; مؤتمر المصالحة الصومالية في جيبوتي في لمساته الأخيرة | مجلة المجتمع

العنوان مؤتمر المصالحة الصومالية في جيبوتي في لمساته الأخيرة

الكاتب مصطفى عبدالله

تاريخ النشر الثلاثاء 25-يوليو-2000

مشاهدات 69

نشر في العدد 1410

نشر في الصفحة 36

الثلاثاء 25-يوليو-2000

دخل مؤتمر السلام والمصالحة الصومالية الذي بدأ أعماله في مدينة عرتا بجيبوتي منذ الثاني من مايو الماضي مراحله الأخيرة بعد الانتهاء من المصالحة الاجتماعية، وبعد الاتفاق على المبادئ الأساسية والآليات المناسبة في الفترة الانتقالية، وظهر للسطح مرشحون عدة للمناصب البارزة للدولة وفي مقدمتها رئاسة الجمهورية، وتشهد هذه الأيام تنافسًا كبيرًا على عدد من المناصب السياسية المهمة.

ويشارك في المؤتمر أكثر من ألفي شخص، حوالي ألف منهم وفود رسمية والبقية تحضر بصفة مراقبين، وينضم إليه عشرات الأشخاص كل أسبوع، وقد تكون من شقين: الشق الأول للمصالحة الاجتماعية، والثاني للمصالحة السياسية وتشكيل حكومة وحدة وطنية.

اجتماعي.. وسياسي.. لماذا؟

قبل أن نُجيب عن هذا السؤال يجب أن نحدد ماهية الأزمة الصومالية التي يهدف المؤتمر إلى حلها، وفي هذا الصدد سألت «المجتمع» السيد عبد الرحمن معلم باديو -رئيس المجلس الصومالي للمصالحة العضو المشارك في المؤتمر- عن الأزمة الصومالية وعواملها الذاتية، فأجاب: «هناك مجموعة من العوامل الذاتية المتراكمة من أهمها الاستبداد الذي تحول من استبداد عسكري إلى استبداد قبيلة على قبائل، وتحولت مؤسسات الدولة تدريجيًا إلى مؤسسات عشائرية، ومعنى ذلك، أن رئيس الدولة الذي كان في الماضي رئيسًا لجميع الشعب وجميع العشائر، أصبح رئيسًا باسم الدولة، ولكن رئيسًا لعشيرته!! وهذا أدى إلى انقسام المجتمع، وتمحوره حول العشائر.. وفي النهاية حاولت كل عشيرة أن تكون هي التي تحكم البلد، وهذا بدوره أدى إلى العنف والعنف المضاد، مما أدى في النهاية إلى ما تراه اليوم. 

الخلاف السياسي والصراع الاجتماعي وجهان للأزمة الصومالية، ووجهان لعملة واحدة، ومادام الصراع العشائري هو الوقود الأساسي للصراع السياسي، فلا بد من مصالحة اجتماعية لتنقية الأجواء وإيجاد أرضية صلبة للمصالحة السياسية.

مصالحة اجتماعية بين العشائر وفق أعراف ومراسيم تقليدية يقودها شيوخ العشائر، ثم مصالحة سياسية وفق معايير ولغة معاصرة يقودها الساسة والمثقفون.

ومن هنا اجتمع مائة وخمسون من شيوخ العشائر في الشق الأول للمؤتمر، وتصالحت العشائر فيما بينها وفق الأعراف والتقاليد الاجتماعية القديمة، ولقد حقق هذا الشق أهدافه وانتهت أعماله بنجاح في الرابع عشر من يونيو الماضي، بعد أن اتفق على كيفية توزيع الوفود المشاركة في الشق السياسي للمؤتمر، وأصدروا بيانًا ختاميًّا يؤكدون فيه ضرورة طي صفحة الماضي المليئة بالإحن والحزازات والآلام، وفتح صفحة جديدة من الوئام والوفاق والمصالحة، وضرورة تشكيل حكومة وحدة وطنية، وناشدوا المجتمع الدولي مساندة مؤتمر السلام والمصالحة والحكومة التي ستتمخض عنه إن شاء الله.

الشق الثاني

بعد الانتهاء من الشق الأول انتقل مؤتمر السلام والمصالحة إلى شِقه الثاني السياسي في منتصف شهر يونيو الماضي، لمناقشة القضايا السياسية وإعداد الميثاق الوطني وتحديد نظام الحكم وتكوين الأجهزة المختلفة للدولة وغيرها.

ولتحقيق ذلك تشكلت من المؤتمرين لجان فنية متخصصة تدرس الأوضاع الراهنة وتقدم أوراقًا عن كيفية معالجتها، وتكون هذه الأوراق اللبنات الأولى والمكونات الأساسية لمشروع خطة استراتيجية شاملة للفترة الانتقالية، يرجى من الحكومة الانتقالية تحويلها إلى عمل ملموس خلال الفترة الانتقالية.

هذه اللجان المتخصصة بحثت في المجالات القانونية والأمنية والاقتصادية والتعليمية والاجتماعية والعلاقات الدبلوماسية، وقدمت اللجنة القانونية مسودة الميثاق الوطني للفترة الانتقالية، في حين قدمت اللجان الأخرى أوراقًا في القضايا المختلفة الأخرى، مثل وضع العاصمة، والزراعة، وتربية المواشي، وحماية البيئة والصحة العامة، والتعليم، والأمن، ونزع السلاح والعلاقات الخارجية.

وبدأ المؤتمر الاستماع لأوراق اللجان ابتداء من الثاني من يوليو الجاري، بعد أن استغرق إعدادها أكثر من أسبوعين، وأخذ الميثاق الوطني الذي أعدته لجنة تتكون من اثنين وثلاثين خبيرًا في القانون والشريعة، في حل مناقشات المؤتمر. 

وتشارك الوفود في المناقشات وتتناولها بصورة مستفيضة، ويتحاشى المؤتمرون الاكتفاء بالتصويت وأخذ رأي الأغلبية، بل يجتهدون لتحقيق الإجماع قدر الإمكان، وهذا يطيل فترة المؤتمر، ولذلك استمر قرابة ثلاثة شهور، وقد تستغرق الأجندة المتبقية أسابيع أخرى، أي قد يستمر المؤتمر أربعة أشهر أو أكثر!

الشريعة الإسلامية مصدر التشريع

وتجعل مسودة الميثاق الشريعة الإسلامية مصدرًا للتشريع والقوانين، وتعتبر لاغيًا كل قانون يخالفها، وينُص الميثاق أيضًا على حرمة نشر ديانة أخرى غير الإسلام في البلد، مادام أن الإسلام هو دين الدولة.

ويحدد الميثاق الفترة الانتقالية بثلاثة أعوام وتتكون أجهزة الدولة من رئيس للجمهورية وحكومة تنفيذية يترأسها رئيس الوزراء، وبرلمان ومجلس الشيوخ، ومجالس المحافظات، وتكون الحكومة لا مركزية تمنح المحافظات صلاحيات واسعة لإدارة شؤونها المحلية، والخدمات الاجتماعية، وذلك لتحجيم تسلط الحكومة المركزية ونزوعها إلى الاستبداد، ويتكون البرلمان الانتقالي من ٢٢٥ نائبًا، وخصص ٢٥ مقعدًا للنساء.

توعية المجتمع

بذلت الحكومة الجيبوتية جهودًا مضنية في نوعية الشعب الصومالي وإيجاد جسر اتصال بين الشعب والمؤتمر بتدشين قناة فضائية وموقع على شبكة الإنترنت لتغطية أخبار المؤتمر، وقد بدأت القناة برامجها مطلع شهر مايو الماضي وهي تبث برامجها لمدة تسعين دقيقة كل يوم، وتنقل ما يجري في عرتا إلى المجتمع الصومالي في داخل الوطن وخارجه، وفي العاشرة مساء كل يوم -وقت بدء البث اليومي- تتحول كثير من دور السينما ومحلات مشاهدة الفيديو والمراكز الثقافية، إضافة إلى البيوت التي تتوافر لها أطباق الاستقبال إلى حشود شعبية لمشاهدة ما جرى في عرتا، كما تلتقط المحطات الإذاعية والتلفازية المحلية بدورها برامج القناة الفضائية وتبثها مباشرة إلى مستمعيها أو مشاهديها، ومن فاتته المشاهدة المباشرة، فإن خلاصة برنامج البارحة تنتظره على صفحات الصحف اليومية الصادرة في المحافظات المختلفة صباح كل يوم.

