; مأساة حماة في ذكراها الأولى | مجلة المجتمع

العنوان مأساة حماة في ذكراها الأولى

الكاتب جمال الراشد

تاريخ النشر الثلاثاء 22-فبراير-1983

مشاهدات 62

نشر في العدد 609

نشر في الصفحة 20

الثلاثاء 22-فبراير-1983

يحدثنا القرآن الكريم عن طواغيت علوا واستكبروا وعاثوا في الأرض فسادًا، كفرعون مصر، ولكن فرعون هلك ومصر بقيت. كما يحدثنا التاريخ عن طغاة قتلوا شعوبهم وأحرقوا مدنهم كنيرون روما، ولكن نيرون ذهب وبقيت روما. وهناك غزاة إلى بلاد الشام مثل «هولاكو» المغولي الذي دمر حماة، وقورش الفارسي الذي أعاد اليهود إلى فلسطين ودمر حماة أيضًا، ولكن هولاكو وقورش ذهبا وبقيت حماة.

ومدينة حماة التي لم تستطع جحافل الصليبيين الاقتراب منها، هي التي اتخذ منها الأيوبيون عاصمة أولى لهم، وهي التي كانت شوكة في حلق الانتداب الفرنسي لسوريا، واستمرت ربع قرن تقاومهم وتصارعهم.

ومدينة حماة التي تميز أهلها بقوة الشكيمة والتي يخترقها نهر العاصي وتكثر فيها النواعير، والتي يبلغ سكانها حوالي 300 ألف نسمة وتنتصب فيها المساجد -قبل أن تتهدم- بكثرة... هذه المدينة التي آمن أهلها بأن العروبة جسم الإسلام، وأن الإسلام روح العروبة، وألا حياة لجسم بلا روح، ولذلك -كما يقول أحد الحمويين- فلا داعي لهذه الجفوة بين العروبة والإسلام، فالعربي لا ينبغي أن يكون ملحدًا وعدوًا للإسلام والمسلم صادق الإيمان لا يكره العرب الذين ينتسب إليهم.

ولذلك استطاع أهل حماة تجاوز الطائفية، ولذلك حتى مع النصارى الذين اعتبروا أنفسهم جزءًا من أمة عربية إسلامية، فضمت الجبهة الوطنية السورية عددًا منهم تعاونوا مع قيادة الثورة الإسلامية. وقد أذاع أول بيان للجبهة من باريس رجل نصراني.

وبما أن المنطقة مقبلة على التقسيم إلى دويلات طائفية -كما يجري الآن في لبنان- والهدف النهائي هو ضرب العروبة والإسلام معًا، لذلك كان التخطيط لتدمير حماة وذبح سكانها وتأديب من تبقى منهم قبل أن يجرف تيار الإسلام كافة العملاء ومعهم السرطان اليهودي.

بدأ تنفيذ المخطط بعمليات التفتيش، والتمشيط، والاعتقالات، والإهانات، وقتل الأطفال أمام، والديهم، وهدم البيوت على من فيها. وعندئذ هَب أهل حماة هبّة رجل واحد بما لديهم من سلاح دفاعًا عن أنفسهم وكرامتهم ودمائهم التي تراق هدرًا، وأعراضهم التي تنتهك غصبًا، فكانت المأساة الكبرى التي راح ضحيتها حسب أقل التقديرات ثمانية آلاف من المواطنين، وحسب أكثر التقديرات ثلاثين ألفًا بالإضافة إلى الدمار الشامل للمدينة العظيمة.

مجازر جماعية:

أن يقتل الإنسان أثناء المعركة وهو يحمل السلاح فهو أمر منطقي. أن يسجن الإنسان ويعذب في غياب الضمير والإنسانية فهو أمر يحدث كثيرًا. أن يقتل مواطن أو عدد من المواطنين بالخطأ فهذا يدخل في مفهومية التصديق في تلافيف الدماغ. أما أن يساق المواطنون الأبرياء بالمئات والآلاف ليقتلوا قتلًا جماعيًا دون جرم ودون محاكمة ومجرد أنهم «حمويون» فذلك أمر ليس في قدرة العقل الإنساني استيعابه وهذه بعض النماذج:

1- مجزرة مقبرة سريحين:

