العنوان مأساة المسلمين في أرتيريا
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 07-سبتمبر-1982
مشاهدات 149
نشر في العدد 586
نشر في الصفحة 34
الثلاثاء 07-سبتمبر-1982
بمناسبة الذكرى الحادية والعشرين لانطلاق الثورة المسلمة في أرتيريا أصدرت جبهة التحرير الأرتيرية قوات التحرير الشعبية بيانًا مستخلصًا من واقع تاريخ الثورة وتجربتها المريرة ونثبت بيانها هذا راجين الله تعالى أن يكلل جهود كل المؤمنين والمخلصين بالنجاح والتوفيق.
الذكرى الحادية والعشرون للثورة الأرترية
يصادف اليوم الذكرى الحادية والعشرون لانطلاق الثورة المسلحة في أرتيريا، وإنها من أعظم المناسبات في تاريخ شعبنا والتي تحتاج منا إلى وقفة استخلاص الدروس والعبر عبر مسيرتنا الطويلة.
ففي مثل هذا اليوم وقبل الحادي والعشرين عامًا انطلقت الشرارة وكانت تعبيرًا عن رفض الجماهير الأرتيرية للاستعمار والاحتواء والطلائع الأولى التي انطلقت إلى أرياف أرتيريا وجبالها معلنة الثورة المسلحة بقيادة الشهيد البطل حامد إدريس عواتي لم تكن تمتلك من الأسلحة سوى خمسة بنادق إيطالية عتيقة ولم تكن تحظى بتأيد دولي أو دعم خارجي، ولكنها كانت تمتلك ما هو أعظم من كل ذلك إنها كانت تمتلك سلاح الإيمان بقضيتها العادلة وكانت تمتلك التأييد المطلق من قبل الجماهير الأرتيرية قاطبة.
كانت أرتيريا آنذاك مستعمرة أثيوبية، أمريكية، إسرائيلية، كان الأثيوبيون يحتلون كل شبر من أراضي أرتيريا بجيوشهم ويحكمونها بالحديد والنار، وكانت أمريكا وإسرائيل بقواعدهما العدوانية وخبرائهما ومستشاريهما وشبكات تجسسهما، ولكن الرعيل الأول للثورة لم يضع لكل ذلك حسابًا بل اعتمد على الله وعلى نفسه وشعبه وعدالة قضيته وانطلق في طريق التحرير وغير هياب أو وجل وبالتالي تمكن من تحقيق المعجزات وظلت راية الثورة عالية خفاقة حتى اليوم بعد أن تجاوزت الحدود الأرتيرية إلى العالم الفسيح، حقًّا إنها تجربة رائدة تصلح نبراسًا ومنارة لجيلينا الحالي والأجيال القادمة، فإرادة الشعوب فوق كل إرادة. ولن تستطيع أي قوة في الأرض من هزيمة وإخضاع أي شعب مؤمن بحقه وبقضيته العادلة.
لقد ظل الامبراطور السابق هيلي سلاسي يكابر وينطح الصخر برأسه محاولًا القضاء على الثورة الأرتيرية وهي في مهدها، ولتبرير استعماره لأرتيريا لجأ لكل الأساليب والحيل فقد زيف الحقائق والتاريخ وادعى بأن أرتيريا جزء من امبراطوريته مع أنه قام باحتلالها عسكريًّا أمام مرأى ومسمع من العالم خارقًا قرارات الأمم المتحدة وذلك يوم 14/11/1962م. وللقضاء على الثورة الأرتيرية استعان بأعتى دولة إمبريالية وهي الولايات المتحدة وسمح لها بإقامة قاعدتها العسكرية وهي قاعدة «قانيواستيشن» في أسمرا. وسمع لها باستعمال المطارات والموانيء الأرتيرية وبكل التسهيلات وفق اتفاقية الدفاع المشترك التي عقدها معها ولم يكتف بذلك بل فتح باب أرتيريا على مصراعية أمام الإسرائيليين ليباشروا النشاطات الزراعية والتجارية وصيد الأسماك على أن يقوموا مقابل ذلك بمحاربة الثورة الأرتيرية بتدريب الجيش الأثيوبي وإمداده بالسلاح والخبراء وقيام شبكة التجسس الإسرائيلية بتعقب نشاطات الثورة الأرتيرية داخليًّا وخارجيًّا ولكن كل ذلك لم ينفع الإمبراطور السابق فقد فشل في القضاء على الثورة الأرتيرية بل عصفت الرياح بعرشه وانهار إلى الأبد ورحل عن الدنيا مهمومًا مغمومًا وظلت الثورة الأرتيرية عملاقة شامخة رافعة رأسها عاليًا وأقدامها ثابتة في أعمال التربة الأرتيرية. فالمستقبل للشعوب وحركة التاريخ تعمل لصالحها. أما الأباطرة والمستعمرون فإلى الزوال المحتم مهما تظاهروا بالقوة والعنفوان المؤقت.
