العنوان مؤتمر الإحياء الإسلامي والغرب
الكاتب د. عصام العريان
تاريخ النشر الثلاثاء 16-مايو-1995
مشاهدات 84
نشر في العدد 1150
نشر في الصفحة 48
الثلاثاء 16-مايو-1995
- الاتفاق على استمرار الحوار.. خلاصات وبرامج عمل للمستقبل
- الإحياء الإسلامي يعبر عن رغبة لبناء نموذج حضاري مستقل على أساس الإسلام.
بقلم د. عصام العريان
كانت جولة اليوم الثاني في المؤتمر للبحث عن نقاط الاتفاق والأهداف المشتركة، كما تم عقد جلسة لتحديد المشاكل التي تواجهنا جميعا سواء في الفهم المشترك أو في الواقع العملي وقد تصدرت قضية حقوق الإنسان قائمة المشكلات من جهة المشاركين من الغرب وكذلك مدى ملامة الشريعة الإسلامية لمبادئ القانون الدولي.
بينما كانت القضايا المثارة من الجانب الإسلامي تتمثل في مدى احترام الغرب للدين الإسلامي وكذلك مدى قبول الغرب واحترامه لحق المسلمين في العالم في إقامة نظام حياتهم على أساس الإسلام وتطبيق الشريعة الإسلامية وكذلك وحدة العالم الإسلامي خاصة إذا كانت بالوسائل الديمقراطية التي ينادي بها الغرب.
حقوق الإنسان
قدم ممثل من منظمة باكس كريستي PAX Christi الهولندية تصوره عن المشاكلالمثارة في مجال حقوق الإنسان والمنظمة هي هيئة دولية كاثوليكية للسلام وحقوق الإنسان وقامت بإصدار تقريرين عن السودان والآخر عن مصر وفلسطين وبالرغم من تقريره أن الأصل أن يقدم المسلمون تحديدا للمشاكل من وجهة نظرهم وأن عليه وزملاءه أن يبحثوا عن دور الكنيسة إلا أنه تحدث كثيرا عن أفغانستان والسودان ومصر كما تحدث عن البوسنة وفلسطين. وقد أوضح أن التربة الخصبة هي التي أدت إلى نمو الحركات الإسلامية وليس التصدير من الخارج، ومع ذلك شن هجوماً شديداً على السودان واتهمه اتهامات باطلة حول فرض القوانين الإسلامية على غير المسلمين كما ادعى أن السودان يستخدم الحوارات بين الأديان كوسيلة سياسية لكسر الحصار الدولي. أما مصر فقد ذكر أن الإخوان المسلمين بالنسبة لكثير من الناس يمثلون بديلا حقيقيا للتنمية والتقدم. وقد تحدث آخرون حول نفس القضايا : حقوق الإنسان والقانون الدولي، وقد كانت هذه الجلسة من أسخن الجلسات حيث تم مهاجمة الغرب هجوماً شديداً ورفض المشاركون الإسلاميون أن يتعرض العالم الإسلامي لامتحان قبول في النادي الدولي، أو يتعرض الأكاديميون المسلمون في الندوات والمؤتمرات لمثل هذه الاختبارات والأسئلة التي تلقى أحيانا من استعلاء واستكبار واتهم الإسلاميون الغرب وإداراته السياسية بالنفاق السياسي ودللوا بأحداث الجزائر كما اتهموا الغرب بالازدواجية وتطبيق معايير مختلفة على القضايا المتشابهة وبدعم «إسرائيل» دعماً كاملا رغم عنصريتها وعدوانيتها.
وطالبوا الغربيين باحترام الدين الإسلامي والإقرار بأحقية المسلمين في اختيار نظام حياتهم وفق شريعتهم وحقهم في تطبيق الشريعة الإسلامية مع التعاون الكامل مع الغرب من أجل صالح العالم كله.
التنوع في الظاهرة الإسلامية
كانت مساهمة الدكتور محمد أيدن من كليةالإلهيات بإزمير بتركيا كاشفة لحقائق متعلقة بالصحوة الإسلامية لقد ركز د. أيدن على الحقائق الآتية: استخدام اللفظ العربي (الإحياء) أفضل من استخدام الترجمة الغربية المتمثلة في لفظه "Revival" الذي يعني انبعاثًا أو نهضة في بعض معانيه. إن تاريخ الإحياء طويل وإنه يحتاج إلى تحليل اقتصادي اجتماعي. إن جوانب الإحياء الإسلامي في الأمة الإسلامية متعددة ومتنوعة وتأخذ أكثر من شكل في البلاد المختلفة: هناك شبه القارة الهندية وكذلك مصر وتختلف تركيا عنهما.
صور الإحياء يمكن أن تكون في حياة النخب المثقفة متمثلة في الارتباط بجذور إسلامية من جانب وأسباب تحديثية غربية من جانب آخر.
إن هناك حركة صوفية للإحياء قوية جدا خاصة في تركيا وجنوب شرق آسيا تبني المدارس والعيادات وتقيم شركات اقتصادية على أسس إسلامية
وعرض د. أيدن في ورقته وحديثه نقدا شديدا للمدرسة العقلانية التي تظهر متعارضةمع الفلسفة الدينية. وأثار مسألة البعد الإلهي للشريعة الإسلامية والفهم البشري لتلك الشريعة.