روى أحد الناجين من مجزرة «مقبرة سريحين» قال: امتلأت إحدى عشرة شاحنة عسكرية ضخمة حتى غصت بالناس الذين جمعوا من بيوتهم بدون ذنب ارتكبوه. ولما وصلت بنا الشاحنات إلى موقع سريحين أمرنا بالنزول فنزلنا، ويالهول ما شاهدت! مئات من الأحذية المتناثرة على الأرض، وقد خلعها أصحابها قبل أن يلاقوا مصيرهم المفجع.. ثم أمرنا كسابقينا بخلع الأحذية فنفذنا. أرأيتم الشياه تساق إلى مسالخها وهي لا تملك من أمرها شيئًا؟ كذلك كنا! ثم تم تفتيشنا وأخذت الأموال الموجودة في الجيوب والساعات من المعاصم، ثم أمرتنا عناصر السلطة بالتقدم نحو الخندق العميق الذي يمتد أمامنا إلى ساحة طويلة. وقسم آخر منا أمر بالنزول إلى خندق آخر، وعندما تقدمت من موقعي أمام الخندق رأیت الجثث تتراكم فوق بعضها والدم ما زال يسيل من بعضها فلم أستطع أن أحدق في المنظر كثيرًا فأغمضت عيني.. وسرعان ما عاجلتنا رصاصات البغي، وخلال ثوانٍ كان الجميع داخل الخندق. أما الآخرون الذين أمروا بالنزول إلى الخندق الثاني فقد أطلقت عليهم النار وهم في داخله. وهكذا.. خلال لحظات كانت حمولة إحدى عشرة شاحنة من «البشر» قد لاقت هذا المصير المرعب. 

أما أنا -يقول الناجي من المجزرة- فقد كانت إصاباتي خفيفة وقدر الله لي أن أنجو بأن صبرت حتى خلا المكان من الجزارين وهربت متحاملًا على جراحي فأنقذني الله من ذلك المصير، حيث يموت الجريح تحت الجثث الأخرى.

وقد عرف من شهداء هذه المجزرة. ممدوح عبد القادر الوتار، ومحمد محمود علواني، ومعن عبد اللطيف علواني، ومحمد الحلاق، ومنير عدي وعدنان حسن زوزا، وعبد الغني ترو، وجبار عبد الغني ترو، وعبد الله خالد عدي، ومنذر عثمان المصري.

2- مجزرة حي البياض:

في يوم 6/ 2/ 1982 وقفت أربع سيارات شاحنة أمام مسجد الشيخ محمد الحامد حملت بالمعتقلين الذين جمعتهم قوات السلطة من حي البياض، ولما لم تعد السيارات تتسع للمزيد من المعتقلين فقد تم قتل خمسين مواطنًا وألقيت جثتهم في حوض تجمع فيه مخلفات جلي البلاط لمصنع بلاط عبد الكريم الصغير. وقد ظهرت هذه الجثث بعد عشرة أيام من الحادثة بعد أن جفت مخلفات الحوض. وعرف من هؤلاء الشهداء: مصطفى دعدع، وواحد من آل الحراجمة.

3- مجزرة حماة الجديدة «جنوبي الملعب»:

من المعروف أن هذا الحي الحديث يسكنه في الغالب الأغنياء من أهل المدينة وقد خططت بناءه السلطة بحيث يسهل احتلاله، ولذلك ظل هادئًا في البداية مما جعل الكثير من الناس يلجؤون إليه، وقد دخلته السلطة بدون مقاومة ومنذ اليوم الأول للأحداث. وفي اليوم الثالث دخلت «سرايا الدفاع» إلى الحي وأخذوا ينادون على الناس بواسطة مكبرات الصوت ليجتمعوا في ساحة الحي ثم حذروهم من الاشتراك في المقاومة، وإنهم لا يريدون بهم شرًا إن التزموا الهدوء، ثم نادوا عليهم مرة ثانية وحذروهم بشدة من الاشتراك في المقاومة، وفرقوهم مرة أخرى فاطمأن الناس.

ثم دعوهم مرة ثالثة إلى الساحة فاجتمع فيها كثير من الناس بما فيهم الأطفال والنساء والشيوخ، وعندئذ بدأت معهم حفلة إهانات وتعذيب أعقبتها زخات مكثفة من الرصاص لم تبق على أحد منهم حيًا.

ثم توجهت «سرايا الدفاع» إلى البيوت فنهبت وسلبت وقتلت كل من لم يحضر المجزرة الجماعية، كانوا يخرجون الأسرة أمام بيتها فتقتل فردًا فردًا، برش الأب أمام ابنه والابن أمام أمه وأخته ثم يفتش البيت فيؤخذ منه كل غال ونفيس. والذي لم يصله القتل في المرتين يؤخذ إلى مقبرة سريحين حيث يقتل أمام الخندق ليهوى إلى داخله فوق جثث السابقين له في الشهادة. حتى الجرحى لم تشفع لهم جراحاتهم فالمرحوم «فايز عاجوقة» وهو من سكان الحي أصيب بجراح في فخذه أمام بيته ولما تركوه ظنًا منهم إنه قد مات، اختفى في البيت حتى المساء ذهب إلى المستشفى الوطني القريب وطلب المساعدة بعد أن نزف الكثير من دمه، فما كان من أزلام السلطة إلا أن أسعفوه بشق صدره واستخراج قلبه والتمثيل بجثته. وكان حصاد هذه المجزرة ١٥٠٠ مواطن أرأيتم الحقد! هل شاهدتم إنسانية مثل هذه الإنسانية إلا في صبرا وشاتيلا! عفوًا، فقد نسينا أن نذكركم بمحاكم إيزابيلا وفردیناند!

مجازر أخرى:

1- قتل عائلة آل الصحن في الدباغة وهي مختبئة في قبو المنزل هربًا من قذائف المدفعية والصواريخ.

2- قتل خمسة وعشرين مواطنًا اعتقلوا ثم اقتيدوا إلى منشرة البدر في الدباغة ثم رشوا رشًا بالرصاص وبعدها أحرقوا بإضرام النار في المنشرة.

3- قتل أربعين مواطنًا دفعة واحدة في حي العصيدة معظمهم من آل المصري. 

4- استخدام ستة عشر مواطنًا آمنًا في نقل منهوبات رجال السلطة من البيوت إلى آلياتهم ثم قتلهم جزاء لهم وترك جثتهم على الأرض.

5- جمع خمسة وسبعين مواطنًا في منطقة المحالبة وفي دكان أحمد السقع الحلبية، ثم رشهم بالرصاص وصب الوقود عليهم وإضرام النار فيهم قبل أن يفارق بعضهم الحياة.

6- جمع خمسة وسبعين مواطنًا في حي سوق الشجرة وقتلهم على جدار مسجد الحي عدا أعداد كبيرة أخرى قتلت في نفس الحي.

7- اقتحام قبو منزل محمد الدباغ في حي الباشورة وقتله مع زوجته وأولاده الثمانية داخل القبو.

8- قطع أيدي النساء وقتل أولادهن ونهب حُليهن كما حدث مع السيدة حياة جميل الأمين وأولادها الثلاثة.

9- مداهمة العائلات وهي نائمة ثم قتلها رغم الرجاء والتوسل، كما حدث لعائلة آل الموسى في حي الباشورة، حيث جمعت العائلة البالغ عدد أفرادها ۲۷ شخصًا بعد أن أوقظت من نومها في شقة واحدة، وأطلقت عليها النار ولم ينج منهم إلا طفلان لم يصابا أثناء الإطلاق وامرأة ورجل جريحان، ورجل كان غائبًا عن البيت!

10- إبادة تسعة وثلاثين طفلًا وامرأة كانوا يختبئون في قبو بناية الدكتور زهير مشنوق خوفًا من القصف، ولم ينج منهم إلا امرأة واحدة حيث أصيبت بجراح وهي السيدة انتصار الصابوني.

11- اقتحام بيت المرحوم صبحي العظم وقتل أرملته البالغة من العمر ثمانين عامًا وابنها البالغ من العمر ستين عامًا، ثم نهب كل نفائس البيت وإحراقه على من فيه.

أخيرًا: هل كانت كل هذه المجازر الوحشية الجماعية التي لم تفرق بين طفل وشيخ وامرأة ومصاب بمحض الصدفة، ومن مستلزمات المواجهة مع المجاهدين، أًم إنها كانت بتخطيط وتدبير وروية وقصد مع سبق الإصرار؟! هل كان في مقدور جندي أن يقوم بما قام به الجزارون دون أن يعبأ تعبئة نفسية طويلة ضد أمته وشعبه؟ حتى المخبرين من أهل حماة والضباط من أتباع السلطة لم يسلموا من القتل لمجرد أنهم «حمويون» كما حدث للحزبي المخبر شحود حسن شيحاوي الذي قتلوه بعد أن أبرز لهم هويته الحزبية ومسدسه الذي تسلمه من السلطة، وسيارته الرسمية، وكما حدث للرائد أحمد عبد الحميد عزيز الذي كان في إجازة ولم يشفع له انتماؤه للجيش والحزب، ذلك أنه من أهل حماة.

ومما يدل على أن الأمر مبيت ومقرر سلفًا ما جاء فيما سمي بمقررات المؤتمر القطري السابع للحزب الذي انعقد في دمشق، والذي جاء فيه بالحرف الواحد: «يجب تصفية الخصوم تصفية جسدية، وإجراء عملية غسل دماغ لكل من يحمل فكرًا معاديًا للثورة وإرسالهم إلى معتقلات على غرار أماكن النفي في سيبيريا».

والأمر الذي يدعو للعجب أن كثيرًا من الأنظمة العربية كانت ولا تزال تعلم بتفاصيل هذه المجازر، ومع ذلك فأموالها ومودتها لم تتوقف عن العطاء!

الرابط المختصر :