ذهب الإمبراطور هيلي سلاسي وجاء الرفيق الإمبراطور منغستو هيلي ماريام. فما أشبه الليلة بالبارحة، لقد تغيرت الوجوه والأقنعة ولكن ظل الجوهر والمسلك واحدًا، فمنغستو هيلي ماريام لجأ إلى المعسكر الاشتراكي رافعًا شعارات التقدم دون أن يكسر جسوره من المعسكر الغربي واندفعت الدول الاشتراكية في دعمه عسكريًّا وسياسيًّا واقتصاديًّا. كما أن دول المعسكر الغربي لم تسفر عن أي موقف معادٍ له مؤملة أن يعود إلى حظيرتها. أما منغستو فقد استغل دعم المعسكر الاشتراكي له لقمع الثورة الأرترية عسكريًّا وتزييف إرادة الشعب الأرتيري والإساءة للنضال الأرتيري وتشويهه. وفي هذا لم يختلف من مسلك الإمبراطور السابق. ولكننا ومن خلال تجربتنا في صراعنا مع الإمبراطور السابق ومن خلال استقرائنا لسير الأحداث ورصدها فإننا واثقون بأن النصر في النهاية سيكون للثورة الأرتيرية رغم كل الصعوبات الراهنة والتي تعتبر حالة مؤقتة.
أعلن منغستو هيلي ماريام في خطابه الأخير في أسمرا بتاريخ 25/1/1982م بدء الحملة العسكرية العدوانية السادسة ضد شعبنا وثورته «الحملة المسماة «بالنجم الأحمر» وقال أنه سيسحق الثوار الأرتيريين وذلك بعد أن جمع كل وزرائة وكل أعضاء الدرقي الحاكم وكل أعضاء اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الحاكم المسماة حزب الشعب العامل الأثيوبي وكل حكام المحافظات الثلاثة عشر الأثيوبية ومسؤولي المنظمات الجماهيرية بجانب القيادات العسكرية العليا وذلك حتى يأخذ بصماتهم على قراره بسحق أرتيريا بالقوة الغاشمة. ولكنها فشلت بفضل صمود شعبنا الأرتيري ودفاعه المجيد عن وطنه وكرامته.
إن ما يدعو للدهشة هو احتشاد كل القوى المتناقضة من أقصى اليسار ضد شعبنا والذي بطالب فقط بحق البقاء حرًّا في بلاده بعد أن أسلمته المؤامرات الإمبرياليه لقمة سائغة للتوسع الأثيوبي عام 1950م فحتى الغرب الذي تثير حكوماته وصحفه الزوابع عندما يتعلق الأمر بتدخل السوفييت في منطقة من مناطق العالم، نجده يلوذ بالصمت تجاه المجزرة التي تجري في أرتيريا، ويقوم الاتحاد السوفياتي بتمويلها وتسليحها حيث بلغت المساعدات العسكرية السوفيتيه لأثيوبيا أكثر من 2500 مليون دولار بل إن دول الغرب وبخاصة أوروبا الغربية تنافس السوفييت في كسب ود النظم الفاشيستي الدموي في أثيوبيا والذي يتخذ من الماركسية شعارًا له، فتقدم له الدعم الاقتصادي بمختلف الصور. ولعلم هذه الدول فإن هذه المساعدات يستعملها نظام منغستو في حروبه العدوانية ضد أرتيريا وضد الصومال وضد القوميات المضطهدة، وإن الأغذية التي قدمتها دول السوق الأوروبية المشتركة لأثيوبيا في العام الماضي ذهبت معظمها إلى جيوشها التي يزيد عددها عن 250 ألف جندي بينما متوسط الدخل السنوي للفرد في أثيوبيا لا يتجاوز 180 دولارًا لتصبح أثيوبيا بذلك خامس أفقر دول في العالم وفي الوقت ذاته يعلن النظام وفاة 30 ألفًا نتيجة المجاعة ويتعرض خمسة ملايين للموت جوعًا.
