العنوان لماذا غيرت «المجتمع» موقفها من ثورة إيران؟
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 01-ديسمبر-1987
مشاهدات 73
نشر في العدد 845
نشر في الصفحة 6
الثلاثاء 01-ديسمبر-1987
عزيزتي المجتمع
أود أن أطرح تساؤلاتي على مجلة «المجتمع» ودافعي بذلك النصيحة.. لاحظ القراء أنكم نشرتم بيانًا أيدتم فيه
الثورة الإسلامية في إيران ودعوتم إلى تأييد الإمام والقائد آية الله الخميني.. وكشف
هذا البيان عن اتصالات تمت بين الإخوة المسؤولين في إيران وبعض رجالات الحركة الإسلامية
في العالم العربي.
واليوم تطالعنا
المجتمع في كل عدد بمقالات تحريضية وعدائية ضد الدولة الإسلامية في إيران، إننا نتساءل:
• كيف توفق
«المجتمع» بين موقفها السابق المؤيد لإيران الثورة، وموقفها الحالي؟
• ما سر تحريض
المجتمع للحكومات الخليجية على دعاة مذهب الثورة الموجودين في أوروبا؟
أرجوا أن تكون إجابتكم صادقة وصريحة على صفحات المجلة حتى نتعرف على حقيقة رأيكم
ومبرراته، وإلى أن أقرأ الرد سأكون منتظرًا على أحر من الجمر.
• قاسم شعبان
– بريطانيا
عزيزي القارئ
- لقد مرت الثورة الإيرانية بثلاث مراحل متعاقبة من التعاطف الجماهيري معها.
ففي المرحلة الأولى
المتمثلة في محاولاتها الدؤوبة لخلع الشاه شهدت الثورة تعاطفًا كبيرًا من الجماهير
في مختلف أرجاء المنطقة الإسلامية وغيرها.. ولقد كان للمجابهة التي قام بها الشعب الإيراني
ضد الشاه تفاعل عاطفي مشحون.. ولقد كانت المجتمع في هذه المرحلة تؤيد خلع الطاغوت المجوسي
«الشاه».. ولم يكن غير ذلك.. أي لم يتضح بعد «من سيتولى قيادة الشعب الإيراني؟» و«من
سيأتي بعد الشاه؟» وما هو شكل النظام السياسي الذي سيحل بعد نظام الشاه؟ ولعل البيان
الذي نشرته «المجتمع» وأشرت إليه في رسالتك يعكس الموقف من الثورة في هذه المرحلة وليس
من المنطقي أن يسري هذا التأييد على كل تصرفات وممارسات النظام الإيراني فيما بعد..
أما المرحلة الثانية المتمثلة بنجاح الثورة وسيطرة الإمام الخميني على مقاليد
الأمور، وإعلان الجمهورية «الإسلامية» في إيران فقد شهدت هذه المرحلة تأييدًا حذرًا
وتعاطفًا مترددًا داخل إیران وخارجها.. فعلى مستوى الحكومات أعلنت تأييدها للنظام الجديد
-بما فيها حكومة العراق- طمعًا في إقامة علاقات حسن جوار أو إبداء لحسن النوايا.. ولكنها
رغم هذا التأييد كانت حذرة من الخط السياسي لهذا النظام الجديد الذي كشف عن تمرده على
الأيديولوجية العلمانية وأعلن عن تبنيه للنظام الإسلامي.
أما عن القوى السياسية فلقد كان تأييدها حذرًا كذلك.. ففي إيران كان تأييد مجاهدي
خلق وحزب توده وفدائيي خلق مشروطًا.. أما الشيوعيون والقوميون واللادينيون فقط اتخذوا
مواقف مؤيدة ومشوبة بالحذر.. أما الإسلاميون فانقسموا في ثلاثة مواقف:
الموقف الأول: موقف مؤيد بدون تردد واعتبارات للآثار المحتملة نتيجة الاختلافات
الموجودة في فهم الإسلام بين المذهبين ودون ترو لمعرفة تطبيق النظام الجديد للإسلام
على مسرح الواقع.
الموقف الثاني: موقف حذر أيد الثورة في الإطار السياسي العام الذي عكس انتصار
الشعب على الطاغوت والذي رفع الإسلام شعارًا سياسيًا له، ولكنه لم يتعجل في اعتبار
الثورة إنجازًا إسلاميًا من إنجازات الحركة الإسلامية في العالم لمجرد أن قيادتها دينية..
فهناك اختلافات في فهم الإسلام لابد من الانتظار والتروي لمعرفة كيف سيتصرف النظام
الجديد تجاهها فضلًا عن أنه لا يتم الإعلان عن التأييد الإسلامي إلا بعد معرفة التطبيقات
والممارسات وليس بمجرد رفع الشعارات
الموقف الثالث: وهو الموقف الرافض لهذه الثورة منذ اليوم الأول الذي أعلن أن
قيادتها مذهبية.. وكان هذا الرفض مبنيًا على أساس مذهبي صرف باعتبار أن الأيديولوجية
التي تمثلها هذه الثورة انعكاس مشوه للإسلام.
في هذه المرحلة كان موضع المجتمع ضمن الموقف الثاني الحذر.. لم تشرع المجتمع
بقبول ادعاء الثورة في إیران بأنها إسلامية ولقد استمرت حتى اليوم تسميها الثورة الإيرانية..
بل إنها نشرت مقالًا بعنوان «الثورة الإيرانية في الميزان» كتبه الأستاذ إسماعيل الشطي
عام ١٩٧٩ لتدلل على أن الإسلاميين لم يتفقوا على موقف موحد من هذه الثورة وأن هناك
حوارًا دائرًا حولها..
هذا كان في البداية.. ولقد حاورت المجتمع وقابلت كثيرًا من مفكري وعلماء الدين
في إيران لمعرفة أين يقف هذا النظام من الفهم الصحيح للإسلام؟ ولعل مقابلة رئيس التحرير
مع الإمام منتظري تعكس صورة من صور البحث والتقصي.. وكذلك الاتصالات التي تمت بين المسؤولين
في إيران وبعض رجالات الحركة الإسلامية لا يخرج عن إطار التعرف على هذه الثورة عن كثب
في هذه المرحلة.
أما المرحلة الثالثة فهي المرحلة التي بدأ فيها النظام الإيراني الجديد يكشف
عن توجهاته وأفكاره وآرائه.. وأصبح لديه رصيد من الممارسات نستطيع من خلالها الحكم
عليه وإصدار الرأي فيه.. وتتمثل هذه الممارسات بالآتي:
1- معاملة أهل السنة بإيران معاملة اليهود والنصارى إذ إن الدستور الإيراني
حرمهم من تولي المناصب القيادية في الدولة السياسية منها والعسكرية وأن الوزارات الإيرانية
المتعاقبة لم تشهد سنيًا واحدًا رغم أن السنة يمثلون أكثر من ثلث الشعب الإيراني.
2- حرمان أهل السنة في إيران من إنشاء مجلس أعلى للعلماء يقومون من خلاله بتوعية
المسلمين السنة بالإسلام ويشرفون فيه على المعاهد الدينية ويصونون المساجد هناك.. بل
إن المعتقلات فتحت لكل داعية إسلامي على مذهب أهل السنة يطالب بحقوق فئته، أوليس أحمد
مفتي زاده مازال هو وإخوته في السجن؟ أولم يهرب سلطان العلماء من البر العربي في فارس
إلى الإمارات بعد بطش حراس الثورة بالمسلمين السنة هناك؟ ألم يعتقل فضيلة الشيخ ضيائي
لمجرد تصريحه ببعض المطالب في مجلة المجتمع رغم أنه أشبع الثورة مديحًا؟ كما بدأت الحكومة
تنفيذ خطة لتحويل أهل السنة في إيران إلى المذهب الذي تعتنقه الثورة.
3- التعصب للعرقية الفارسية فقد أجبرت سكان المناطق العربية في فارس بدراسة اللغة
الفارسية كلغة أولى بدلًا من لغة القرآن كما أصرت على تسمية الخليج بالخليج الفارسي
تمسكًا منها بالعرقية رغم أن هناك اقتراحًا -كان المفروض أن يتوافق مع مزاجها- بأن
يكون اسم الخليج «الخليج الإسلامي».. ولعله مما يحز في النفس أن الملامح العربية
في الساحل العربي في فارس دخلها التغيير والتبديل لصالح الثقافة الفارسية حتى الأسماء
العربية للمناطق تبدلت وتحولت إلى أسماء فارسية
4- مفهوم «تصدير الثورة» الذي أخذ طابعين عدائيين أحدهما الاعتداء
على مذهب أهل السنة خارج إيران والترويج لمذهب سب الصحابة وأمهات المؤمنين والتشكيك
بالمعتقدات الإسلامية والثاني هو تصدير الإرهاب وترويع المسلمين دون التفرقة في عدائها
بين الأنظمة والشعوب.
5- الاستمرار والإصرار على الحرب مع العراق مع العلم أن الخاسر الوحيد من هذه
الحرب هما الشعبان المسلمان في إيران والعراق.. وبدلًا من صرف هذه الطاقات لمحاربة
أعداء الأمة من اليهود والنصار أخذت إیران تستنزف طاقات المنطقة في صراعات داخلية بينها..
وإيران تعلم أن استمرار الحرب والإصرار عليها هو لمصلحة أعداء الأمة.. فقد استطاعت
أميركا أن تحصل على ما تريده في عهد إيران الثورة ما لم تكن تحلم بالحصول عليه في عهد
عميلهم الشاه.
ونحن نحمل إيران مسؤولية دخول قوات الدول العظمى إلى المنطقة ونحملها مسؤولية
كافة ما ترتب ويترتب على ذلك.. ونحملها مسؤولية استنزاف القوة العربية والإسلامية واستنزاف
ثروات المنطقة.. أوليست الحرب هي التي تستنزف؟ أوليس المصر على استمرار الحرب هو المصر
على استنزاف ثروات المنطقة؟
لهذا كله نحن غيّرنا موقفنا من إیران.. ولسنا وحدنا في ذلك.. بل هناك قوى سياسية
مختلفة في داخل إیران وخارجها غيرت موقفها من الثورة الإيرانية.. وحتى الإسلاميين الذين
اتخذوا موقفًا مؤيدًا تراجعوا اليوم بعد مشاهداتهم لممارسات الثورة الإيرانية وسلوكها.
أما لماذا نحن نؤيد البعث العراقي ضد الإسلام في إيران؟ فالسؤال غلط بهذه الصورة..
نحن نؤيد العراق لأنه يقدر تبعات استمرار الحرب.. ولأنه يرفض استمرار الحرب ويرفع راية
السلم.. والله يقول: ﴿وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى
اللَّهِ﴾ (الأنفال: 61).
فأین إیران من هذا الأمر الرباني؟ والله يقول: ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ (الحجرات:
9)، فأين إيران من دعوات الصلح المختلفة؟ وأخيرًا فإن المذهبية التي تكسو وجه الثورة
الإيرانية دفعت الكثير من المسلمين لتأييد العراق لأنها في النهاية سد منيع ضد خطر
المذهبية.. وأخيرًا دعني أسأل لماذا لم تفعل إيران شيئًا ضد الشيعة في لبنان الذين
ضربوا الفلسطينيين العزل في المخيمات؟ أليست هذه أسئلة أجدر من السؤال الذي تطرحه؟
بقي أن تعلم عزيزي القارئ أننا مع كل دعوة إسلامية صحيحة تدعو إلى كتاب الله
وسنة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم وكل دعوة تدعو لسب بعض الصحابة أو اتهامهم أو ترفع
بعضهم إلى مرتبة الألوهية فنحن سوف نعارضها ولا نتيح لها أن تعبث في عقول أبناء المسلمين
سواء في أوروبا أو في المريخ.
عزيزي القارئ:
إننا ما زلنا نتمنى على إيران أن تعود إلى الصواب وترفع الإسلام الصحيح كما ورد في
كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم.. كما ندعوها لأن تكون نموذجًا بناء لفكرة
الدولة الإسلامية وأن تستجيب لدعوات الصلح والله الموفق.