العنوان مأساة المهاجرين العرب بين شمال إفريقيا وأوروبا
الكاتب نوال السباعي
تاريخ النشر الثلاثاء 29-أبريل-1997
مشاهدات 77
نشر في العدد 1247
نشر في الصفحة 39
الثلاثاء 29-أبريل-1997
شؤون دولية
مدريد:
تكشفت التحقيقات التي تجرى على قدم وساق منذ مطلع الأسبوع الأخير من شهر مارس المنصرم، عن وجود شبكات إجرامية واسعة الانتشار، تعمل بالمتاجرة بالمهاجرين بين منطقة المغرب العربي، والقارة الأوروبية عبر الأراضي الإسبانية.
وكان حادث أليم قد تسبب في إنقلاب شاحنة على الحدود الإسبانية-الفرنسية، فأتى على حياة عدد من الأشخاص وجميعهم من المهاجرين المغاربة غير القانونيين الذين كانوا يسافرون داخل الشاحنة مختفين بين الصناديق المعبأة بالقوارير الزجاجية الفارغة المعدة لإحدى مصانع العطور الفرنسية، قد كشف عن هذه المأساة.
وتتراوح أعمار الأحد عشر شابًا الذين لقوا حتفهم في هذه الشاحنة مسحوقين بين العبوات الزجاجية ما بين ثمانية عشر، وخمسة وعشرين عامًا، كانوا قد خرجوا من بلادهم طلبًا للرزق وبحثًا عن مستقبل أفضل، دون أن يخطر في بال أحدهم، أن نهاية ذلك السعي، كانت ذلك الموت المحتم، في غربة، وكربة، وشاحنة تعمل ذهابًا وإيابًا على حدود أوروبا، ومتاجرة بأقدار الرجال وآلامهم، وأموالهم.
قصاصة من صحيفة
مجرد قصاصة من ورق الصحف، تحتوي على إعلان بسيط بأحرف صغيرة في تطوان أو طنجة، أو أي مدينة مغربية أخرى يمكن أن تكون الخطوة الأولى للوقوع في مصيدة، يظن المغرورون بها أنهم يحققون من خلالها أحلامًا عريضة، لا يدرون أنها قد تنقلب إلى كابوس. وتعمل العناصر السرية لشبكات الإتجار بالمهاجرين على الانتشار بين الناس في تلك المدن، حيث ينتشر الفقر، والعطالة عن العمل ويجد الشباب أنفسهم في متاهة يصعب الخروج منها بين حجري طاحون الفساد الإجتماعي والظلم السياسي، وعدم توفر الفرص التي تتطلع إليها شبيبة اليوم للحاق بركب التقنية الحديثة والعلوم والآفاق الكثيفة والمتشعبة التي تقدمها يومًا فيومًا الحضارة المادية المتركزة في الغرب وفي أوروبا، التي تعتبر إسبانيا بوابتها مهما رفضت إسبانيا هذا الاسم، وهذا الموقع الجغرافي التاريخي النفيس، الذي تبوأته يوم عبر طارق بن زياد بجيشه ذلك المضيق، فحمل النور والأمن والحضارة، يوم كان النور والأمن والحضارة.... حكرًا لعالم الجنوب الذي لا يعرف الأنانية، ولم يستأثر بالخير لنفسه، وإنما فتح الدنيا، لنشر رسالة الإسلام، ومعها الخير للإنسانية جمعاء.
عمليات صيد المهاجرين
ويشرح السيد عبد الحميد البيوكي المحامي المسؤول عن جمعية المهاجرين المغاربة في إسبانيا (A.T.I.M.E) الكيفية التي تتم من خلالها عملية الصيد هذه فيقول: «تبدأ هذه الصفقة السرية، ودائمًا، على أبواب المقاهي المنتشرة في الأحياء الفقيرة، أو عند مدخل القنصلية الإسبانية في المغرب، حيث يصطف الناس أرتالًا لطلب إشارة بالدخول إلى إسبانيا «بيسادو-فيزا».. وهو الإذن الذي لا يحصل عليه إلا القوي الشديد، والمرفوض دائمًا من قبل السفارة بالنسبة لأغلبية الناس العظمي».
