكم لأبعد من كرسي
البابوية في واقعها، بل إنها لا تملك أمر القساوسة والرهبان الذين انقسموا في
غالبهم إلى صفين:
صف معارض
لتعاليم الكنيسة ويحاول الخروج بأفكار إصلاحية جديدة تتعارض مع مبادئ تعتبر أساسية
في الديانة التي أسسها لهم بولس. وصف آخر غارق في الخطايا والآثام بسبب ضريبة
الرهبانية المعارضة للفطرة، فزهدوا في الزواج والعمل ليقعوا في الزنا والشذوذ
والسرقة والرشوة! والكنيسة التي تحاول نشر تعاليم المسيحية في مجاهل الأرض بين
الفقراء والجهلة، تدرك كل الإدراك أنها عاجزة عن إقناع أهل العلم والفكر في عقر
دارها. وإن الأناجيل الأربعة التي اعتمدتها الكنيسة بعد لأي وجه من بين عشرات
الأناجيل الأخرى، تتباين في واقعها جملة وتفصيلًا لدرجة تشكك معها الباحثين في
شخصية المسيح عيسى بن مريم عليه السلام، فيخرجون بالكفر وقد طلبوا الهدى! بل إن
الإله الذي يعبده النصارى غير محدد الصفات وأضلهم التثليث!
أما اليهودية
المحرفة فهي رَبَّة العنصرية والتمييز والتفرقة بين البشر، وهي التي تعادي كل
الناس، وتكره كل الناس، لا لشيء إلا لأنهم ليسوا يهودًا. هذه اليهودية المحرفة
التي ما نزل بها كتاب من الله ولا جاءت بها توراة، ولا تحدث بها نبي من أنبياء بني
إسرائيل، تعمل اليوم على إهلاك الحرث والنسل في الأرض، وإشعال نار الحرب لتقوم
مملكة يهوذا على أنقاض الممالك الأخرى وعلى جماجم أبنائها من الأمميين والأغيار.
هذه اليهودية المحرفة التي يكتبها الأحبار بأيديهم ويكذبون بها على الله والناس في
التلمود من مشناه وجماراة وغيره من صحائف اليهود، فيبدون بعضها ويخفون كثيرًا منها
ويشترون بها ثمنًا قليلًا، ويؤمنون ببعضها ويكفرون ببعضها، وهم يعرفون آيات الله
كما يعرفون أبناءهم، هذه اليهودية المقصورة على شعب مختار واحد فقط وشعوب كثيرة
أخرى منبوذة، لا تملك أن تكون دينًا عالميًا يجمع بين كل الناس ويؤاخي بينهم في
مساواة كما وحدهم الله، لأن المساواة ضد طبيعة اليهودية وتعاليمها؛ ولأن العالمية
ضد مبادئها، ولأن السلام العالمي ضد مخططاتها السرية. وكذلك الشيوعية التي تناقض
الفطرة البشرية وتهدم حاجة الإنسان للاعتقاد الديني، منكرة بكل صلف وجهالة ونزق سخيف
وجود الله جل جلاله كمن يحاول إخفاء الشمس بأصبعه. هذه النظرية التي فشلت في كل
تطبيق وعند كل موقف، مما استدعى تعديلها عشرات بل مئات المرات، وأثبتت أحداث
التاريخ فشل حتمياتها الفرضية والتسلسل التاريخي لتطور الأمم والجماعات، وأثبت
الواقع الاقتصادي للدول التي طبقت تعاليمها فشل هذه التعاليم الذريع في حل مشكلات
الاقتصاد وفي تحقيق الرخاء الاقتصادي المزعوم للطبقة العاملة. هذه الشيوعية التي
اعتدت على عقل الإنسان وروحه وسلبته الإيمان بالله واليوم الآخر، وجعلته ترسًا في
آلة، فأنكرت إبداعه وفرديته التي ميزه الله بها ودعا الإسلام إلى احترامها، هذه
الشيوعية التي كانت في حقيقتها بنت اليهودية اللقيطة، ومعها الداروينية
والفرويدية، لا تصلح لأن تكون عقيدة عالمية تنقذ البشرية من آلامها، وهي سبب رئيسي
ومباشر في تلك الآلام، ولا أن تحل مشاكل الإنسان المعاصر، وهي التي ساهمت في خلق
كثير من مشاكله تلك، ولا أن تمنح الإنسان الأمن والطمأنينة وهي التي سلبته
الإيمان. إن العقيدة التي تنكر وجود الله عقيدة ميتة تفرض على كل من يعتنقها أن
يقتل عقله حتى يتبعها ولا خير في عقيدة تقتل عقل الإنسان.
