; لن ينزلق الإخوان إلى العنف.. لماذا ؟ | مجلة المجتمع

العنوان لن ينزلق الإخوان إلى العنف.. لماذا ؟

الكاتب د. عصام العريان

تاريخ النشر السبت 23-يناير-2010

مشاهدات 57

نشر في العدد 1886

نشر في الصفحة 18

السبت 23-يناير-2010

مصر

في حوار تلفزيوني مع د. وحيد عبد المجيد الخبير بمركز الدراسات الإستراتيجية والسياسية بالأهرام كان التركيز على مسألة الإخوان والعنف، وهل هناك احتمال ما -لا يجب إغفاله- بأن الإخوان يمكن أن يستدرجوا إلى العنف؟

جزمت قطعياً بأن هذا الاحتمال بعيد جدا جدا يصل إلى درجة الاستحالة الأسباب عديدة، يأتي في مقدمتها أن منهج الإخوان يعتمد الدعوة والتربية والتزكية للأفراد والإصلاح الشامل للمجتمعات والنصح للحكومات والنضال الدستوري من أجل التغيير، وتداول السلطة عبر صناديق الانتخابات، وكذلك هناك أسباب أخرى أهمها: التجارب الإخوانية الفاشلة التي تم مراجعتها بأمانة، والحوادث الفردية التي وقعت من بعض الإخوان في مصر وأدائها الإخوان قيادة ومؤسسات وانقطاع تلك الحوادث منذ أكثر من ٤٥ سنة كاملة واعتماد الإخوان منذ ذلك الوقت وبحسم عدم الولوج إلى أي طريق تؤدي إلى العنف، بل إدانتهم الكاملة لكل حوادث العنف التي وقعت منذ بداية السبعينيات من القرن الميلادي المنصرم القرن العشرين في مصر وغيرها وحتى يومنا هذا.

ويمكن أن أضيف إلى تلك الأسباب الجوهرية سببا لا يقل أهمية، وهو المراجعات التي قام بها الشباب وقادتهم من الجماعات الأخرى، ممن رفضوا منهج الإخوان المسلمين ابتداء لأسباب نفسية وفكرية وعصبية جهوية، وانتهاء باستعجال الوصول إلى الهدف الكبير وهو تطبيق الشريعة الإسلامية والحكم بما أنزل الله، وقد راجعت تلك الجماعات كالجماعة الإسلامية وجماعة الجهاد مناهجها الفكرية الداعية إلى العنف كأسلوب انقلابي للوصول إلى سدة الحكم، أو اللجوء إلى حرب عصابات لإنهاك النظم الحاكمة بغية إسقاطها ثم الاستيلاء على السلطة، أو مهاجمة الأقليات المسيحية أو السياح الأجانب من أجل الضغط على الحكومة والنظام للحصول على بعض المكاسب أو تحقيق بعض المطالب، لم تكتف تلك الجماعات فقط بمراجعة ممارساتها الخاطئة في شجاعة، بل تصدت لأصل القضية وهو السند الفقهي أو الفكري أو الحركي لاتخاذ العنف سبيلا للوصول إلى هدف نبيل، ويمكن إضافة هذه المراجعات إلى ما سبق أن كتبه مفكرون من الإخوان كالشيخ القرضاوي وغيره، والذي أكد في كتابه الأخير عن «فقه الجهاد » لدحض فكرة العنف الأهلي والتغيير الفوقي للنظم الحاكمة والوقوع في فخ الفتنة الدموية، ليؤكد في النهاية أن خيار الإخوان الأصيل بالابتعاد عن العنف كمنهج للتغيير، واعتماد الإصلاح الاجتماعي بتغيير النفوس، والنضال الدستوري عبر المؤسسات الدستورية البرلمانية هو الأحق بالاتباع حيث عاد إليه الجميع تقريبا، وفي تصور الإخوان المسلمين أنه ليس هناك طريق أخرى تحقق الهدف المنشود يقول حسن البنا: إن هذه الطريق مهما طالت فليس هناك غيرها في بناء النهضات بناء صحيحا، وقد أثبتت التجربة صحة هذه النظرة، وأن العامل يعمل لأداء الواجب أولا ، ثم للأجر الأخروي ثانيا، ثم للإفادة ثالثا، وهو إن عمل فقد أدى الواجب وفاز بثواب الله ما من شك في ذلك، متى توفرت شروطه، وبقيت الإفادة وأمرها إلى الله، فقد تأتي فرصة لم تكن في حسبانه تجعل عمله يأتي بأبرك الثمرات، على حين أنه إذا قعد عن العمل فقد لزمه إثم التقصير، وضاع منه أجر الجهاد وحرم الإفادة قطعا ...

ويقول أيضا للمتعجلين ومع هذا فالإخوان أعقل وأحزم من أن يتقدموا لمهمة الحكم ونفوس الأمة على هذه الحال، فلابد من فترة تنتشر فيها مبادئ الإخوان وتسود، ويتعلم فيها الشعب كيف يؤثر المصلحة العامة على المصلحة الخاصة .. ويتكلم باستفاضة عن الإخوان والقوة والثورة، فيقرر: إن القوة هي شعار الإسلام في كل نظمه وتشريعاته، بل هي شعار المسلم حتى في دعائه الذي هو مظهر الخشوع والمسكنة. ثم يقول بوضوح ولكن الإخوان المسلمين أعمق فكرا وأبعد نظراً أن تستهويهم سطحية الأعمال والفكر، فلا يغوصون إلى أعماقها ولا يزنوا نتائجها، وما يقصد منها ويراد بها فهم يعلمون أن أول درجات القوة قوة العقيدة والإيمان، ويلي ذلك قوة الوحدة والارتباط، ثم بعدها قوة الساعد والسلاح...

ويضيف ونظرة أخرى : هل أوصى الإسلام - والقوة شعاره - باستخدام القوة في كل الظروف والأحوال، أم حدد لذلك حدوداً، واشترط شروطا، ووجه القوة توجيها محدوداً.

ونظرة ثالثة: هل تكون القوة أول علاج، أم أن آخر الدواء الكي؟ وهل من الواجب أن يوزان الإنسان بين نتائج استخدام القوة النافعة ونتائجها الضارة وما يحيط بهذا الاستخدام من ظروف، أم من واجبه أن يستخدم القوة وليكن بعد ذلك ما يكون ؟ ... إذن طريق الإخوان معروفة سلمية دستورية علنية وسطية، تعمل وفق القانون الإلهي الثابت: ﴿ إن الله لا يُغيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بأنفسهم  (الرعد)

وهنا يرد تساؤل الصديق د. وحيد عبد المجيد أليس من المتوقع أن ينزلق الإخوان إلى العنف اضطرارا وليس اختيارا كما حدث في سورية مثلا ؟ أقول إن تجربة سورية لا يجوز القياس عليها، خاصة أنها لم تتكرر في أي مكان آخر، وأيضا لأن مراجعتها تمت في مؤسسات الإخوان، ولولا تدخل الأجهزة الأمنية لحدثت مصالحة بين الإخوان السوريين وبين النظام السوري منذ نهاية الثمانينيات. وتجربة سورية تحتاج إلى بحث مستقل تماماً.

ولا تكفي فيها تلك الكلمات السريعة، إلا أنني أضيف هنا للأهمية أنه لا توجد لا نية ولا استعداد، ولا قدرة على ذلك وسط العمل العلني الواسع الانتشار والمتابعة الأمنية الشديدة التي اعتقلت خلال ١٥ سنة قرابة ٣٠ ألفا من الإخوان، لم تجد لديهم لا وثيقة ولا ورقة ولا أدوات ولا أفكارا أو حتى أحلاما يمكن استخلاصها تحت التعذيب بأن هناك اتجاها إلى العنف.

وقد لجأ بعض المحامين المنتدبين في المحاكم العسكرية للإخوان لنفي تهمة العنف والإرهاب فما كان من الضابط رئيس هيئة المحكمة المجلس العسكري إلا أن تدخل بحسم ليقول للمحامي المنتدب ليس هناك في الأوراق تهم بالعنف أو الإرهاب.

ويتساءل د. وحيد مع آخرين أليس من الممكن في ظل عدم جدوى المشاركة السياسية والانسداد السياسي والإقصاء الدستوري أن يلجأ الإخوان إلى العنف؟

وأجيب باختصار إن جدوى مشاركة الإخوان في العمل السياسي يجب أن يتم قياسها وفق خطتهم هم، وليس إستراتيجيات غيرهم، ووفق الأهداف التي حددوها هم وليس أهدافنا في ذهن غيرهم، وإن خالفت المستقر في العلوم السياسية التي تجعل الهدف الرئيس والنهائي للمشاركة السياسية هو الوصول إلى تداول السلطة وتبوؤ الحكم.

لذلك يجعل الإخوان لمشاركتهم السياسية في ظل الانسداد السياسي واحتكار السلطة أهدافاً جزئية وفرعية، مع العمل المتواصل والدؤوب لتحقيق إصلاح شامل يبدأ بإصلاح دستوري وسياسي تتضافر عليه جهود كل القوى السياسية، ويؤيده ويشارك فيه الشعب كله بكل فئاته حتى يتحقق الهدف الأصيل للانتخابات وهو تداول السلطة سلميا.

الرابط المختصر :