هناك تبدأ المساومات ويفرض قانون العرض والطلب نفسه، وهناك تمارس عملية عرض العديد من الصفقات، فمنها ما يقتصر على نقل المهاجرين إلى شبه الجزيرة وهو الاسم الذي يطلق على إسبانيا والبرتغال، ما عدا أراضي السبتة ومليلة، ومضيق جبل طارق، ومنها ما يتجاوز ذلك إلى إيصال المهاجر حتى مدريد أو برشلونة، أو إلى بلد أوروبي بعينه، كإيطاليا وفرنسا، وهولندا.
وهناك عروض تتضمن إذن إقامة، أو عقد عمل، أو كليهما، وكل عرض له ثمنه الذي يختلف باختلاف المافيا التي تعرضه، وباختلاف الضمانات التي يمكن لهذه العصابات أن تقدمها، أو نسبة النجاح الذي اعتادت أن تحققه أو ما تتمتع به من سمعة، وثقة بين الناس.
وتبلغ كلفة نقل الرجل الواحد إلى شبه الجزيرة، أي عملية عبور المضيق فقط ٥٠٠ دولار تقريبًا– قيمة الدخل الفردي ۱۰۳۰ دولارًا، حسب ما جاء في الموسوعة الإسبانية أوثيانو الصادرة عام ١٩٩٦م– تتضاعف حتى تصل إلى ٤٠٠٠ دولار من أجل الوصول إلى بلد أوروبي، أو الجواز إلى شبه الجزيرة، والاختفاء في ملجأ مؤقت، ووعد مجرد وعد بالحصول على الأوراق الرسمية من الإقامة القانونية، وتختلف تكاليف الرحلة تبعًا لأحوال البحر، إن كان هائجًا مضطربًا، أو ساكنًا هادئًا، كما تختلف تبعًا لحجم الزورق وبراعة الدليل، ودرجة كثافة الحراسة على الحدود.
ولا يمكن إغفال وضع سفن الصيد الإسبانية، التي دخلت في الآونة الأخيرة حلبة معركة الإتجار بالمهاجرين، خاصة بعد أن وافق الإتحاد الأوروبي مرغمًا على تمديد فترة الإستراحة البيولوجية التي طالبت بها المغرب لوقف عمليات الصيد في مياهها الإقليمية لتمنح للأسماك والحيوانات البحرية فرصة التكاثر الطبيعي، وبلوغ الحيوانات البحرية درجة النمو الحيوي الذي يمكن معه اصطيادها دون القضاء على الأنواع والأجناس المعنية.
وكان لابد للصيادين الإسبان من الانضمام إلى شبكات الإتجار بالمهاجرين، أو إنشاء شبكات خاصة بهم، بالتعاون مع عناصر مغربية أو إسبانية تقيم في المغرب.
ذلك أن الجوع لا يرحم، ولقد بات الفقر المدقع يهدد قطاعات الصيد والصناعات والتجارة الملحقة به، بالإفلاس والدمار التام منذ خضعت إسبانيا لسياسات الإتحاد الأوروبي وخططه الاقتصادية.
صفقات الأوهام
ولقد انقلبت هذه المغامرة التي تبدأ بقصاصة من ورق الصحف، تحمل إعلانًا يزين للناس ما يفتح أمامهم سبل النجاة، انقلبت من الزمن لتصبح مأساة إنسانية ترافق مسيرة العبور الدائبة هذه من الجنوب إلى الشمال، فلقد أصبح عبور مضيق جبل طارق على متن القوارب والعابرات الخشبية مجرد أستعاض لبؤس هؤلاء المهاجرين، وعريهم، وضياعهم!!
ولقد بلغ عدد الذين لقوا حتفهم في المضيق منذ عام ۱۹۸۸ م أكثر من ألف إنسان، ربعهم كان قد لقي مصرعه خلال السنوات الأربع الماضية غرقًا وغمًا وغربة!
ولا تقف مأساة هؤلاء الشباب –ومعظمهم لا يتجاوز السادسة والعشرين من العمر– عند تحطم القوارب والموت في ظلمات المضيق والعودة إلى أوطانهم في توابيت باتت رمزًا لليأس والإحباط الذي يكبل حياة عشرات الآلاف، بل عشرات الملايين من بني البشر الذي يودون البحث عن حياة أفضل في عالم آخر فيسلكون لذلك أقدم وسيلة عرفها التاريخ لاستجداء خيرات الأرض.