إن العدالة لا تتحمل مواقف متناقضة تجاه قضايا متشابهة. فإذا كان الرأي العام العالمي يدين الاستعمار وتدخل الروس في أفغانستان ويدين التدخل الكوبي في أنجولا ويدين كبت الحريات العامة في بولندا فإن الحالة في أرتيريا لا تختلف إن لم تزد سوءًا فنحن شعب حرمتنا الأمم المتحدة من حقنا في تقرير المصير، وأقرت مشروع الاتحاد الفيدرالي الذي اقترحته الولايات المتحدة الأمريكية واستعملت نفوذها لتمريره.
يكفي أن نشير في هذا الصدد إلى برقية بعث بها سفير أمريكا في أديس بابا بتاريخ 17/8/1949م قائلًا «على الولايات المتحدة أن تحول دون وصول هذه البعثة لأن 75% من الشعب الأرتيري على الأقل يؤيد الاستقلال».
وليس من قبيل الصدفة أن يواجه شعبنا في كل من أرتيريا وفلسطين مؤامرة دولية كبرى منذ 1948م وإبادة جماعية أولى من نوعها كانت من أرتيريا بعد سنة 1967م مباشرة ولجأ أول فوج من الأرتيريين إلى خارج البلاد من جراء تلك الحرب العدوانية، وواجه شعبنا أيضًا قبل ثلاثة أشهر أبشع الحملات العسكرية وهي السادسة، وحتى المدنيين العزل دون تمييز الرجال والنساء والأطفال في حملة إرهابية المدعمة بقوى أجنبية كبرى، مستعملًا أحدث الأسلحة والغازات السامة وغاز الأعصاب المحرم دوليًّا كما كان الحال في بيروت ضد الشعبين اللبناني والفلسطيني.
بهذه المناسبة نعبر عن إدانتنا الشديدة للعدوان الصهيوني الغادر ضد الشعبين الفلسطيني واللبناني وضد الثورة الفلسطينية التي تشكل ضمير الأمة العربية اليقظ وروحها الثورية المتوثبة، كما ندين الدعم الأمريكي المكشوف لهذا العدوان الغادر، ونشيد بالصمود البطولي للثورة الفلسطينية وقيادتها الشجاعة التي وقفت مع مقاتليها وشعبها الباسل في مستنقع الموت.
ونؤيد كفاح الشعب الصومالي الغربي وتنظيمه وشعب أفغانستان في كفاحهما العادل في حقهما في تقرير المصير والاستقلال الوطني للعيش في بلديهما في أمن وأمان وخروج القوات الأجنبية المعتدية من كلا البلدين، وكما نؤيد كل حركات التحرر ضد الاستعمار والعنصرية في العالم لنيل حريتها واستعادة كرامتها الإنسانية.
ونناشد الشعوب العربية وحكوماتها وشعوب العالم ومنظماتها الدولية والإقليمية قاطبة، أن تدين الحملات الهمجية التي تشنها على شعبنا الحكومة العسكرية في أثيوبيا بمساعدة القوى الأجنبية وتأييد قضيتنا العادلة وحق تقرير المصير والاستقلال الوطني لشعبنا في أرضه ووطنه.