; لماذا يمنع قيام الأحزاب الإسلامية؟ | مجلة المجتمع

العنوان لماذا يمنع قيام الأحزاب الإسلامية؟

الكاتب المهدي المغربي

تاريخ النشر الثلاثاء 17-يناير-1989

مشاهدات 75

نشر في العدد 900

نشر في الصفحة 36

الثلاثاء 17-يناير-1989

لماذا يمنع قيام الأحزاب الإسلامية؟
طالعتنا صحف الأسبوع الماضي بخبر من باريس مفاده أن حزبًا ديمقراطيًّا مسيحيًّا أطلق عليه اسم «الاتحاد المسيحي الوطني» تأسس في الاتحاد السوفياتي خلال ديسمبر 88 وأن هنالك حزبًا آخر هو الحزب الاشتراكي الديمقراطي في طور التأسيس، وذكر أعضاء في حزب الديمقراطيين الاجتماعيين وهو حزب ليبرالي فرنسي أن «الاتحاد المسيحي الوطني» عقد مؤتمر تأسيسه في موسكو بحضور 32 مندوبًا، وأن رئيس هذا الحزب السوفياتي الأول فلاديمير أوسيبوف دعي لزيارة باريس.
ولا شك أن هذا الخبر يحمل دلالات خطيرة على عمق التحولات التي تجري في الاتحاد السوفياتي تحت عنوان البرويسترويكا ويتطلب وقفة تأمل إزاء هذه التحولات، لكن ثمة أمر آخر لا بد أن يستوقفنا في هذا الخبر ألا وهو تسمية الحزب الوليد في الاتحاد السوفياتي؛ حيث ضمت هذه التسمية عبارة «المسيحي» نسبة إلى المسيحية، وكأن علمانية الشرق انتهت إلى الاعتراف ليس فقط بتعدد الأحزاب، بل بالعمل  الحزبي على أساس الدين لتلتقي بعلمانية الغرب في هذا المجال، حيث هنالك الكثير من الأحزاب في الدول الغربية التي ما زالت تستلهم مبادئها من الكنيسة ومن الدين المسيحي.
وهنا نريد أن نسأل لماذا تسمح علمانية الشرق والغرب بوجود أحزاب تضم في تسمياتها كلمة المسيحية وترتكز على مرتكزات مسيحية، في حين يحجر على الإسلاميين في كثير من الدول العربية تكوين أحزاب إسلامية؟
لماذا قانون الأحزاب؟
بعد أن قويت الحركات الإسلامية في أواسط السبعينات ارتفعت أصوات عديدة تطالب بالسماح للإسلاميين بتكوين أحزاب سياسية لا سيما بعد بروز ظواهر العنف والعنف المضاد وإلهام بعض الحكومات للإسلاميين بأنهم وراء ذلك العنف؛ فكان رد الإسلاميين طلب التأشيرة للعمل الشرعي العلمي ضمن حزب معترف به، وأكد الإسلاميون وغيرهم من الديمقراطيين المنادين بحرية العمل السياسي أن وجود حزب إسلامي في بلد إسلامي سيسمح للإسلاميين ممارسة نشاطهم السياسي من خلال القنوات الشرعية وسيفوت الفرصة على المتطرفين ومثيري الشغب.
لكن بعض الحكومات الاسلامية عوض أن تتجاوب مع هذه النداءات أصدرت ما يسمى بقوانين الأحزاب التي سدت بها الباب أمام العمل السياسي للإسلاميين؛ ففي مصر تمنع المادة الرابعة من قانون 1977 قيام الأحزاب على أسس دينية أو عقائدية.
وفي تونس أعدت حكومة «مزالي» مشروع قانون أحزاب ينص في فصله السابع عشر على أن من حوكموا محاكمات سياسية لا يحق لهم تكوين أحزاب سياسية، وقد قيل عندئذ أن مشروع ذلك القانون إنما وضع خصيصًا لحرمان الاتجاه الإسلامي وحركة القوميين العرب من ممارسة العمل الحزبي المرخص له.
وحتى في العهد الجديد بعد تغيير السابع من نوفمبر في تونس جاء قانون الأحزاب لا يجيز قيام أي حزب على أساس مبادئ أو أهداف أو نشاط أو برامج تعتمد الدين أو اللغة أو العنصر أو الجنس، وهكذا لم تحصل حتى الآن حركة الاتجاه الإسلامي في تونس على حق تكوين حزب سياسي وأشيع أخيرًا أنه إذا أراد أعضاء حركة الاتجاه الاسلامي الحصول على تأشيرة حزب رسمي من وزارة الداخلية عليهم أن يغيروا اسم الحزب بحيث لا يحتوي على كلمة «إسلامي» أو «إسلامية».
ويعلل المناهضون لقيام حزب إسلامي في تونس موقفهم بأن الإسلام واللغة العربية وحرية ممارسة الشعائر الدينية هي قاسم مشترك بين كل التونسيين ولا يمكن احتكارها بصفة مطلقة من طرف تنظيم سياسي.
ولكن السؤال الذي لا بد من طرحه هو لماذا إصدار قانون الأحزاب لا سيما وأن دولًا ديمقراطية كثيرة لم تر موجبًا لسن مثل هذا القانون؟
ففي فرنسا مثلاً رغم أن النظام الجمهوري من أهم مكاسب الثورة الفرنسية إلا أن الحزب الملكي لا يزال موجودًا وليس عليه حظر، كما أن هنالك حزبًا دينيًّا يُدعى لجان المسيحية -التضامن.
إن قوانين الأحزاب في البلاد العربية كما يعترف بذلك باحثون وساسة كثيرون إنما هي مناسبة له قوة القرار للتصدي للمتعددية الحزبية أو الحد منها، والتضييق بالخصوص على الإسلاميين خدمة لمصالح قد لا ترتفع إلى مستوى مصالح المجموعة الوطنية، وليس هذا الأمر مقصورًا على الدول العربية؛ ففي السنغال مثلاً يحدد قانون الأحزاب العام 1976 عدد الأحزاب نفسها بثلاثة فقط، وفي تركيا نجد أن مواد القانون التي تشير إلى منع اتصال العمل الحزبي بالدين عديدة، ويكفي في هذا الشأن الإشارة إلى أن المادة 84 نصت على ضرورة المحافظة على الطابع العلماني للجمهورية التركية.
إن قانون الأحزاب إذا كان لا بد منه لتنظيم الحياة السياسية والحفاظ على قيم المجتمع ومبادله والتمسك بمكتسباته وعدم التفريط فيها لا يجب أن يكون سلطة لحرمان الآخرين من حقوقهم السياسية وبالتالي لنقض الديمقراطية ذاتها.
الأحزاب الإسلامية ممنوعة
والأحزاب المسيحية موجودة
بقيام الحزب المسيحي السوفياتي ينضاف حزب مسيحي آخر إلى الأحزاب المسيحية المنتشرة هنا وهناك، وهذه الأحزاب ليست جديدة بل بعضها عريق في الحكم مثل الحزب الديمقراطي المسيحي المهيمن على الحياة السياسية في إيطاليا، ومن أبرز قادته ألدو مورو الذي اغتالته الألوية الحمراء والدريوني الذي تزعم الحكومة الإيطالية ومثل «الاتحاد المسيحي الديمقراطي» الحاكم الآن في ألمانيا وزعيمه هيلموت كول، وكذلك الحزب المسيحي الاجتماعي وزعيمه فرانز جوزيف شتراوس.
ولم يعترض أحد قديمًا أو حديثًا على تسميات هذه الأحزاب وضمها لكلمة «مسيحي» أو «مسيحية»، ولا تعني هذه التسميات أن أعضاء هذه الأحزاب ينكرون على مواطنيهم الآخرين مسيحيتهم وإنما هم يغلبون داخل حزبهم وضمن برامجهم رؤية ونظرة مأخوذة من الروح المسيحية، وإن تسمى حزب بالاشتراكية فإنما يعني ذلك أنه يغلب الجانب الاشتراكي في برامجه وخططه ومبادئه وأهدافه ويغلب العدل بالمفهوم الاشتراكي ويعطيه الأولوية.
وعلى هذا الأساس فإن الذين يقولون بأن أي حزب إسلامي سيحتكر الإسلام لنفسه وكأنه ينفي صفة الإسلام عن بقية المواطنين إنما يقعون في خلط مقصود أو غير مقصود؛ لأن قيام حزب إسلامي لا يعني أنه حزب طائفي يمثل طائفة المسلمين ولا يعني بالضرورة أنه حزب ديني فقهي وإنما هو حزب سياسي كباقي الأحزاب ويختلف عنها في كونه يركز على الاهتمام بالإسلام ويغلب الهم الإسلامي على أية هموم أخرى، ويرتكز في برامجه وأهدافه على مرتكزات الدين الإسلامي.
