; لماذا ينسحب الإسرائيليون من لبنان؟ | مجلة المجتمع

العنوان لماذا ينسحب الإسرائيليون من لبنان؟

الكاتب جمال الراشد

تاريخ النشر الثلاثاء 12-فبراير-1985

مشاهدات 55

نشر في العدد 704

نشر في الصفحة 28

الثلاثاء 12-فبراير-1985

  • حين ظن اليهود أنهم قضوا على المقاومة الفلسطينية ظهرت لهم المقاومة اللبنانية.
  • جماهير المسلمين في فلسطين المحتلة بدأت تتململ، فطورت المقاومة بالحجارة إلى المقاومة بالزجاجات الحارقة.
  • ريغان: أعطى الضوء الأخضر.
  • شارون: كبش فداء.

في 14 يناير «كانون ثاني» الماضي اتخذت حكومة العدو الإسرائيلي – بأغلبية 16 صوتًا، ومعارضة 6 وزراء من الليكود- قرارًا بسحب قواتها من لبنان، ولطالما هدد الإسرائيليون حكومة لبنان بسحب قواتهم من الأراضي اللبنانية من جانب واحد، إذا لم توافق الحكومة اللبنانية على الترتيبات الأمنية التي يريدها الإسرائيليون ويرفضها اللبنانيون، وهي مرابطة قوات للطوارئ الدولية في المناطق التي ينسحب منها الإسرائيليون والإبقاء على قوات العميل انطوان لحد في شريط حدودي لمسافة عشرة كيلومترات.

حين رفض اللبنانيون الشروط الإسرائيلية بدأ الإسرائيليون الانسحاب الذي أعلنوا أنه سيكون على مراحل ثلاث كما يلي:

  • المرحلة الأولى: تنتهي في 18 فبراير «شباط» الجاري، وربما قبل ذلك وتقضي بانسحاب القوات الإسرائيلية من مواقعها الحالية عند نهر الأولي -الذي يبعد 45 كم عن الحدود- إلى مواقع جديدة بين نهري الزهراني والليطاني، وتشمل هذه المرحلة الانسحاب من صيدا مع البقاء في صور والنبطية، وقد بدأ تنفيذ هذه المرحلة بالفعل.
  • المرحلة الثانية: من المقرر أن يبدأ تنفيذها في شهر إبريل «نيسان» المقبل، وتقضي بالانسحاب من البقاع حيث تواجد القوات السورية في الوقت الحاضر.
  • المرحلة الثالثة: من المقرر تنفيذها في مطلع الصيف القادم حيث ينسحب الإسرائيليون من باقي الأراضي اللبنانية.

وإذا كان الإسرائيليون لم يتفقوا مع الحكومة اللبنانية على ما يسمى بالترتيبات الأمنية التي اعتبروها شرطًا مسبقًا لانسحابهم، فكيف يمكن أن تتحقق هذه الترتيبات حين ينسحب الإسرائيليون بدون اتفاق؟ والسؤال منطقي، ويحتاج إلى جواب، إن كان الإسرائيليون سيعتمدون على مجموعات العملاء الذين سلحوهم فهؤلاء العملاء أعجز من أن يحموا أنفسهم ناهيك عن حماية الإسرائيليين، وقد بدأوا يهربون من المناطق المحتلة قبل أن ينسحب الإسرائيليون منها، 

وإن كان اليهود قد اطمأنوا إلى «الكانتونات» التي أقاموها خلفهم باعتبار أن عددًا من قادتها صرحوا أكثر من مرة بعدم السماح للفدائيين الفلسطينيين بالعودة إلى الجنوب والقيام بهجمات ضد اليهود، فإن مقاومة اليهود هذه المرة مقاومة لبنانية، وهناك من يعلن -من قادة هذه الكانتونات- أنه مع المقاومة اللبنانية، فماذا لو استمرت الحركة الجهادية الإسلامية المنطلقة من جنوب لبنان ضد الكيان اليهودي في فلسطين، حتى بعد أن تنسحب القوات الإسرائيلية من الأراضي اللبنانية؟ هل يقف «هؤلاء القادة» ضد هذه الحركة الجهادية للدفاع عن الكيان اليهودي في فلسطين؟

سؤال مطروح، وإن كان سابقًا لأوانه بعض الوقت.

وحين نتساءل: لماذا ينسحب الإسرائيليون من لبنان؟ لابد أن نتساءل أولًا: لماذا احتل الإسرائيليون لبنان؟

الأهداف المعلنة من قبل العدو حين غزا لبنان في صيف 1982، كانت «سلامة الجليل» أي حماية المستوطنات اليهودية المقامة في شمال فلسطين المسماة بالجليل، وتحقيق هذا الهدف كان يقتضي كما جرى الاتفاق مع الولايات المتحدة وبعض الأطراف العربية واللبنانية إبعاد الفلسطينيين إلى مسافة 45 كم عن الحدود الإسرائيلية، ثم توغل الإسرائيليون بعد ذلك إلى بيروت، وكانت الملحمة البطولية مع الثورة الفلسطينية ثم مجزرة صبرا وشاتيلا، بالتواطؤ مع الولايات المتحدة وبالاشتراك مع الكتائبيين والإقرار الضمني من أطراف أخرى.

وهكذا أعلن اليهود أن هدفهم هو تدمير منظمة التحرير، واستبعاد الفلسطينيين نهائيًا عن الساحة السياسية والعسكرية، وتحويل لبنان إلى محمية إسرائيلية أو مجموعة دويلات طائفية خاضعة للهيمنة الإسرائيلية، فهل تحققت هذه الأهداف من وراء الغزو الإسرائيلي للبنان؟

لا شك أن اليهود بالتعاون مع شركائهم الكبار والصغار استطاعوا القضاء -نسبيًا- على البنية العسكرية والهيبة السياسية لمنظمة التحرير الفلسطينية، وإخراجها بطريقة أو بأخرى عن ساحة المواجهة الفاعلة عسكريًا وسياسيًا، كما استطاعوا أن يضعوا نواة الدويلات الطائفية في لبنان، وأن يبقوا على «شرعية» الهيمنة الكتائبية، ولكن الأهداف النهائية لغزو لبنان لم تتحقق، فلماذا ينسحب الإسرائيليون قبل أن تتحقق كامل أهدافهم؟

يقول البعض ان انسحاب الإسرائيليين سيؤدي إلى اقتتال بين الطوائف اللبنانية المسلحة ومجازر ضد الفلسطينيين في المخيمات، وبذلك يحقق الإسرائيليون أهدافهم دون أن يكونوا مسئولين مسئولية مباشرة أمام الرأي العام العالمي، كما أنهم يستطيعون العودة كلما رأوا ذلك ضروريًا، ويبدو أن وجهة النظر هذه ألمح إليها الإسرائيليون في تبريرهم للانسحاب حتى يصبح «بقاؤهم» في لبنان مطلبًا لبنانيًا.

ويبدو أن مثل هذه «المناورات» الإسرائيلية لم تعد تنطلي على الإنسان العادي الذي يتابع الأحداث و يراقب ما يجري على الساحة اللبنانية، والله سبحانه وتعالى «يضع سره في أضعف خلقه» كما قيل، لقد كان لبنان الضعيف هو البوابة التي أرادت «إسرائيل» أن تعبر منها إلى «العصر الإسرائيلي» بعد توقيع اتفاقية الصلح مع السادات؛ لتضرب ضربتها الثالثة في الأردن حسب خطة شارون وتجعل منه وطنًا بديلًا للفلسطينيين بعد أن «تسوي أوضاع لبنان» ثم تكون الضربة الرابعة والخامسة.... إلى أن يتحقق شعارهم القائل «من النيل إلى الفرات ملكك يا إسرائيل».

ونحن هنا لا نعطي رأيًا يحتمل الصدق أو الكذب، ولكننا نقرر حقائق أثبتتها الوقائع والتقارير ومنها على سبيل المثال مذكرات ألكسندر هيغ، وزير الخارجية الأمريكي الأسبق، حيث يقول إن بيغن أخبره بعزم «إسرائيل» على غزو لبنان حين التقى به في القاهرة، أثناء تشييع جنازة السادات الذي اغتيل في 6 أكتوبر «تشرين أول» 1981، ولقد كان من المقرر أن يتم الغزو في ربيع عام 1982 أي قبل الانسحاب الإسرائيلي من سيناء، وهذا ما كان يلح عليه شارون وإيتان، ولكن بيغن رأي التريث لحين إجراء مزيد من المشاورات والتنسيق مع الولايات المتحدة وبعض الأطراف العربية ومنها الكتائبيون.

ثم تكررت الاجتماعات بين هيغ وشارون، ثم تبادل بيغن وريغان الرسائل بهذا الخصوص قبل أن تبدأ «إسرائيل» الغزو في يونيو «جزیران» 1982.

