; مؤتمر الطلبة في الكويت... تقييم وملاحظات | مجلة المجتمع

العنوان مؤتمر الطلبة في الكويت... تقييم وملاحظات

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 15-أغسطس-1972

مشاهدات 92

نشر في العدد 113

نشر في الصفحة 18

الثلاثاء 15-أغسطس-1972

الأعمال بخواتيمها

وفي الأسبوع الماضي اختتم أو أنهى المؤتمر السادس للاتحاد الوطني لطلبة الكويت أعماله وجلساته واتخذ قراراته وتوصياته.

والمعروف أن وجهات النظر والآراء تتمثل في نهاية أي مؤتمر في قراراته وتوصياته..

وهذا يعني أن التقييم ينطلق موضوعيًّا من تحليل هذه  القرارات والتوصيات.

إن الأحكام المسبقة أمر تنقصه الدقة ويَحُفُّه التعجل في إبداء الرأي ويُعوِزُه الدليل أو الواقعة.

من أجل ذلك كتبت «المجتمع» في ساعات افتتاح المؤتمـر كلمةً في عددها «۱۱۱»  بتاريخ ١-٨-١٩٧٢، دعت الأمة فيها إلى الاهتمام بقضايا الطلبـة ومشاغلهم، وأهابت بالطلبة؛ في ود واحترام، أن يركزوا جهودهم على قضاياهـم الطلابية، وما أكثرها وما أكبرها، وأن يحافظوا على استقلالهم، وهيبة تجمعاتهم، وأن القضية المركزية التي ينبغي أن تشغل الطلبـة؛ طلائع المستقبل، هي قضية التخلف العلمي العام؛ وبالتالي قضية التصنيع التي لا يتصور للكويت أي مستقبل بدونها.

وعلى الرغم من بعـض الشعارات المرفوعة قبل وأثناء افتتاح المؤتمر، لم نشأ أن نتعجل في وصف المؤتمر بصفة معينة. 

ولكن اليوم الأمر يختلف.. رؤيةً وتقييمًا وحكمًا.

فلقد اتضح كل شيء، ورأى الناس حصيلة المؤتمر ممثلةً في قرارات وتوصيات وإشادات وإدانات، ثم إن الذين رفعوا هذه الشعارات ثم صاغوها من بعد في قرارات وتوصيات قد تحملوا مسؤولية رفع الشعار، واتخاذ القرار، وكما يقول المثل العربي: «الذي يقود الجمل لا يختبئ».

والشعار المرفوع أو القرار المعلن كالجمل؛ لا يستطيع صاحبه أن يختبئ، أو أن طبيعة الأمور تفرض الوضـوح والعلانية.

ولا نستبق النتائج فهذه هي القرارات والتوصيات فسنعرضها بأمانة، ونقيمها في موضوعية ودقة.

والوثيقة التي ننقل عنها هذه القرارات والتوصيات هي ملحق خاص لمجلة «الطليعة» الصادرة بتاريخ ١٢-٨-١٩٧٢، والملحق يحمل نفس التاريخ .

استعرضت بعض القرارات والتوصيات، العالم العربي، والمعسكر الاشتراكي، والعالم كله، ثم صاغت وجهـات نظرها فيما يلي:

·     الخليج والجزيرة العربية: شجب كافة المؤامـرات الرجعية التي تستهدف النظام التقدمي في جمهورية اليمن الديمقراطية.

-      مطالبة كافة القوى الوطنية والتقدمية العربية والعالمية بدعم جمهورية اليمن الديمقراطية ماديًّا وإعلاميًّا.

-      مناشدة الشعب في الكويت والوطن العربي بدعم الثورة في الخليج العربي بقيادة الجبهة الشعبية لتحرير عمان والخليج العربي.

-      إدانة النظام العشائري القبلي في الجمهورية العربية اليمنية.

·     مصر.. شجب المواقف المعادية للاتحاد السوفيتي التي انتهجتها السياسة المصرية مؤخرًا بطردها الخبراء السوفييت من الأراضي المصرية.

·       ليبيا.. استنكار الدور الذي قام به النظام الليبي في قمع الحركة الوطنية الديمقراطية في السودان.

·       سوريا.. يطالب المؤتمر باتخاذ موقف صريح وواضح تجاه الكفاح المسلح في الخليج العربي.

·        السودان.. استنكار ضرب القوى التقدمية وتصفية أحزابها وعلى رأسها الحزب الشيوعي السوداني.

·       الجزائر.. المطالبة بتعميق اللقاء مع المعسكر الاشتراكي.

وبعد العالم العربي انتقل المؤتمر لقضايا التحرر في العالم، وتوقف كثيرًا عند فيتنام وأيدها بحرارة، ولا أحد يعترض على تأييد شعب يناضل من أجل حقوقه، ولكن الغريب أن تأييد المؤتمر لفيتنام كان أكثر حرارة عشرات المرات من تأييده لقضية فلسطين!!

وهناك قرارات وتوصيات أخرى من المؤتمر، إلا أن الإطار العام لها كلها هو الصبغة الواضحة التي تبدت في القرارات الآنفة.

ولو أن إنسانًا؛ أي إنسان، وجد هذه القرارات والتوصيات عرضًا وبدون توقيع لما تردد لحظة في أنها منشور مطول لأحد الأحزاب الشيوعية، وليست قرارات لمؤتمر طلابـي وطني.

إن الحقيقة الثابتة أن طلبة الكويت ليسوا شيوعيين، بل إن النفور من الشيوعية هو ميزة خاصة لأهل هـذه المنطقة؛ وبوضوح هـذه الحقيقة يتأكد الاستغلال السياسي الصارخ لطلبة الكويت.

ولنسأل الطالب الكويتي المسلم: ما مصلحته في الوقوف إلى جانب الحـزب الشيوعي السوداني مثلًا؟ إن الطالب الكويتي المسلم في جامعة الكويت وفي غيرها لا يربطه بالأحزاب الشيوعيـة رابط، وليس بينه وبينها صلة عقيدة ولا صلة حزب ولا صلة اتجاه، ولا صلة ولاء؛ لأنه يعلم أن الأحزاب الشيوعية تعتنق عقيدة ملحدة ضد عقيدته، وتعمل بأساليب مخربة لا يقرها ضمير ولا خلق، وتجعل ولاءها لموسكو لا للكويت.

ولذلك يصح الجزم بأن هذه التوصية أو هذا القرار لا يعبر عن مصلحة طلبة الكويت قط، وإنما يعبر عن استغلال حزبي واضح، يريد أن يجعل الطلبة مَطِيَّةً لبلوغ أهدافه.

وحتى لو سلمنا جدلًا بخرافة أن الحركات الشيوعية تتضامن فيما بينها بعيدًا عن التبعية لموسكو، فإن الوقوف إلى جانب الاتحاد السوفيتي علانية لا يترك مجالًا للشك في التبعية لروسيا.

لقد طردت مصر الخبـراء الروس من بلادها، وهذا من أبسط معاني الاستقـلال الوطني.

هذا القرار لم يعجب الفئة التي دفعت المؤتمر في اتجاه ضد مصلحة الطلبة، ومن هنا صدرت توصية تشجب موقف مصر من الخبراء الروس!

هذه تبعية واضحة لروسيا، إنهم يريدون أن يعـادوا أوطانهم وشعوبهم من أجل روسيا، ومصالح روسيا واستعمار روسيا، وهذه انتكاسة بالغة الرهبة والتأخر.

فلقد ودّع العالم زمـن الوصاية والانتداب، وشملت شعوبَ الأرض موجةٌ من التحرر العام من نفوذ الدول الكبرى، وأصبح الرجال الذين كانوا يدافعون عن وجود الاستعمار الفرنسي أو الإنجليزي أو الإيطالي أو الأمريكي، أو.. أو.. أو.. أصبح هؤلاء في ذمة التاريخ، وأصبحت ذكراهم تثير السخرية ومواقفهم تثير الاستهزاء، لأنهم كانوا عقبة في طريق المد التاريخي للتحرر العام وكانوا قصار النظر قصار الهمم  قصار الطموح الوطني.

وهذا شيء معروف ويَوجَلُ حتى العملاءُ من الوقوع تحت وصمته، إلى أن جاء بعضهم في مؤتمر الطلبة في الكويت يحاول إعادة عهـود الوصاية والانتداب على العالم العربي.

إن طلبة الكويت ليسوا حزبًا شيوعيًّا يحمي مصالح الروس، إن طلبة الكويت ليسوا كتائب تحمي مؤخرة  التوسع الروسي في المنطقة.

إن طلبة الكويت لا يرضون قط بأن يفرضوا على أمتهم من جديد -وهم فجرها المقبل- قابليةَ الاحتلال تحت أي نفوذ كان.

إن الدفاع عن الوجـود العسكري الروسي في مصر وفي غيرها من البلدان هو كالدفاع عن الوجود الأمريكي في فيتنام، نعم وسيلة الدخول تختلف ولكن الوطأة الاحتلاليـة هي هي، والأهـداف الاستعمارية هي هي.

إلا أن الفرق العجيب هو: أن الشعب الأمريكي ذاته يطالب بإنهاء الوجود الأمريكي في فيتنام، بينما يطالب «بعضهم» في مؤتمر طلبة الكويت بالإبقاء على الوجود الروسي في مصر.

وفي ضوء توصية المطالبة بالإبقاء على الوجود الروسي في مصر، ألا يحق لكـل الوطنيين في البلاد، طلبةً وغيرَ طلبة، أن يتصوروا بوضوح: أن الحركات الشيوعية في العالم لیست مهمتها الاشتغال بالفلسفة الماركسية، ولا المقارنة بين نظریات «توينبي» و«كارل ماركس»، وإنما مهمتها هي حماية وحراسة وخدمة مصالح روسيا القومية، وألا يحق للوطنيين كل الوطنيين أن يعتبروا الحركات الشيوعية في العالم العربي طوابير عملاء منظمة للدولة الشيوعية الأم؟.