ولا حل ولا نجاة
إلا في الإسلام، هذا الدين الذي يحاول الغرب الآن أن يحد من انتشاره ويقضي على
أتباعه ودعاته، ومعهم دواء البشرية النافع ومفتاح السلام العالمي.
ولقد خيم شبح
هذه الأزمات الطاحنة الرهيبة التي صنعتها المناهج الغربية والقيادة الغربية، على
كل منزل في الأرض، وتلقي بظلها الكئيب الموحش على جسد وروح كل إنسان.
فأين صورة
المجتمع الإنساني العالمي المعاصر في قرنه العشرين بعد الميلاد وقد رفعته تقنية
العلم إلى أغوار الفضاء، وغاصت به إلى قعر المحيطات وأخرجت له كنوز الأرض
المخبوءة، والإنسان فيه ما بين جائع محروم ومجرم متخوم، أين هذا كله من صور
الخلافة الإسلامية الراشدة التي شهدت فيه البشرية مولدها من جديد، فجمعت بين عمق
الإيمان والتوحيد ونهضة معارف الدنيا وعلومها، وجمعت في تناسق وتناغم كوني دقيق
نابع من شرع الله وقانونه السماوي بين نور الإسلام ونور العلم.
وهذا هو الفرق
بين حكم الله وحكم البشر!
والغرب الذي
أعماه الحقد وأضلته العقيدة التي حرفها البشر، ودس فيها أحبار اليهود، فحارب
الإسلام وحاول إضلال المسلمين، هب مدفوعًا بفطرته المطموسة بالشرك والفسوق
والعصيان، يحاول تحطيم زجاجة الدواء التي فيها البلسم الشافي للإنسانية المعذبة
-والغرب جزء منها- من آلامها ومعاناتها التي طالت حتى أدمت وعمقت الجراح. ﴿وَدَّت
طَّائِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا
أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ (آل عمران:69). ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا
يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۚ فَسَيُنفِقُونَهَا
ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ ۗ وَالَّذِينَ كَفَرُوا
إِلَىٰ جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾ (الأنفال:36).
والغرب الذي
حاول تدمير العالم الإسلامي عدة مرات، مرة مع الحروب الصليبية، ومرة مع ما يسمى
بالكشوف الجغرافية، ومرة أخرى في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، ثم في مطلع
القرن العشرين، هو الآن يحاول مرة أخرى في أواخر القرن الحالي أن يغزو العالم
الإسلامي من خلال غزوه للمنطقة العربية بشتى الوسائل والمحاولات. وفي كل مرة كانت
تسبق محاولات الاحتلال والتخريب في بلاد المسلمين وأرضهم تعبئة فكرية وعقائدية ضد
الإسلام والمسلمين في بلاد الغرب، تمامًا مثلما يحدث الآن من استعداء للشارع
الأوروبي والأمريكي ضد هذا الدين تارة بالكتب الثقافية وتارة بالمقالة الصحفية
وتارة بالأغنية وتارة بالفيلم وتارة أخرى بالمحاضرات والندوات. وتتسع رقعة الحرب
بين الغرب والمسلمين لتشمل بقاعًا كثيرة جزء منها في أفريقيا وآخر في آسيا، ويحاول
الغرب أن يحصر هذه الحرب المعلنة في الجزء العربي من بلاد الإسلام، وأن يصبغ هذه
الحرب الآن بالصبغة العسكرية. وها هي التحركات العسكرية الأخيرة في منطقة الخليج
العربي للأساطيل الغربية «أمريكية - روسية - بريطانية - فرنسية - أسترالية» وفي
البحر الأبيض المتوسط «أمريكية - روسية - إسرائيلية» والتدخل العسكري الأمريكي في
لبنان، والاعتداء الأمريكي على ليبيا، والتدخل الفرنسي العسكري في تشاد، والاعتداء
الروسي على أفغانستان كل هذا ما هو إلا جزء من مخطط أوسع لغزو المنطقة العربية
ومحاصرة الصحوة الإسلامية في مهدها ومهبط وحي رسالتها السماوي.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل