; مؤامرة التنصير الصليبية للزحف على مكة الجذور التاريخية والواقع المعاصر | مجلة المجتمع

العنوان مؤامرة التنصير الصليبية للزحف على مكة الجذور التاريخية والواقع المعاصر

الكاتب د. خالد محمد نعيم

تاريخ النشر الثلاثاء 08-مايو-1990

مشاهدات 54

نشر في العدد 965

نشر في الصفحة 48

الثلاثاء 08-مايو-1990

إن المجتمع وهي تعرض لهذه الدراسة التي أعدها الأستاذ الدكتور خالد محمد نعيم أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر في جامعة المنيا، إنما تهدف إلى كشف النقاب عن أخطر المعارك والمؤامرات التي توجه إلى أخطر الأماكن في العالم الإسلامي، وسوف يرى القارئ من خلال الحلقات بشاعة المؤامرة، واتساع نطاقها، وضخامة القوى الضالعة فيه، وتشعب الأساليب والخطط الهادفة إلى تنفيذها، وتقرع أجراس الخطر لكل من يهمه الأمر، وأن الصليبية الدولية والصهيونية العالمية تتعاونان معًا في السعي إلى تحقيق هدف واحد هو القضاء على الإسلام والمسلمين، وأن هذا الهدف مستمر، والعمل له جاد نشط لا يفتر، والتخطيط لتحقيقه يسير على قدم وساق كما قال الله تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا ۚ﴾ (البقرة:217)، ﴿وَلَن تَرْضَىٰ عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ (البقرة:120)

التحرير

إن الصليبية العالمية وهي تخوض حربها ضد الإسلام ورموزه المقدسة، وضد المسلمين- على كافة الجبهات- تخلق المحاور، «الصليبية- اليهودية» في شرق إفريقيا قريبًا من الجزيرة العربية، وتزرع فرقها التنصيرية، بما تملكه من إمكانيات ووسائل، من بينها: الأموال الهائلة، والطائرات، والسفن، وطوابير المتطوعين «الخيامون»، الذين من بينهم الخبراء، والإعلاميون الذين يستخدمون أحدث وسائل الإعلام والاتصال، من أقمار صناعية، وإذاعات موجهة وغيرها مما أتاحه العلم الحديث للبشرية، من وسائل تقنية متطورة للغاية.

أهداف مؤامرة التنصير

كل هذا من أجل هدفين أساسيين، وضعا كأصول رئيسية في إستراتيجية الصليبية العالمية منذ قرون عديدة، هما: تنصير المسلمين في أي مكان، والوصول إلى رموز الإسلام المقدسة، بالهجوم أو الزحف إلى «مكة المكرمة» والمدينة المنورة في قلب الجزيرة العربية التي لن يجتمع فيها دينان أبدًا.

ونحن الآن في عام 1410هـــ يمكننا القول بأن هذه الأهداف الصليبية ليست وليدة اليوم، أو أمس القريب، وإنما تعود جذورها إلى ما يزيد عن ثمانية قرون من الزمان.. فما هي الجذور التاريخية لهذا المخطط التآمري الصليبي، الذي يستهدف «الحرمين الشريفين» والذي لا يزال يتواصل، ويتجدد عامًا بعد عام في كافة مؤتمرات التنصير الصليبية، وفي أقوال المنصرين الحاقدين على الإسلام والمسلمين وعلى الرموز الإسلامية المقدسة؟!

الجذور التاريخية للمخطط الصليبي الذي يستهدف الأماكن المقدسة

كانت البداية مع الحروب الصليبية على الشرق الأوسط، عندما تجرأ أحد أمراء الصليبيين، وكان يدعى «أرناؤوط»– في المصادر العربية، و«رينو دي شاتيو» في المصادر الأوروبية الصليبية- وهذا الصليبي هو صاحب حصن «الكرك»  قام بمشروع خطير في عام 1182م، يستهدف غزو الحرمين الشريفين، فبنى عدة سفن حملت أجزاؤها مفككة على ظهور الجمال حتى وصلت بها إلى منطقة «إيلات» على خليج العقبة، وأعيد تركيبها، ثم قامت هذه الحملة الصليبية بهجوم على ساحل «الخوراء»  قرب ينبع، وأغار الصليبيون على القوافل، وأصبحوا على مسيرة يوم واحد من «المدينة المنورة»، واعتزموا الزحف عليها، ونبش قبر الرسول- صلى الله عليه وسلم- وإخراج جسده الطاهر ونقلة إلى بلادهم.

لا يجوز إقامة غير المسلم في الحجاز

إلى هذه الدرجة وصل الحقد الصليبي، حقد دفين.. لأن آخر ما تكلم به النبي- صلى الله عليه وسلم- قال: «أخرجوا اليهود والنصارى من الحجاز»، وقال سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه: سمعت النبي- صلى الله عليه وسلم- يقول: «لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب، فلا أترك فيها إلا مسلمًا»، وقال الإمام أحمد: (جزيرة العرب: المدينة وما والاها)، يعني أن الممنوع من سكن الكفار به «المدينة المنورة» وما والاها، وهو «مكة المكرمة» و«خيبر» و«ينبع» و«فدك» ومخاليفها.

«يمنع النصارى واليهود من دخول حرم مكة، ولو بذلوا مالا، حتى ولو كان الداخل غير مكلف، وحتى رسولهم، ويعزر من دخل منهم الحرم، ويخرج ولو كان ميتًا أو مريضًا، وينبش إن دفن به، ويمنعون من الإقامة بالحجاز، كالمدينة المنورة، واليمامة وخيبر، وينبع وفدك وقراها، ولا يدخلونها إلا بإذن «الإمام» فإن دخلوها- لتجارة فقط- لا يجوز لهم أن يقيموا في موضع واحد أكثر من ثلاثة أيام، فإن فعل عزر».

كيف ينسى الحاقدون الصليبيون آخر ما تكلم به الرسول الكريم- صلى الله عليه وسلم-.. كيف ينسى الصليبيون أن «مكة المكرمة» هذا البلد الأمين، يتمتع بقوة روحية خارقة لدى جميع مسلمي العالم، ولذلك يصور الصليبيون المعاصرون «الحج» على أنه مظهر من مظاهر الوثنية، وبقايا دعوة الجاهلية... إلخ»!!

إن الخطر الذي يراه هؤلاء الحاقدون يتمثل في اجتماع المسلمين من مشارق الأرض ومغاربها «يوم عرفة» في هذا المؤتمر الجامع، ولو أن المسلمين حقًّا انتفعوا بحقيقة هذا المؤتمر الإسلامي العظيم لكان لهم الحول والطول اليوم.

مصر وحماية المقدسات الإسلامية في عصر صلاح الدين

على أية حال.. كان العالم الإسلامي في عام 1182م في الشرق تضمه وحدة سياسية قوية، على رأسها «صلاح الدين الأيوبي» ويومها وقع على «مصر» واجب حماية الأماكن المقدسة في «الحجاز»، فما كادت هذه الأخبار السيئة تصل إليه وهو في الشام، حتى عهد إلى نائبه في مصر- في ذلك الوقت- «العادل سيف الدين»، بتجهيز قائد الأسطول «الأمير حسام الدين لؤلؤ»، وبتعقب هؤلاء الصليبيين في «الحجاز»  وإبادتهم أو أسرهم، وأمر «صلاح الدين» بقتل الأسرى الصليبيين ليكونوا عبرة لكل كم يتجرأ على الاعتداء على «حرم الله وحرم رسوله».

حلول الغزو الفكري بعد فشل الغزو العسكري

كانت هذه أول محاولة عسكرية فاشلة من جانب الصليبية العالمية تستهدف الأماكن المقدسة، ولم تيأس الصليبية العالمية من إمكانية تنفيذ مخططها المغرق في السوداوية باندحار جيوش الصليبيين، ورحيلهم بالبحر، بل امتدت هذه الحروب نارًا متأججة، ومصيرًا كامنًا وشرًّا مستطيرًا، أخذ يظهر في أشكال مختلفة، ويتحوصل في مظاهر متباينة، فإذا كان غزو الأرض بالجيوش قد فشل في المحاولة الأولى، فلينشط الغزو الفكري، وإذا رحلت السفن بالجند، فلترسو غيرها بالمنصرين، وإذا كانت الخطط العسكرية «الحربية» قد فشلت في الوصول إلى «الحرمين الشريفين»، فلتبدأ الخطط الفكرية والمعنوية والاقتصادية، لتأخذ عناصرها الصليبية طريقها إلى «الحرمين الشريفين»!

ملك فرنسا يطور خطط الصليبية العالمية من «إستراتيجية عسكرية» إلى «إستراتيجية فكرية تنصيرية»!

وواقع الأمر أن المخططات الصليبية العالمية ضد الإسلام ورموزه المقدسة في العالم الإسلامي، لم تنته بعد الفشل العسكرية الصليبي، إنما هدأت فقط، وتشكلت بأساليب مبتكرة تتناسب مع طبيعة التحدي، ومطالب العصر.

لقد بدأ التنصير الصليبي في البلاد الإسلامية- بصفة خاصة، والعالم بصفة عامة- يدخل مرحلة جديدة، بإستراتيجية متطورة جديدة، بعد أفول شمس الصليبية العالمية العسكرية، ومنطلقًا من وصية «القديس لويس التاسع»- ملك فرنسا- وقائد الحملة الصليبية الثامنة، الذي اندحرت جيوشه أمام عزيمة وإيمان قوات المسلمين في مصر، ووقوعه في الأسر بمدينة «المنصورة»- من أعمال محافظة الدقهلية- إذ إنه عندما فدى نفسه هذا الملك الصليبي من الأسر، وعاد إلى بلاده، أدرك عدم جدوى الحرب المكشوفة مع المسلمين؛ لأن روح الجهاد والاستشهاد لديهم، كانت أقوى مما يتصور، ورأى هذا الصليبي أن من الحكمة اتخاذ سبيل آخر، «إستراتيجية فكرية» جديدة للدخول إلى بلاد المسلمين، وكانت تلك «الإستراتيجية» التي أوصى بها النصارى هي «الغزو الفكري التنصيري، والدخول في بلاد المسلمين تحت أقنعة مختلفة، بأساليب متعددة، لإحداث التنصير المطلوب، والوصول إلى الأهداف المنشودة».. وقد نفذت الصليبية العالمية وصيته!

فاسكو دي جاما يحاول غزو الحجاز

مع بداية العصر الحديث، بدأت الخطوات العملية لأخطر مؤامرة صليبية تستهدف رموز الإسلام المقدسة، في «المدينة المنورة» و«مكة المكرمة».

فبعد المحاولة الفاشلة بحوالي ثلاثة قرون ونصف- تقريبًا- وبالتحديد في عام 1498م عندما اعتزم الصليبيون «البرتغاليون»  بقيادة «الصليبي الخطير فاسكو دي جاما» تنفيذ المخطط الصليبي المسرف في وحشيته، وهو «الدخول إلى البحر الأحمر» واجتياح «إقليم الحجاز» باحتلال ميناء «جدة»، ثم الزحف على «مكة المكرمة»  واقتحام المسجد الحرام، وهدم «الكعبة المشرفة»، ثم مواصلة الزحف منها على «المدينة المنورة» لنبش قبر الرسول- صلوات الله وسلامه عليه- ثم استئناف الزحف على «تبوك»، ومنها إلى «بيت المقدس»، والاستيلاء على «المسجد الأقصى» «وقبة الصخرة»، وبذلك تقع هذه المساجد الثلاثة في أيدي الصليبين البرتغاليين!

وقد انفضح أمر هذا المخطط الصليبي الخطير للغاية في عام 1510م، عندما كان «الشريف بركات» أميرًا «لمكة المكرمة» فقد ارتاب «الشريف بركات» في ثلاثة أشخاص تسللوا إلى «مكة المكرمة» وأخذوا يحومون حول المسجد الحرام، متظاهرين بأنهم مسلمون، ويرتدون زي العثمانيين، ويتحدثون العربية والتركية؛ فأمر بالقبض عليهم، وبالكشف على أجسامهم اتضح أنهم «مسيحيون» لأنهم كانوا بغير ختان، وباستجوابهم اتضح أنهم جواسيس «صليبيون» برتغاليون، بعثت بهم سلطات «لشبونة» ليعملوا أدلاء «استطلاع» أو «جواسيس» للجيش الصليبي البرتغالي، عند دخول مكة! «وقد وضعهم في الحديد، وبعث بهم إلى السلطان الغوري» في مصر، وكانت هذه الحادثة قد وقعت تفاصيلها قبل بداية ثاني محاولة صليبية برتغالية، لتنفيذ المخطط الخطير الذي يستهدف الأماكن المقدسة بحوالي سبعة أعوام!

الغزو الصليبي للبحار الشرقية

ففي نهاية عام 1498 بدأ الغزو الصليبي البرتغالي للبحار الشرقية، ومنطقة الخليج العربي، وكان أول غزو عسكري صليبي أوروبي- في التاريخ الحديث- لأجزاء من العالم الإسلامي والعالم العربي في الشرق، استهدف تحقيق أغراض صليبية تنصيرية، حيث كان شعار هذا الغزو البرتغالي الطارئ «الصليب أو المدفع»! أي كان على المسلمين أن يعتنقوا النصرانية أو يتعرضوا لقصف مدافع الأسطول، تدك المدن، والمساجد، والمنشآت، والسكان.

والعجيب في الأمر أن بدأ هذا الغزو الصليبي الخطير للبحار الشرقية ومنطقة الخليج العربي، بوصول طلائع الغزاة البرتغاليين تحت ستار «الكشوف الجغرافية»، وكانت تحملهم سفن مسلحة بقيادة «فاسكو دي جاما»، وقد غالى بعض الباحثين في تمجيد الدور الذي قام به هذا المنصر الصليبي تحت ستار «الكشوف العلمية»!

وغلبت عليهم نزعتهم الدينية، فقرروا أن هذا الدور كان في مقدمة العوامل التي أدت إلى الاستنارة العلمية في العالم كله، وتناسى هؤلاء الباحثون أن هذا الصليبي البرتغالي ما جاء إلى منطقة الخليج العربي إلا وهدفه الأول نشر العقيدة النصرانية بين المسلمين، وتناسى هؤلاء الباحثون- أيضًا- أن الأسطول الصليبي البرتغالي، الذي قادة هذا الصليبي قد قام بمحاولتين لاحتلال ميناء «جدة»، بعد أن نجح في دخول البحر الأحمر، وبعد أن ضربوا بعض الجزر من مدخله الجنوبي وبعض ثغوره اتجهوا إلى هدفهم، وهو احتلال جدة!

فهل تحقق لهم ذلك؟ هذا ما سنعرفه في الحلقة القادمة.

الرابط المختصر :