يبقى سؤال وجيه وهو: هل من الممكن أن يفوت مثل هذا المأزق على «بعضهم» في مؤتمر طلبة الكويت؟.

سؤال محير فعلًا، ولقد طرح أكثر من سؤال «!» للجواب على السؤال المحير؟.

·     هل هناك من يريد شيئًا ويتعجل الخُطَى إليه؛ عن طريق تضخيم حجمه الشعبي وخاصة في صفوف الطلبة؟

·     هل هو طرح لشعـارات معينة من أجل جس النبض، حتى إذا مرت دون نكيـر طرحت مجموعة أخرى من الشعارات، لدفع النضـال اليساري مرحلة أخرى إلى الأمام؟ «هذه تعبيـرات يستعملها الماركسيون كثيرًا».

·     هل هو محاولة تعويض «ذاتية» كجرعة أمل منعشة في فترة اليأس التي يمر بها النفوذ الشيوعي في المنطقة؟

·     ومن الغريب كذلك أنه في مقدمة «ملحق الطليعة» تعبير يقول: «إن الحركة الطلابية مدعوة إلى رفض أي محاولة للاحتواء».

 ويبدو أن هذا التعبير يعني في عرفهم أن الحركة الطلابية مدعوة لرفض الأصالة والوطنية ومدعوة لرفض الاحتكار اليساري لها، وإلا فأين مدلول الدعوة إلى رفض الاحتواء في الواقع العملي؟

أما نحن فندعو مخلصين كل إخواننا الطلبة الوطنيين إلى رفض الاحتواء اليساري الذي يقف إلى جانب الأحـزاب الشيوعية باسمهم.. ويطالب ببقاء الوجود الروسي في مصر باسمهم.

إن المقياس الحقيقي لتقييم أي عمل هو: مدى ما يتمتع به من أصالة ذاتية وانتماء شرعي لأمته، ووفاء وطني لبلاده، فإذا انعدمت الأصالة؛ وفقد الانتماء الشرعي والوفاء الوطني، فمن العسير أن يطلق على عمل ما بأنه ناجح.

 وأيًّا كان الأمر فإن هذه الظاهرة كفيلة بتزويد الوعي الطلابي بكميات هائلة من النشاط  واليقظة والوطنيـة، كميات تدفعهم إلى رفض الاستغلال، والمحافظة على الاستقلال تدفعهم إلى إظهار الكويت في شكله الأصيل ووزنه الحضاري، تدفعهم إلى استلام القيادة وتوجيه العمل الطلابي وِجهةً أوعى وأسلم.

وحتى أولئك الذين بهرتهم بعض الشعارات الوافدة؛ سيجدون العمل تحت الشعارات الأصيلة أجدى وأبعد نظرًا، وأكثر شرفًا لهم ولجامعتهم وكويتهم وأمتهم، وسيعودون يومًا من هذه الرحلة المتعبة.

·     وهناك ملاحظات عامـة كنا نرجو أن يتجنبها المؤتمر.

-      أن الاهتمام بالقرارات السياسية كان أضعاف الاهتمام بالقضايا الطلابية الصرفة.

-      أن التشديد على تأييد الكفاح المسلح في الخليج بدأ غريبًا وشاذًّا في أمة يحتل أرضها عدو صهيوني، ويجب أن تتجه كل الأسلحة إليه.

-      كان المؤمل أن يساهم الطلبة بنشاط وافر في المؤتمر، إنعاشًا للحركة الطلابية و«فرملة» للأخطاء التي ترتكب باسم الطلبة، إلا أن هذا الأمل لم يتحقق كما ينبغي، ولعل كثيرًا من الطلبة لاحظ صبغة الشعارات فآثر الاستقلال الشخصي، هذا بالإضافة إلى ذهاب معظـم الطلبة إلى المصيف.

-      لوحظ توجيه الدعوة إلى الاتحادات الطلابية ذات الصبغة اليسارية لحضور المؤتمر.

 وهذا يميل بالاتحاد إلى الانحياز ويحرمه من الإخصاب الفكري والذهني والتجاربي، الذي يتحقق  بالانفتاح على كل الحركات الطلابية العالمية.

-      كانت الآراء المعارضة تجد عنتًا واضحًا في التعبير عن نفسها، فقد ارتفعت أصوات تتهم الاتحاد السوفيتي بتقديم مساعدات ضخمة للعدو الصهيوني، وقارن هؤلاء الوطنيون بين مساعدات أمریكا لإسرائيل المتمثلة في المال والسلاح، ومساعدات الاتحاد السوفيتي لإسرائيل المتمثلة في الرجال المقاتلين، ولكن هذه الأصوات كانت تقابل بالتشويش!

ولعل فرصة أخرى تتاح لمزيد من التقييم ابتغاء انتفاع الطلبة بحصيلة هذه التجربة.

 

 

الرابط المختصر :