التغطية الشاملة والكاملة لفاعليات المؤتمر ومناقشاته أعطته شفافية ومصداقية لدى المجتمع الصومالي، حتى قال أحدهم: «إن الوفود في مدينة عرتا تشارك في المؤتمر في الصباح، وجمهور المجتمع خارج عرتا يشارك في المساء، فالكل يشارك»

وسائل الإعلام الناطقة باللغة الصومالية سواء المحطات الإذاعية والتلفازية أو الصحف والمجلات، داخل الصومال أو في جاليات المهجر، لم تبخل عن إثراء جهود السلام والمصالحة بالتحليل والتعليق وتنظيم الندوات أو الحوارات في هذا الصدد.

غياب عربي ملحوظ

تحملت جيبوتي وحدها أعباء المؤتمر وثقله المادي والدبلوماسي، وتقدر التكاليف اليومية للمؤتمر بنحو خمسين ألف دولار، كما ذكرت لنا مصادر مقربة، فكيف لجيبوتي التي تعاني من مشكلات اقتصادية أن تتحمل هذه التكاليف؟

بعد إعلان المبادرة الجيبوتية، أسرعت الدول الغربية إلى احتضانها، إلا أن الحكومة الجيبوتية تحفظت على ذلك، إذ ترى أنه قد يؤدي إلى التدخل والتأثير على مسيرة المصالحة، ومن ثم انهيارها تمامًا، كما حدث للمصالحات السابقة، إذ إن من العوامل الرئيسة التي أدت إلى فشل المصالحات السابقة، تضارب المصالح ووجهات النظر بين مختلف الدول والمنظمات المعنية، وظهور محاور مختلفة يسعى كل منها إلى فرض مشروع معين واستقطاب بعض الأطراف.

وبسبب هذا التحفظ الجيبوتي أمتنعت الدول والمنظمات الغربية عن تقديم مساعدات مالية للمؤتمر، إلا أن الحكومة الجيبوتية كانت تعتقد -كما أفادت مصادر مطلعة- أن الدول العربية ستساهم في تحمل أعباء المؤتمر، ولكن يبدو أن ظنها قد خاب، رغم الزيارات الكثيرة التي قام بها الرئيس الجيبوتي إلى أغلب الدول العربية، وأكثر من ذلك كان الوجود العربي شحيحًا عند افتتاح المؤتمر.

ويشير بعض المحللين إلى أن هذا العزوف العربي قد يرجع إلى عدم فهم جوهر المبادرة الجيبوتية، فضلًا عن العجز العربي العام في شتى المجالات.

وتنطلق المبادرة الجيبوتية من تفعيل الدور الشعبي والأهلي، وتهميش دور الفصائل والزعامات الجبهوية أو تلك التي تمثل الطرف الرسمي، وحيث إن أغلب الدول العربية يغيب الجانب الشعبي، لذلك فإن جوهر المبادرة يتعارض مع فلسفة تلك الأنظمة، ومن ثم يصعب عليها فهم المبادرة، أو قد يرونها انقلابًا على سياساتهم.

ولكن رغم المتاعب المالية والضغوط الدبلوماسية، يبدو أن الحكومة الجيبوتية مصممة على تحملها مهما كلف الأمر.

المجتمع الصومالي الذي يتابع أعمال هذا المؤتمر جلسة بجلسة، يترقّب بفارغ الصبر، ولادة الجمهورية الثالثة بعد أن عاش حالة من الفوضى والتشرذم والانقسام، وذاق مرارة الحياة، وتجرع كأس الضياع والإهمال.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 43

448

الثلاثاء 12-يناير-1971

الشورى أم الاستبداد؟ (3)

نشر في العدد 38

0

الثلاثاء 08-ديسمبر-1970

الشورى  أم الاستبداد!