ويبدو أن الولايات المتحدة أعطت اليهود الضوء الأخضر، وحين تجاوز اليهود حدودهم كان لابد من كبش فداء من هنا وهناك فكانت إقالة هيغ وشارون.

ولما كان القضاء النهائي على البنية العسكرية لمنظمة التحرير أمرًا عسير المنال، فقد اكتفوا بتشتيتهم في سبع دول عربية، وحين بدأ الفدائيون العودة إلى البقاع كان لابد من الإيعاز لمن يهمه الأمر بإكمال المشوار، فكانت مسرحية الانشقاق ثم الرحيل مرة أخرى وهكذا وجدت المنظمة نفسها تخوض غمار معركة سياسية لإثبات وجودها، وحين نجحت في لم شعثها إلى حد ما خلال انعقاد المجلس الوطني الفلسطيني الأخير في عمان، اكتشفت أن الصراع السياسي لإثبات الوجود لم يكن إلا مقدمة للاعتراف بالقرار 242، وهو القرار الذي كان عبد الناصر أول من وافق عليه، والذي لم يأت على ذكر منظمة التحرير ولا على حق تقرير المصير للفلسطينيين، وإنما صاغه اللورد كارادون بخبث حين نص على «انسحاب إسرائيل من أراض احتلتها عام 1967». 

وهذا هو النص الإنجليزي بينما ترجم إلى اللغة العربية واللغة الفرنسية بإضافة «أل» إلى كلمة أراضي، وبالطبع فإن الإسرائيليين لا يعترفون بهذه الإضافة، وهذا يعني أن تعديلهم للحدود يعني تنفيذًا لهذا القرار، كما أن القرار نص أيضًا على حل مشكلة «اللاجئين»، وقد فهم اليهود هذا الحل باستيعاب الفلسطينيين في البلاد العربية، وأما تعويض من لا يرغب في العودة إلى بلاده فهذا ينطبق في نظر اليهود على اليهود أنفسهم الذين تركوا البلاد العربية، ونزحوا إلى فلسطين وصودرت أموالهم وهي بديلة عن أموال الفلسطينيين و «واحدة بواحدة».

نقول بينما يصارع الفلسطينيون للحصول على «شيء» من مائدة التسوية التي يجري إعدادها، ظهرت على الساحة اللبنانية ظاهرة جديدة لم تكن في حسبان أولئك الذين خططوا لغزو لبنان الضعيف المجزأ الذي استنزفته الحرب الأهلية، تلك هي ظاهرة الحركة الجهادية الإسلامية التي عرفت باسم «حركة المقاومة اللبنانية»، ولم يكن اليهود يتصورون في البداية أنها ستكون مؤثرة إلى هذا الحد، ولم يكن كثير من العرب الرسميين يعتقدون أن هذه المقاومة رغم حصارها ومحاولة احتوائها قادرة على البقاء، ناهيك عن قدرتها على هزيمة الجيش الإسرائيلي «الذي لا يقهر».

ولكن الحقيقة التي اعترف بها العدو قبل الصديق أن هذا الجيش عجز عن اقتحام بيروت إلا بعد خروج الفلسطينيين منها، وهو الآن عاجز عن البقاء في جنوب لبنان مادامت حركة المقاومة اللبنانية تكيل له الضربات الموجعة ليلًا ونهارا، ولذلك قرر أن ينسحب.

ولما كانت «الأرواح جنود مجندة ما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف» (مسلم:2638) كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن جماهير المسلمين في فلسطين المحتلة بدأت تتململ لتطور المقاومة بالحجارة إلى المقاومة بالزجاجات الحارقة، ويوم تعود الروح الجهادية إلى جماهير الأرض المحتلة في فلسطين كما عادت إلى جماهير الأرض المحتلة في لبنان فلا شك أن «حكماء صهيون» سيكتشفون أن «إمبراطورية إسرائیل» إذا كانت قد استطاعت اختراق العقل الرسمي العربي فهي أعجز من أن تخترق عقل أمة آمنت بالتوحيد وسلكت طريق الجهاد وتخطت جميع الحواجز التي وضعها الأقربون أولًا ثم الأبعدون.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 29

174

الثلاثاء 29-سبتمبر-1970

يوميات المجتمع (29)

نشر في العدد 193

192

الثلاثاء 26-مارس-1974

المجتمع الإسلامي (194)