ولكنهم مع ذلك كله، يخلفون وراءهم أسرًا كاملة، كانت قد باعث أو رهنت كل ما تملك في سبيل الحصول على القروض الباهظة التي يحتاجها الأبناء في سبيل عبور هذه العقبة نحو عالم الأحلام الواقع هناك في الشمال، ترقبًا للرزق، وأنتظارًا للفرج، وظنًا من هذه الأسر بأن باستطاعة هذا الشاب لدى عبوره المضيق أن ينتشل ذويه من حالة الضياع دون العثور على المخرج وتتسبب وفاة هؤلاء الأبناء قبل وصولهم شواطئ إسبانيا، في تورط تلك الأسر الفقيرة في عمليات سداد الديون التي تتضاعف بالفوائد إلى أضعاف مضاعفة قد يستهلك سدادها عقودًا من الزمان ومزيدًا من محاولات الهجرة والهروب الدائم نحو عوالم عبر صفقات الأوهام.
أما أولئك الذين ينجون من لجج المضيق وأهواله ومراصد شرطة الحدود الإسبانية وصعوبتها، وأخلاقها، وطرق عملها الفجة غير الإنسانية، فإنهم يبدؤون رحلة جديدة من العذاب قد تكون سيرًا على الأقدام عابرين إسبانيا من جنوبها إلى شمالها، وعلى مدى أشهر كاملة بحثًا عن مأوى، وفرصة عمل.
وتقدر وزارة الداخلية الإسبانية –وفق الإحصاءات الرسمية لعام ١٩٩٦م– عدد المهاجرين غير القانونيين في إسبانيا بأربعمائة ألف بعضهم كان قانونيًا خلال فترة من الزمان -صحيفة البابيين ١٩٩٧/٢/٢٠م، ويعمل هؤلاء الذين لا يرتبطون مع شبكات الإتجار بالمهاجرين إلا بصفقة العبور إلى شبه الجزيرة يعملون بكل ما يمكن للمرء أن يتصوره من غسل الصحون في المطاعم المنتشرة على طرق السفر إلى جني المزروعات، أو حراسة المداجن أو تنظيف الخنازير، أو غير ذلك من الأعمال التي بات الإسبان يأنفون من العمل فيها، أو أن الأيدي العاملة فيها أصبحت غالية إلى درجة غير عادية.
أما المهاجرون الذين عقدوا مع عصابات المافيا صفقات كاملة، فإنهم ينتظرون في المدن الإسبانية الرئيسية مدة ثلاثة أشهر، مختفين في الملاجئ السرية المعدة من قبل شبكات الإتجار بالمهاجرين بانتظار تسلم الأوراق اللازمة لإقاماتهم، وعملهم حيث يقوم أحد المحامين بالعمليات اللازمة لاستصدارها، ومن ثم يتم إبلاغ المهاجر المدلل الذي أستطاع أن يدفع ٤٠٠٠ دولار من أجل الوصول إلى مدريد أو برشلونة برفض السلطات إقامته في البلاد، ويصدر بعد ذلك مباشرة أمر قضائي يلزم هذه الفئة من المهاجرين بمغادرة إسبانيا الفورية، ونادرًا... بل نادرًا جدًا ما يلتزم أحد منهم بهذا الأمر.
يقول الأستاذ البيوكي: «إنه يستحيل الآن معرفة عدد الشبكات العاملة في الإتجار بالمهاجرين، ولكنها جميعًا تشترك في أمر واحد، فلقد نشأت صغيرة جدًا، وولدت معتمدة على أشخاص قلائل، بدأوا أعمالهم كهواة، ثم طوروا وسائلهم، ونظموا نشاطاتهم على أساس من العلاقات الشخصية المتينة»..
ويقول «خوسيه ماريا فرنانديز» المسؤول العام في مكتب محامي الشعب في إسبانيا: «إن وجود هذه الشبكات ليس سوى مشكلة ضاربة في القدم، ولقد أطلق محامي الشعب صيحات الإنذار لوزارة الداخلية حول هذا الموضوع الخطير، بل أكثر من ذلك، لقد قام السيد البيوكي شخصيا باقتياد بعض الأشخاص المتورطين مع عصابات المافيا إلى مراكز الشرطة.
ولكن وعلى الرغم من البلاغات المتكررة وبعض الحوادث المكشوفة فإن هذه العصابات مازالت تمارس دورها في بيع الأحلام».
