العنوان مؤتمر المصالحة الصومالية.. نقاش ساخن في مسائل مصيرية
الكاتب مصطفى عبدالله
تاريخ النشر السبت 05-يوليو-2003
مشاهدات 57
نشر في العدد 1558
نشر في الصفحة 34
السبت 05-يوليو-2003
يشهد مؤتمر المصالحة الصومالية المنعقد في كينيا نقاشًا ساخنًا فيما تمر مرحلته الثانية بأيامها الأخيرة، أما أبرز النقاط التي يدور حولها النقاش فهي عدد نواب البرلمان الانتقالي المزمع تشكيله، والجهة التي تختار هؤلاء النواب، ومدة الفترة الانتقالية، ونوع الدولة المقبلة، وقد تكونت تحالفات ائتلافية يتبنى كل واحد منها مواقف معينة حيال تلك المسائل.
ومن المقرر أن تحسم هذه المسائل في الأسبوع الأول من شهر يوليو، بعدها ينتقل المؤتمر إلى مرحلته الثالثة والأخيرة، ويتم فيها مناقشة تقاسم السلطة بين الأطراف الصومالية المتنازعة، وتشكيل مؤسسات الدولة في الفترة الانتقالية من برلمان ورئيس وحكومة تتسلم المسؤولية من الحكومة الانتقالية الحالية التي تنتهي مدتها بعد أسابيع.
شكل الدولة المقبلة
منذ منتصف العقد الماضي، يدور النقاش حول الشكل المناسب للجمهورية الثالثة للدولة الصومالية، هل تكون دولة موحدة أم فيدرالية؟ وإذا تم اختيار النموذج الأول، فكيف تكون العلاقة بين المركز والمحافظات؟ وعند اختيار النظام الفيدرالي كيف يكون ذلك النظام؟ وما الأسس والمعايير التي تحدد عدد الولايات التي ستتكون منها الفيدرالية؟
وقد دار نقاش حاد في المؤتمر حول الموضوع، وظهرت فکرتان متباينتان: أولاهما تقول إن العمل بالنظام الفيدرالي يحتاج إلى استفتاء شعبي، وهو أمر لا يمكن تحقيقه خلال الفترة الانتقالية، ولذلك يبقى الصومال دولة موحدة لا مركزية في المرحلة الانتقالية، وبعد حل الأزمة الحالية، يمكن عرض القضية للشعب عبر الاستفتاء، ليختار ما يراه مناسبًا، لأن الشعب الصومالي اختار نظام الدولة الموحدة في استفتاء عام 1961 م.
وتتبنى هذه الفكرة في المؤتمر غالبية الأطراف الصومالية والدولية، والحكومة الانتقالية، وعدد من الفصائل المسلحة، وغالبية المثقفين والمجتمع المدني، وكذلك خبراء دوليون يساعدون اللجان الصومالية من الناحية الفنية.
وترى الفكرة الثانية أن يبدأ تطبيق النظام الفيدرالي في الفترة الانتقالية، وتتبنى هذا الرأي فصائل غالبيتها موالية لأثيوبيا، ونزر يسير من المثقفين والمجتمع المدني، إضافة إلى الطرف الأثيوبي في المؤتمر، ومع ذلك لم يحدد هذا الطرف رسميًّا الأسس والمعايير التي تنبني عليها الولايات الفيدرالية، ويظهر من خلال المناقشات أن العشائرية تلعب دورًا محوريًّا في ذلك!
ولا شك أن الأطماع الأثيوبية تلعب دورًا محوريًّا في المسألة، إذ إن البرنامج الأثيوبي حيال الصومال يرتكز على تقسيمه إلى كانتونات صغيرة على أسس عشائرية، تدور في ذلك أثيوبيا، وبذلك يتحقق الحلم الأثيوبي أن تكون الدولة الإقليمية في القرن الأفريقي بلا منازع ولا إزعاج! وهو ما يرحب به المعسكر الغربي، ولذلك فإن الأطماع الأثيوبية والأقلام الأوروبية هي التي بلورت فكرة الفيدرالية في الصومال. وقد برزت فكرة الفيدرالية منتصف التسعينيات بعد الفشل المتكرر لمؤتمرات تصالحية عدة لحل الأزمة الصومالية، وتطورت إلى برنامج مكتوب عام 1998م بصدد إفشال اتفاق السلام المنبثق عن مؤتمر المصالحة الصومالية في القاهرة أواخر عام 1997 م، وظهرت الفكرة ضمن برنامج أثيوبي للمصالحة الصومالية سمي بــ: The New Approach for Somali Reconciliation
وعلى هذا المنوال، نسج خبراء بريطانيون من الجامعات البريطانية بدائل عدة لشكل الدولة الصومالية المقبلة، ومن هنا اكتسبت فكرة الفيدرالية تأصيلًا من الناحية النظرية، وبرنامجًا سياسيًّا من الناحية التطبيقية، وفي مؤتمر المصالحة الصومالية في جيبوتي عام 2000 م، نص الميثاق المنبثق عنه على فيدرالية الدولة الصومالية بعد الفترة الانتقالية.
وقد تكون خبرة المجتمع الصومالي خلال الجمهوريتين الأولى والثانية، بعد الاستقلال وبعد الحرب الأهلية الدامية، قد تكون مبررًا لتلك المناقشة، أو على الأقل إثارتها وتهيئة نفسيات المجتمع لها، وذلك أن الحكومات المدنية في الجمهورية الأولى اتسمت بالضعف الإداري والفساد الحكومي المتفشي؛ ولم تحقق إنجازات تذكر في العاصمة، فضلًا عن خارجها. أما النظام العسكري في الجمهورية الثانية, فقد اتسم بشمولية مطلقة، إذ يتحكم الرئيس في جميع أمور البلاد ويديرها من مقره.
البرلمان الانتقالي
يدور النقاش حول عدد نواب البرلمان في الفترة الانتقالية والجهة التي تقوم باختيارهم: في وقت سابق، اتفق زعماء الأطراف الصومالية في المؤتمر على أن يكون عددهم (450) نائبًا، ويتطلب الأمر عرض المشروع على الوفود للمصادقة عليه، بالإجماع طبعًا.
وفي المرحلة الثانية للمؤتمر، تشكلت لجان ستة لبلورة القضايا الأساسية التي تتطلب المصادقة قبل تشكيل الحكومة، ثم شكل رئيس المؤتمر، وهو المندوب الكيني، لجنة فنية تتكون من کوادر صومالية متخصصة للتنسيق بين الاقتراحات التي تقدمت بها اللجان الستة, واقترحت هذه اللجنة أن يكون عدد نواب البرلمان (171) نائبًا، انطلاقًا من الحجم السكاني للصومال.
وانتقل النقاش رسميًّا للمؤتمرين منتصف يونيو، وظهرت فكرتان، أولاهما أن يكون العدد 450 نائبًا، والأخرى أن يكون العدد ما بين 200 - 300 نائب، وتدخلت الأسرة الدولية في الأمر، واقترحت ألا يتجاوز العدد 250 نائبًا، وأضاف مندوبو الأسرة الدولية في المؤتمر في بيان لهم، أن العالم مستعد أن يتحمل التكاليف الضرورية لتشغيل البرلمان الصومالي إذا كان عدده 250 نائبًا، ولكن إذا قرر المؤتمرون أن يكون العدد 450 نائبًا، فإن الأسرة الدولية لا تقدم لهم مساعدات مالية في هذا الشأن.
عدد كبير من النواب.. لماذا؟
المبررات الأساسية للعدد الكبير هي أنه يساعد في تخفيف أزمة الثقة في مجتمع دارت بينه حروب أهلية دامية؛ بينما المبررات الأساسية للعدد القليل أن سكان الصومال قد لا يتجاوز عددهم عشرة ملايين، والظروف الاقتصادية - مع الاعتماد على المساعدات الخارجية - لا تسمح بتحمل بهذا العبء، إضافة إلى الصعوبات اللوجستية والفنية التي ستواجه برلمانًا بهذا الحجم، وهذا لا يتناسب مع أمة تحاول النهوض من كبوتها.
ويدور نقاش آخر حول الجهة التي ستختار النواب، وقد ظهر رأيان في هذا الأمر، أولهما يرى أن يختار شيوخ العشائر النواب ما داموا يأتون عن طريق عشائرهم، لأن الشيوخ يمثلون الشرعية التقليدية للمجتمع، والشرعية الوحيدة القائمة في البلد بعد انهيار الشرعية المعاصرة التي جاءت بالانتخاب أو بالقوة، ومن ثم فلا مناص من شرعية شيوخ العشائر على غرار مؤتمر المصالحة في جيبوتي قبل ثلاثة أعوام، ويتبنى هذا الرأي الحكومة الانتقالية وفاعليات المجتمع المدني في المؤتمر، وتميل غالبية مندوبي الأسرة الدولية في المؤتمر إلى هذا الرأي.
أما الرأي الثاني، فيرى أن يقوم زعماء الفصائل السياسية باختيار النواب بدلًا من رؤساء العشائر، ويتبنى هذا الرأي زعماء الفصائل جميعًا ومعهم أثيوبيا.
نقاش آخر يدور: هل تكتسب الوفود المشاركة في المؤتمر عضوية البرلمان مباشرة بمجرد مشاركتها في المؤتمر أم لا؟ وتفضل الفصائل الموالية لأثيوبيا هذا الرأي ومعهم المندوب الأثيوبي، بينما ترفض الأطراف الصومالية الأخرى هذا الرأي، ومعها الأسرة الدولية.
مدة الفترة الانتقالية
كما يحتدم النقاش: هل تكون الفترة الانتقالية، ثلاث سنوات أم خمس سنوات؟ ويتشبث بعض الفصائل الصومالية وأغلبها من المجلس الصومالي للمصالحة وإعادة الأعمار الموالي لأثيوبيا أن تكون خمس سنوات، وتدير الحكومة المنبثقة عن مؤتمر المصالحة الجاري دفة الحكم خلال هذه المدة. وتعارض هذا الرأي الحكومة الانتقالية الحالية, وبعض الفصائل, وأغلبية المجتمع المدني والمثقفين، وكذلك مندوبو الأسرة الدولية في المؤتمر، ويرون أن خمس سنوات مدة طويلة جدًا لمرحلة انتقالية مهمتها الأساسية هي إعادة النظام والاستقرار والتهيئة للخروج إلى مؤسسات دستورية مستقرة, وأن ثلاث سنوات كافية لتحقيق ذلك.
هذه المسائل.. لا بد من حسمها قبل الانطلاق إلى المرحلة الثالثة، بعد ذلك يدخل المؤتمر في أصعب مراحله على الإطلاق.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل