; لماذا قدم الوزير استقالته؟ | مجلة المجتمع

العنوان لماذا قدم الوزير استقالته؟

الكاتب حمد الجاسر

تاريخ النشر الثلاثاء 20-مايو-1986

مشاهدات 62

نشر في العدد 768

نشر في الصفحة 12

الثلاثاء 20-مايو-1986

في إطار تحليلهم لموضوع استقالة وزير التربية جاء المتابعون للسياسة المحلية بآراء متنوعة، وكانت هناك ثلاثة مذاهب وآراء برزت في خضم التحليلات السياسية المختلفة

رأي أول: وهو يقول بأن الضغوط التي مارستها الفئات الإسلامية وجهودها الدؤوبة في معارضة وزير التربية قد أسفرت في النهاية عن دفعه للاستقالة.

ولهذا الرأي شيء من الصحة خاصة فيما يتعلق بموقف الإسلاميين المتميز من الوزير، فمنذ تسلم الدكتور الإبراهيم لوزارة التربية في أوائل 1985 توجس الإسلاميون وأصحاب الفكر المحافظ خيفة منه، فالدكتور حسن معروف من خلال إدارته للجامعة في الماضي بحماسه الشديد للنموذج الأخلاقي الغربي، وموقفه من القيم الإسلامية والأعراف والتقاليد السائدة في المجتمع الكويتي، وقد خشي الإسلاميون من أن سيطرة الدكتور حسن على هذا المنصب التربوي الخطير قد تمكنه من العبث بالمناهج ومسخها والتمكين للمناهج العلمانية، والفكر اللاديني في مدارس الكويت.

ورغم ذلك التزم الإسلاميون بضبط النفس تجاه الوزير عند تسلمه للوزارة أملًا في عدم وقوع ما يخشون، غير أن الوزير المندفع بقوة نحو تحقيق مآربه ما لبث أن فتح النار على «الجماعات الدينية» وتعهد في أكثر من مناسبة بالتصدِّي لها ومحاربة المتدينين،

ومنذ ذلك الوقت بدأ الإسلاميون حملتهم على الوزير خاصة وأنهم اكتشفوا أن التمهيد لتغيير المناهج التربوية قد بدأ فعلًا، والتقت بعض الشخصيات الإسلامية بالمسؤولين لتوجيه أنظارهم إلى تصرفات الوزير، وتحرك النواب الإسلاميون في مجلس الأمة ومعهم غالبية النواب ضد الوزير، كذلك كان للصحافة الإسلامية المتمثلة بمجلة «المجتمع» دور هام في قيادة المعركة ضد الوزير الذي حظي بدوره بدعم غير عادي من بعض الأقلام في الصحف اليومية.

وقد أبدى الإسلاميون ضمن معارضتهم للوزير ملاحظات ومستمسكات عديدة عليه كان من أبرزها تحيزه الكامل للفئات اليسارية والعلمانية خاصة في تعيينات الجامعة، فقد حشد الوزير فيها بطانته وأنصار «التجمع الديمقراطي» على حساب الكفاءات الأخرى، وصار يعادي كل متدين في الجامعة ووزارة التربية حتى لو كان بعيدًا عن العمل السياسي.

وكانت آخر تطورات معركة الإسلاميين مع الوزير ومن يقف وراءه لجوء ممثلي التيار الإسلامي داخل المجلس وبدعم من نواب كثير آخرين إلى الإعداد لاستجواب وزير التربية خاصة وأن الجو العام داخل المجلس معاد للوزير ومتعاطف مع الإسلاميين في شأنه، وقد جاء قرار الاستقالة ليوقف ترتيبات الاستجواب.

وهكذا كان الإسلاميون يقودون المعركة ضد وزير التربية خلال سنة كاملة، ولكن من غير الدقيق أن يقال بأن الإسلاميين كانوا قادرين على إسقاطه، ففي النهاية تبقى أوراق المعركة بيد الحكومة، فالحكومة قوية وتستطيع أن تُنَحِّي الوزير لو أنها أرادت ذلك، ولهذا فإن «ضغوط الجماعات الدينية» ليست هي السبب النهائي في استقالة الوزير.

رأي ثان: يميل بعض المتحدثين في شأن الوزير المستقيل إلى التنبيه إلى العوامل الشخصية وراء قرار الاستقالة، وهي تلك الكامنة في شخصية الدكتور حسن الإبراهيم.

فمن المعروف أن الدكتور حسن لا يمتلك شخصية جذابة خاصة في مجال العلاقات مع الأفراد، فهو كما يصفه من يعرفونه - متعجرف جاف الطباع لا يجيد تكوين صلات ودية مع الآخرين ولا يحرص على ذلك، ويمتاز بالعناد والتعصب الشديد لآرائه دون مراعاة لأي اعتبارات كانت.

ومما يدل على عنجهية وزير التربية واستخفافه برؤسائه في مجلس الوزراء تلك الطريقة المبتذلة التي قدم فيها استقالته حيث إنه أرسل كتاب استقالته مع سائقه الخاص وقام السائق بدوره بإيصالها إلى رؤسائه، فأي استخفاف هذا؟؟ وأي احترام وتقدير لرؤسائه؟ إنها إن دلت على شيء فإنها تدل على عجرفة الوزير.

ثم غادر الكويت دون استئذان واتجه إلى لندن!! فعلام يدل ذلك؟؟ ونقول هذا الكلام لأولئك الذين لا يزالون يطبلون ويزمرون للوزير المستقيل!!

ولأن الوزارة منصب سياسي وليست مهنة تكنوقراطية، وجد الدكتور حسن نفسه في حالة حرب مع الجميع واصطدم - بسبب أسلوبه في التعامل - مع معظم الشخصيات والأطراف السياسية في المجتمع، كما أقدم على بعض التصرفات والقرارات التي أكسبته عداء تجمعات القبائل داخل مجلس الأمة - وهُم الأغلبية فيه ثم أثار الاستياء الشعبي، وقلق أولياء الأمور بسبب بعض قراراته المتعلقة بمصير آلاف من الطلبة.

ووصل الأمر بالوزير في نهاية المطاف أن وجد نفسه في الميدان وحيدًا إلا من بطانته وفريق المتحمسين للمنهج العلماني في الكويت، ثم بعض الصحف التي احترفت الدفاع عن القضايا الخاسرة.

ولا ننسى أن نؤكد أن وزير التربية بعنجهيته وعناده قد نشر القلق والبلبلة في البلد، وصرف الانتباه عن مشاكل الدولة الاقتصادية والأمنية وتسبب في إحراج وإرباك القيادة السياسية في البلد.

رأي ثالث: وهو ما يشير إليه البعض من أن مسألة استلام الدكتور حسن الإبراهيم لوزارة التربية قد انقسم رأي الفعاليات السياسية بشأنها إلى فريقين.

فريق كان يرى بأن وزير التربية رغم كل مساوئه مفيد للجهات المعادية للتوجهات الإسلامية في البلد، وتكمن فائدته لتلك الجهات اللادينية بأنه بإمكانه إصدار وتنفيذ قرارات عديدة رغم المعارضة الشعبية لها، الأمر الذي قد لا يندفع إليه رجل آخر في المنصب، ويرى هذا الفريق أنه يمكن تحقيق العديد من الأمور عبر هذا الوزير وأن الأقلام الصحفية الموالية لمنهجه ستتولى تغطية أفعاله وتظهره بمظهر المنقذ التربوي والمحارب للفساد والمصلح الإداري وإن كانت سياسة حسن الإبراهيم خلال عمره القصير في المنصب قد ناقضت ذلك تمامًا.

وأن سلبياته أكثر بكثير من الثمار المأمولة من ورائه.

ولأن كلا الفريقين السياسيين لهما أصدقاء داخل الحكومة فمن السهل الاستنتاج بأن الوزير كان يفقد الدعم له داخل الحكومة بمرور الوقت خاصة وأن رأي الفريق الثاني المعارض للدكتور حسن كان يتعزز بمرور الوقت ومع كل قرار سيئ جديد تصدره وزارة التربية.

وقد شعر الدكتور حسن بأن موقفه داخل الحكومة ليس قويًّا وأن قدرته على تمرير اقتراحاته داخل مجلس الوزراء ليست كبيرة لذلك قرر في النهاية تقديم استقالته

والعزوف على البلد بأسرها إلى الخارج.

وطبقًا لبعض المحللين فإن الوزير لو نجح بهذه الخطوة في العودة إلى منصبه من جديد على نحو أقوى فإن ذلك سيكون مكسبًا كبيرًا له ويمنحه القدرة على تحقيق ما يريد في وزارة التربية، أما إذا أهملته القيادة السياسية في البلد وتعاملت مع قرار استقالته بفتور فإنه سيكون بذلك قد حفظ ماء وجهه وأغلق ملف وزارته بهدوء.

النص الكامل لتصريح النائب مبارك الدويلة وهو النص الذي لم تلتزم الصحف بنشره كاملًا:

كتبت بعض الصحف منذ أيام خبرًا حول زيارة مجموعة من أعضاء مجلس الأمة إلى سموّ ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، وقد تعمدت بعض هذه الصحف إثارة الشبهات حول هذه الزيارة وبدأ التأويل حول هذه المسألة حتى مست بعض هذه التأويلات سموّ ولي العهد رئيس مجلس الوزراء وكذلك النواب، وتخيل هذا البعض وجود صفقات تمت بين الطرفين في الخفاء ومن وراء الكواليس واعتبرت هذا اللقاء منافيًا للديمقراطية وتفريغًا للدستور من محتواه

وقد وجد البعض في هذه المسألة ضالته المنشودة، فأخذ يطعن في نوايا هؤلاء النواب وفي مسلكهم وتطاول البعض إلى التشكيك في أهدافهم وأنهم جاؤوا لوضع العصا في عجلة المجلس، وأنهم يقفون ضد الإصلاح التربوي والإداري، وأنهم إلى غير ذلك من كيل للتهم جزافًا ومن كلام مجَّهُ رجل الشارع من كثرة سماعه وفقد مصداقيته لتصادمه مع الواقع.

أقول إحقاقًا للحق وإبطالًا للباطل، إن النواب الذين زاروا سموّ ولي العهد رئيس مجلس الوزراء ولي الشرف أن أكون أحدهم، لم يطلبوا من رئيس الحكومة إقالة الوزير ولم يفتحوا معه هذا الموضوع، بل تحدثوا عن مواضيع لا تمت لهذه القضية بصلة وسموه يعرف ذلك.

وقضية إقالة الوزير من إبقائه لا نملكها نحن ولا غيرنا، بل يملكها رئيس الحكومة متى شاء وكيفما شاء، وإذا اعترضنا نحن على سلوكيات وزير من وزرائه فإننا نعرف الطرق الدستورية التي يجب أن نسلكها لذلك ولا نحتاج إلى من يدلنا عليها، وقد سمعتم كما سمع الناس رأينا في هذا الوزير منذ تولَّى الوزارة، أعلنا رأينا فيه من على منبر المجلس، ولم نخف رؤوسنا في الرمال كما ادَّعَى البعض، بل كانت رؤوسنا مرفوعة شامخة في نقدنا لوزير التربية، النقد العلمي الموضوعي الذي تشهد بذلك مضابط الجلسات واستطعنا أن نكون رأينا شعبيًا وقناعة عند الرأي العام، وعند العديد من الإخوة أعضاء المجلس، بل حتى من ساند الوزير واحتضنه منذ بدايته، ظهرت له حقيقته أخيرًا وبدأوا بالنقد له ولبعض قراراته.

ومن فضل الله تعالى أن تصل هذه القناعة عند بعض أعضاء الحكومة الذين أدركوا خطورة الطريق التي يسلكها فكانوا سببًا في تأجيل بعض هذه المخططات التي يسميها البعض بالإصلاحات.

وفي مثل هذه الظروف يقدم الوزير استقالته وبطريقة عرفها الجميع وعبر عنها سموّ ولي العهد رئيس مجلس الوزراء بالأمس.

ولأضع النقاط على الحروف أقول لكم إننا اعترضنا في زيارتنا المذكورة على لجنة الخبراء التي شكلها وزير التربية لوجود ثلاثة منهم نعترض تمامًا على وجودهم فيها وهم: د. عبد الله عبد الدايم، د. محمد جواد رضا، د. عبد العزيز البسام، فأحدهم سوري بعثي والآخران عراقيان أحدهم شيوعي أحمر.

فمن منَّا يقبل بأن يكونوا هؤلاء وأمثالهم في لجنة تزود بقية لجان الوزير بالآراء والأفكار والأطروحات التي يتبنونها ويعتقدون بها، أي مسلم يرضى بهذا الوضع الخطير؟ وأي ضير في ذهابنا إلى رئيس الحكومة لمناقشة هذه القضية معه بعد أن ناقشناها مع من هو أدنى مسؤولية ولكن دون جدوى؟

إن من يعتقد أن حل المشاكل لا يأتي إلا بالمواجهة المباشرة والاستجواب المباشر يجب أن يدرك أن هناك من يخالفه في هذا الاعتقاد فالكثير لديهم قناعات بأن العديد من مشاكلنا ممكن حلها بالتفاهم والحوار مع يقيننا بأن الاستجواب حق لكل نائب، وأن من يعتقد بأننا أفرغنا الدستور من محتواه بذهابنا لسمو ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، فهذا اعتقاد جائر وغير عادل، فمنذ أن نشأت الحياة البرلمانية في الكويت منذ أكثر من 25 سنة والعديد من الكتل أفرادًا وجماعات يعقدون مع السلطة السياسية جلسات عمل وحوار وتبادل آراء في الكثير من القضايا المطروحة والهامَّة وأكثرها جلسات عمل لا يعلن عنها ومع هذا لم نسمع أحدًا قال إن هذه الأعمال تفريغٌ للدستور من محتواه.

يؤسفني أن بعض الأقلام التي لها مصلحة واضحة من الافتراء على الإسلاميين دأبت منذ فترة على تهويل أمر الاستقالة وكأنه لم يحدث أن استقال وزير قط، وذكرت أن هناك استقالات جماعية في الجامعة وأن هناك استياء كبيرًا بين نواب المجلس من فقدانهم لرؤية وزير التربية وأن رئيس الحكومة أرسل وزير المواصلات إليه لإقناعه بالرجوع... إلخ، من الدجل الذي يدل على مدى استخفافهم في عقول الناس.

فليس هناك استقالات لا جماعية ولا فردية، وسموّ رئيس الوزراء لم يرسل أحدًا من وزرائه لاسترضاء معاليه، وأما رأي السادة النواب في هذا الوزير فقد عبروا عنه أكثر من مرة عند مناقشاتهم للعديد من سياساته، ولن يقبلوا أبدا أن تكون بعض الأقلام الصحفية وصية على آرائهم.

ختامًا...

كل الذي أرجوه أن ننظر إلى الأمور بعين العدل وبشيء من الإنصاف وعدم التحيز فالتوجه فيما يكتب هذه الأيام واضح بيِّن ويصب في مصب واحد.

كما أرجو ممن يكتب هذه الكتابات ويثير هذه القضية أن يدرك أن إثارة الخلاف بين أعضاء مجلس الأمة إنما يفرح له أعداء الحياة الدستورية، ويصفق له من يغيظهم رؤية مجلس الأمة الكويتي وهو يمارس دوره الرقابي بهذا الشكل الجيد، فأنصفونا معاشر النقاد... وكفى تشويها للحقائق، وأذكركم بقوله تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾. (المائدة: 8).

الرابط المختصر :