; لمحات عن الزهد في عصر بني العباس | مجلة المجتمع

العنوان لمحات عن الزهد في عصر بني العباس

الكاتب عبدالله ناصر العويد

تاريخ النشر الثلاثاء 11-مايو-1993

مشاهدات 75

نشر في العدد 1049

نشر في الصفحة 44

الثلاثاء 11-مايو-1993

لم يكن المجتمع العباسي، في عصره الأول بالذات، مجتمعا منحلا أسلم نفسه للإلحاد والزندقة والشهوات، كما يدعي بعض مؤرخي الأدب، إنما هذا شاع في طبقة محدودة من الناس، أما عامة الشعب فإنها لم تعرف زندقة ولا مجونا. وإذا كانت خانات الكرخ والنخاسة والمغنين قد اكتظت بالجواري والمغنين، فإن مساجد بغداد أضحت عامرة بالنساك من العباد وأهل الصلاح، وكان في كل ركن منها حلقة الواعظ يذكر فيها بالخالق واليوم الآخر، بل إن من الوعاظ من كان يتجه إلى قصور الخلفاء ليعظ الحاكم، ومن أمثلة ذلك وعظ عمرو بن عبيد للخليفة المنصور، وصالح بن عبدالقدوس في وعظه للمهدي، وابن السماك عندما وعظ هارون الرشيد- يرحمه الله.

فقد حدثتنا كتب الأدب أن هارون الرشيد قال للداعية الواعظ ابن السماك: عظني. فقال بكل صراحة وشجاعة: يا أمير المؤمنين، اتق الله وحده لا شريك له، واعلم أنك واقف غدا بين يدي الله ربك، ثم مصروف إلى إحدى منزلتين لا ثالثة لهما: جنة أو نار. انتهت الموعظة، فبكى الرشيد حتى اخضلت لحيته! الله أكبر.

ومن وعظه للرشيد أيضا قوله: الدنيا كلها قليل، والذي بقي منها في جنب الماضي قليل، والذي لك من الباقي قليل، ولم يبق من قليلك إلا القليل.

ما أحسنها من موعظة موجزة معانيها تحوي كتبا!

ومن تلك المواعظ الخالدة ما حظي به المهدي حينما خصه صالح بن عبدالجليل رحمه الله، إذ قال: «كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولون: من حجب الله عنه العلم عذبه على الجهل، وأشد منه عذابا من أقبل على العلم وأدبر عنه، ومن أهدى الله إليه علمًا فلم يعمل به فقد رغب عن هدية الله وقصر بها. فاقبل ما أهدى الله إليك من ألسنتنا قبول تحقيق وعمل، لا قبول سمعة ورياء». انتهت موعظته العصماء، ما أجملها وما أدقها وما أشجعها.

وقد كثر الوعاظ والقصاص في ذلك العصر الزاهر، حتى إن الجاحظ أبا عثمان رحمه الله خصص لهم فصلا كبيرا مستقلا في كتابه البيان والتبيين. ها هو يقول عنهم: ومن القصاص موسى بن سيار الأسواري، وكان من أعاجيب الدنيا فصاحة، كانت فصاحته بالفارسية في وزن فصاحته بالعربية، وكان يجلس في مجلسه المشهور به، فتقعد العرب عن يمينه والفرس عن يساره، فيقرأ الآية من كتاب الله ويفسرها للعرب بالعربية، ثم يحول وجهه إلى الفرس فيفسرها لهم بالفارسية، فلا يدرى بأي لسان هو أبين.

ثم قص في مسجده أبو علي عمرو بن فائد الأسواري ستا وثلاثين سنة، فابتدأ لهم بتفسير سورة البقرة، فما ختم القرآن الكريم حتى مات؛ لأنه كان حافظا للسير وأوجه التأويلات، فكان ربما فسر آية واحدة في عدة أسابيع.

ووقف الجاحظ أيضا عند صالح المري، وعنه يقول: كان صالح المري القاص العابد البليغ كثيرا ما ينشد في قصصه هذا البيت:

فبات يروي أصول الفسيل                                        فعاش الفسيل ومات الرجل!

ومن ذلك ما يذكر من أنه مات ولد لعبيد الله بن الحسن قاضي البصرة آنذاك، فعزاه صالح المري بقوله: إن كانت مصيبتك في ابنك أحدثت لك عظة في نفسك، فنعم المصيبة مصيبتك، وإن لم تكن أحدثت لك عظة في نفسك فمصيبتك في نفسك أعظم من مصيبتك في ابنك!

سبحان الله! أين هذه التعزية من تعازينا في هذا العصر المادي؟!

وصالح بن مري هو ذلك الرجل الصالح الذي كان يردد في مجلسه: أعوذ بالله من الخسف والمسخ والرجفة والزلزلة والصاعقة والريح المهلكة، وأعوذ بك من جهد البلاء، ومن شماتة الأعداء، وأعوذ بك من التعب والتعذر والخيبة وسوء المنقلب.