ولا ينفي ذلك أن الأحزاب الأخرى في البلاد العربية والإسلامية غير إسلامية؛ فالليبراليون لا يقصدون أن الآخرين دكتاتوريون والحزب الوطني لا يعني أن من كان خارجه هو خائن لا وطني وإنما الاختلاف في الأولويات والتركيز على برامج دون غيرها، وبهذا المفهوم يمكن القول أنه قد تنشأ أحزاب إسلامية مختلفة تحت مظلة الإسلام الواحدة فإذا تعددت المذاهب الفقهية والاجتهادات في الإسلام فلِمَ لا يحتمل الإسلام تعدد العمل السياسي اليوم أيضًا؟
أما الذين يقولون أن الأحزاب المسيحية في الدول الغربية تقوم أصلاً على فكر سياسي وليس على الكنيسة، في حين تسعى الحركات الاسلامية عندنا إلى الوصول إلى السلطة وإقامة الدولة الدينية فإن قولهم هذا مردود لأن الاسم مهما كان يدل على المسمى، ولم توجد كلمة «المسيحي – ومسيحية» في أسماء بعض الأحزاب الغربية اعتباطًا حقًّا، لقد قضي على دور الكنيسة في الحكم ولكن لم يقض على المسيحية كدين، وبالتالي فإن الأحزاب التي تسمي نفسها مسيحية لا زالت على صلة قوية أو ضعيفة سواء في أهدافها أو غاياتها أو برامج عملها أو نظرتها للعمل الاجتماعي والسياسي والاقتصادي والتعليمي والثقافي وغيره بجوهر المسيحية والروح الدينية، وإذا كانت المادية الغربية قد أضعفت الروح الدينية في المجتمعات الغربية فمن المؤكد أنه لو قويت الروح الدينية من جديد في تلك المجتمعات لأخذت الأحزاب المسيحية الغربية طابعًا دينيًّا مسيحيًّا أكثر وضوحًا مجاراة للوضع.
أما الذين يخوفون من قيام أحزاب إسلامية قائلين إن أي حزب إسلامي يريد الاستحواذ على السلطة وبناء دولة دينية تجاوزها الزمن فإنهم يغالطون الرأي العام مغالطة سخيفة؛ أولا لأن أي حزب مهما كان إنما يرمي إلى الوصول إلى السلطة، وما دمنا قد قبلنا بمبدأ الديمقراطية الغربية وبمبدأ التعددية؛ فما المانع أن يسعى الحزب الإسلامي شأنه في ذلك شأن أي حزب إلى الوصول إلى السلطة.
ثم من قال إن هذا الحزب الإسلامي إذا قدر له أن ينشط بحرية وأن يفوز في انتخابات ديمقراطية سوف ينشئ دولة دينية وليس في القرآن ما يدل على أن الأمة الإسلامية يجب أن  تدعو إلى نظام ديني للحكم؛ فالرسول صلى الله عليه وسلم لم يول أحدًا بعده وترك أمر الحكم شورى، والقرآن ذاته يطلب من الرسول صلى الله عليه وسلم أن يقف عند حدود الدعوة وليس له أن يعاقب الرافضين لدعوته بمقتضى ما جاء في هذه الدعوة، ثم إن أي حزب إسلامي كان أو غير إسلامي لا يمكن له أن ينجح إلا على أساس برنامج عمل يقدمه ويبني خطوطه الكبرى؛ فلماذا نستغفل الناس مسبقًا ونضع أنفسنا مكانهم لنشطب من البداية قيام حزب إسلامي؟
ويبقى السؤال قائمًا
ويبقى السؤال قائمًا ومطروحًا على دعاة الديمقراطية لماذا لا يسمح بتكوين أحزاب إسلامية؟ وباختصار شديد هناك فجوة كبيرة بين الكلام عن الديمقراطية والتعددية والحريات وبين الأفعال التي هي أكبر دليل على مزيد من تدخل الدولة وسيطرة حزب مهيمن وتقليم الأظافر المعارضة التي يراد لها أن تبقى شكلية وجزءًا من الديكور الديمقراطي.

الرابط المختصر :