أما محمد حيدور المسؤول عن أمانة الهيئة العامة للعمال المغاربة في إسبانيا فيقول: «إن هذه العصابات تعمل بنشاط وتنظيم منقطعي النظير، وهي لا تختلف كثيرًا عن عصابات الإتجار بالرقيق خلال القرنين الأخيرين، إذ تقوم بتوريد العمال من شمال إفريقيا إلى أوروبا في شروط إنسانية مريعة، لا يمكن تصديقها».
ويضيف المحامي البيوكي: «إن دور هذه المافيا لا ينتهي عند ذلك، إذ تبدأ فصول جديدة، حيث يرغم المهاجرون على دفع اقساط شهرية منتظمة تحت تهديد هذه العصابات الدائم بالكشف عن وجودهم غير القانوني، والإبلاغ عنهم»، وهنا تبدأ مأساة تورط هؤلاء في بيع المخدرات، أو في الدعارة بكل أشكالها، ويدخلون في حلقة جهنمية لا مخرج منها، وهم الذين كانوا قد قامروا بأرواحهم من أجل الخروج مما كانوا فيه.
ماذا وراء هذه المافيا الجديدة؟
ولا تخفى أن ظهور هذه الشبكات التي تعمل وتقوم على أساس من الغش والخديعة والسرقة، والابتزاز غير الإنساني، إنما كان بسبب من القوانين والسياسات شديدة الصرامة التي طبقت في بلاد الإتحاد الأوروبي خلال الأعوام الأخيرة ضد الهجرة وخاصة تلك القادمة من إفريقيا، وذلك لسببين رئيسيين:
الأول: الخوف من الإسلام الذي عاد إلى أوروبا بذل ذليل، بعدما أن فشل عز الأعزة قبل خمسمائة عام في فتحها، ولقد باتت أوروبا تعبر عن هذا الخوف جهارًا نهارًا، ولقد بات الوجود الإسلامي في أوروبا مماثلًا للعنف والإرهاب في قناعاتها، وفي أجهزة إعلامها، حتى أن مؤتمرًا للصحفيين كان قد عقد على مستوى عالمي في مدينة غرناطة خلال الأسبوع الأخير من شهر مارس كان قد خصص يومًا من أيامه الثلاثة الدراسة قضية الهجرة، والتهديد الذي يمثله الإسلام للمجتمع والديمقراطية والأمن في أوروبا.
كما أن وزير الخارجية الفرنسي الذي قام بزيارة رسمية إلى إسبانيا يومي ٢٣- ٢٤/٣ صرح فيها بأن جهوده ستتركز بشكل أساسي على القضاء على «الإرهاب الإسلامي»، وأنه يطلب مساعدة إسبانيا لتطويق حركة الإسلاميين في أراضيها، ويعلم كل مطلع أن الحركة الإسلامية بكافة اتجاهاتها لا تعاني من أي مشكلة في التعامل مع الدولة الإسبانية، ولا توجد في إسبانيا بوادر عنف بين التجمعات الإسلامية، إلا ما كان من الأعمال الفردية والجرائم التي ترتكب على يد مجرمين كانوا قد تسللوا إلى إسبانيا هربًا من العدالة والقانون في بعض دول شمال إفريقيا.
والثاني: القيام بآخر خطوة ممكنة للقضاء على كابوس العطالة عن العمل، إذ يبلغ عدد العاطلين في أوروبا ثمانية عشر مليون مواطن تسببت «الثورة الصناعية الحديثة، والتطبيقات الرأسمالية – الاشتراكية المشتركة في الآونة الأخيرة، وبناء الإتحاد الأوروبي»، في تكريس عطالتهم، وجعل أوضاعهم الإجتماعية من غاية من السوء، ولقد كان رئيس الحكومة الإسبانية الأسبق «فيليب غونثالث» أحد أباء الوضع الإجتماعي الذي آلت إليه إسبانيا «٢٢٪ نسبة العطالة عن العمل من المواطنين الذين هم في سن العمل» خلال الأعوام الخمسة عشر بسبب النظام الإجتماعي الذي خطط له ونفذه عن طريق حزبه الذي حكم البلاد خلال ثلاثة عشر عامًا، ولما سئل غونثالث في حينه، كيف سيحل بعد عشرة أعوام مشكلة البطالة، أجاب عن طريق تشجيع خفض الولادات، ولقد نجحت هذه السياسة الأخيرة إلى درجة جعلت إسبانيا الدولة الأولى في العالم من حيث انخفاض نسبة الولادات، إلا أن غونثالث لم يحسب حساب ارتفاع معدل سنين الحياة من إسبانيا التي أصبحت مجرد دولة هرمة ثلاثة أرباع مواطنيها من العجائز الذين لا يستطيعون العمل، ولديهم ثلث عددهم من الشباب العاطلين عن العمل!!
ولقد أصبح تدمير شبكات الإتجار بأقدار الرجال المذكورة، وملاحقتها وحصرها أمرًا شبه مستحيل، ذلك أن معظمها تابع مباشرة لأصحاب المصالح من أرباب العمل الذين وجدوا أنفسهم في حالة من الاختناق الاقتصادي بسبب السياسات التقشفية غير المنطقية المتبعة من قبل الحكومات في أوروبا وذلك في مسيرتها المحمومة نحو «ماستريتش» ومظلة النظام الاقتصادي والنقدي الموحد، وذلك على الرغم من كشف استفتاءات الرأي العام في معظم هذه الدول عن عدم رغبة المواطنين في الانضمام إلى نظام موحد أوروبي. وقد أضطر أرباب العمل للحفاظ على مستوى الحركة الاقتصادية في مصارفهم إلى البحث عن وسائل أخرى للكسب منها استخدام العمال المهاجرين غير القانونيين، ولعدة أسباب:
- إعفاء أنفسهم من دفع الضرائب الباهظة.
- الحصول على يد عاملة أرخص من اليد الوطنية بنسبة قد تصل إلى أكثر من ٦٠٪.
- توفير قيمة التأمينات الاجتماعية، والرعاية الصحية، التي يرغم أرباب العمل بنص القانون الإسباني على دفعها للعمال.
- الأحتفاظ بحق الفصل والطرد من العمل دون قيد أو شرط دون حقوق ولا ضمانات ولا تعويضات.
وقد بلغت هذه السوق السوداء للاتجار بالرجال والنساء من المهاجرين، حدا غير إنساني، لجأ فيه بعض أرباب العمل إلى الأحتفاظ بالأوراق الثبوتية لهؤلاء المهاجرين وجوازات سفرهم، وعدم السماح لهم بمغادرة المصانع أو المزارع التي يعملون فيها بصورة سرية.
وينبغي أن نأخذ بعين الاعتبار ما يصرح به المسؤولون في وزارات الداخلية في مختلف الدول الأوروبية، وخاصة في فرنسا، إذ يعبر هؤلاء عن أن القضية مسألة ذات وجهين، فأولهما أن المهاجرين يتسببون في المزيد من المواطنين الأصليين الذين يعانون من العطالة عن العمل والوجه الثاني هو وجه إنساني بحت، وهو أن وجود هؤلاء المهاجرين غير القانونيين إنما هو جريمة ترتكب يوميًا في حقهم وفي حق المجتمع الإنساني كله، ومساعدة غير مباشرة لعصابات المافيا التي تعيش على حساب عرق هؤلاء الناس وتعبهم، ودمائهم وحياتهم.
ولقد التقت المجتمع بعدد من العاملات المغربيات اللاتي يعملن بصورة غير قانونية في المهن المنزلية، وكانت أوضاعهن من السوء بمكان يجعل المرء يفكر كثيرًا قبل أن يطلق الأحكام على بعض القوانين التي تتبارى الحكومات الأوروبية الآن في إصدارها في مجال العمل بصورة غير مشروعة داخل الدول الأوروبية كما ينبغي أن تقوم الدول المعنية بمحاولة وقف هذه النزيف الدائم من الجنوب إلى الشمال عن طريق فسح المجال للحريات ومعاملة الإنسان بكرامة واحترام، وضمان أبسط الحقوق الإنسانية، وتأمين القدر المناسب للضروريات في حياة هذه الشعوب التي ما زالت متطلعة إلى عالم تظن فيه الخلاص والأمل... وهي لا تدري
أن فيه وعلى يديه موتها المحتم، أو ذوبان أبنائها وانسلاخهم من جلدتهم وهويتهم.
شبكات إجرامية واسعة تتاجر بالمهاجرين بين المغرب العربي وأوروبا عبر إسبانيا
العناصر السرية لشبكات الإتجار بالمهاجرين تستغل الفقر والبطالة لاصطياد الضحايا