ومن أولئك القُصاص الفضل بن عيسى الرقاشي، إذ يقول عنه أستاذنا الجاحظ: كان سجاعا في قصصه، وكان أخطب الناس، وكان متكلما قاصا مجيدا. ويروى من وعظه قوله: سل الأرض فقل من شق أنهارك، وغرس أشجارك، فإن لم تجبك حوارا أجابتك اعتبارا.

وكان بجانب هؤلاء الوعاظ كثير من العباد الذين يحيون حياة زهد شعارها التبتل والانصراف عن كل نعيم، تشوقا لما عند الله تعالى من النعم السرمدية، مؤثرين ما يبقى على ما يفنى. ومن أشهرهم سفيان الثوري المتوفى عام ١٦١هـ، وعبدالله بن المبارك ت ١٨١هـ، وسفيان بن عيينة ت ١٩٨هـ، وهو القائل: فكرك في رزق غد يكتب عليك خطيئة.

ومن أبرزهم أيضا عبدالواحد بن زيد ت ١٧٧هـ، وهو الذي أقام أول رباط، صومعة للناسكين، في مدينة عبادان، وفي هذه يقول أبو العتاهية إسماعيل بن القاسم بن سويد:

سقى الله عبادان غيثا مجللا                                     فإن لها فضلا جديدا وأولا

وثبت من فيها مقيما مرابطا                                        فما إن أرى عنها له متحولا

إذا جئتها لم تلق إلا مكبرا                                            تخلى عن الدنيا وإلا مهللا

فأكرم بمن فيها على الله نازلا                                      وأكرم بعبادان دارا ومنزلا

وأما الزهد في تلك الحقبة فتمثل في شيوخ كثر، وفي مقدمتهم إبراهيم البلخي المتوفى عام ١٦٠هـ، ورابعة العدوية ١٨٠هـ بالبصرة، وشقيق البلخي تلميذ ابن أدهم، ويقال إنه هو أول من تكلم بالزهد. كذلك ظهر فيهم معروف الكرخي من أهل كرخ بغداد، والمتوفى عام ٢٠٠هـ، ومن مأثور كلامه: من كابر الله صرعه، ومن نازعه قمعه، ومن ماكره خدعه، ومن توكل عليه منعه، ومن تواضع لله رفعه.

أرأيتم كيف أصبحت عبارته الأخيرة حكمة يترطب بها كل لسان إلى يومنا هذا؟

قلت: ومنهم أيضا، وما أكثرهم، بشر بن الحارث الحافي الخراساني المشهور، المتوفى ببغداد عام ٢٢٧هـ، ومن درر حكمه قوله: الجوع يصفي الفؤاد، ويميت الهوى، ويورث العلم الدقيق، وإذا أعجبك الكلام فاصمت، وإذا أعجبك الصمت فتكلم.

والزهد في ذلك العصر، وخاصة عند أولئك العلماء ممن سبق ذكرهم، يختلف عن زهد جاهلية القرن العشرين؛ إذ إن زهدهم نأى عن جادة الاستقامة.

نسأل الله أن يطهر العالم الإسلامي من خزعبلات من يدعون التصوف جهلا، وبحمد الله ظهرت كتب كثيرة تفضحهم، وتنبه المسلمين إلى خطرهم وفساد عقولهم العقيمة. وما أخبارهم إلا كمن يشاهد مسرحية هزلية مضحكة. نحمد الله الذي عافانا مما ابتلي به أولئك الضالون، هداهم الله.

وقد حاول بعض المستشرقين الربط بين زهد العابد المسلم وبين زهد المسيحيين ممن يعيشون في العراق والشام ومصر وغيرها. ويذكر الأديب الكبير الدكتور شوقي ضيف- وفقه الله- في كلامه عن الزهد في عصر العباسيين إذ يقول: ونحن لا نمنع التأثر العام، ولكن ينبغي أن يستقر في نفوسنا أن الزهد الإسلامي يختلف عن الزهد المسيحي في جوهره؛ إن الزهد عند المسيحيين ورهبانهم يقوم على أساس من فكرة الخطيئة، والإسلام لا يقر هذا وما تؤدي إليه من تعذيب الجسد، فإن لبدن الإنسان عليه حقا. لهذا نهى الإسلام عن العزوبة، بينما دعت إليه المسيحية. اهـ

ومن هؤلاء المستشرقين جولد تيسهر الذي حاول أن يربط بين مقدمات نزعة التصوف الإسلامية وبين التعاليم الحديثة عند أفلاطون، وما يتصل بها من مذهب الفيض ووحدة الوجود.

هذا والله أعلم، وبه التوفيق، وأصلي وأسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه.


اقرأ أيضًا:

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 1299

71

الثلاثاء 12-مايو-1998

استراحة المجتمع (1299)

نشر في العدد 1239

64

الثلاثاء 25-فبراير-1997

قلب الداعية