البوسنة: محرقة أوروبية للمسلمين
كانت البوسنة حاضرة في اللقاء، إما كقضية حية تدل على عمق الأزمة بين الغرب وبين المسلمين فقط بدون إحياء إسلامي وكذلك حضرت في صورة الأستاذ باليتش الذي تحدث عن قضية البوسنة بحرارة أكثر من مرة. وقد تحدث أكثر من متحدث حول نفاق الغرب ووقوفه في وجه استقلال المسلمين مستدلا على ذلك بالبوسنة ومذابحها وسكوت الغرب على الدعم الروسي وغيره للصرب بينما يستمر الحظر على توريد السلاح لمسلمي البوسنةوالهرسك.
خلاصة المناقشات
أستطيع أن أقول إن التلخيص الذي قدمه الأخ فهمي هويدي في مقاله عن المؤتمر في أهرام
١/١١ يعتبر معبرا عن جملة المناقشات لذلك اقتبس منه بعض العناوين فقط لكي لا أستطرد طويلا
إن الحديث عن غرب واحد فيه قدر كبير من التبسيط المخل، فالغرب متعدد ومتنوع وكذلك الإحياء الإسلامي.
- إن الإحياء الإسلامي يعبر عن رغبة المسلمين في مواصلة مسيرة نهضتهم التي قطعها الاحتلال العسكري الغربي على أساس الإسلام. إن ثمة تفرقة ضرورية بين الإحياء الإسلامي والتطرف (إن صحت التسمية). إن الناس لا يولدون متطرفين، ولكنهم يتحولون نتيجة ظروف معينة تحتاج إلى دراسة منفصلة لكل حالة.
إن التطرف ليس ظاهرة إسلامية فقط ولكنظاهرة عالمية تهدد الغرب نفسه.
التوصيات والنتائج
بعد عرض سريع لمجريات المؤتمر صدرت التوصيات والتي تعرضت لتعديلات طفيفة، ولكنها عبرت عن مجمل الاتفاق خلال اللقاء والتي تمت مناقشتها
أولًا: أصبح واضحاً أن ظاهرة الإحياء الإسلامي متنوعة وذات تاريخ طويل وهي تهدف إلى التغلب على فجوة حضارية سببتها هيمنة غربية لمدة مائتي عام وهي تعبر عن رغبة حقيقية لبناء نموذج حضاري، مستقل على أساس الإسلام
ثانيًا: التطرف ليس ظاهرة إسلامية فقط وهو له ظروفه الخاصة ولا يعبر عن حقيقة الدين الإسلامي والعمليات الإرهابية لا يجوز أن تلصق بالإسلام، بل لها أسبابها الخاصة في ظل صراع طويل.
ثالثًا: الموقف الغربي من ظاهرة الإحياء الإسلامي يتراوح بين سيناريوهين:
الأول: سلبي يقوم على الخوف من الظاهرة الإسلامية ويعتبر الإسلام العدو الجديد بعد انتهاء الحرب الباردة.
والثاني: إيجابي يدعو إلى ضرورة التلاقي مع الإسلام وأن يقوم ذلك على أساس فهم جيد. وهناك في الغرب قوى ومؤسسات وأفراد يعملون من أجل الفهم المشترك والمؤتمر يمثل الخيار الثاني ويلتزم به في خططه للمستقبل.
رابعًا: مع الاعتراف بالخلافات القائمة بين العالم الإسلامي والغرب فإننا نشارك فيالاهتمام بالقيم المشتركة الآتية:
- احترام كرامة الإنسان.
- احترام حقوق الإنسان مع الاعتراف بالحق في الخصوصية والاختلاف
- الدفاع عن الأخلاق واحترام الأديان
- الالتزام المشترك بالعمل من أجل مواجهة المشاكل التي تواجه البشرية مثل: الفقر والجوع وزيادة الفجوة بين الأغنياء والفقراء
- الظلم والقهر وانتهاكات حقوق الإنسان.
- تلوث البيئة الذي يهدد الحياة واستمرارها على ظهر الأرض.
- الإرهاب والحروب الأهلية والعالمية مع الاعتراف بحق الدفاع الشرعي ضد الظلم والقهر والاحتلال.
- الاعتراف بالحق في تقرير المصير والحق في الحريات العامة.
خامساً: في ضوء هذه القيم المشتركة فإن المؤتمرين اتفقوا على صياغة الأهداف المشتركة التالية:
- تشجيع الفهم المتبادل والاحترام والثقة بينالطرفين.
- تشجيع العمل على إغناء الحضارة الإنسانية بتلقيح متبادل بدلا من العمل على سيطرة وهيمنة حضارة واحدة على كل الحضارات.
- العمل على التمسك بمبادئ حقوق الإنسان في المجتمعات المختلفة.
- الاهتمام بدور الشباب والمرأة في المجتمعمع احترام الأسرة
- العمل على حل مشاكل شباب الجيل الثاني من المسلمين في الغرب في إطار الأخذ المشترك من الحضارتين الإسلامية والغربية
سادساً: أدرك المجتمعون أهمية استمرار الحوار والنقاش في المستقبل حول القضايا التالية:
- العلاقة بين الدين والسياسة أو الدين والدولة.
- أوجه الاتفاق والاختلاف بين الديمقراطية والشورى
- دور الشريعة في العالم الإسلامي مقارنةبدور القانون الوضعي في الغرب
لذلك يؤمن المشاركون بأهمية الحوارالمشترك واستمراره وتقويته بين العالم الإسلامي والعالم الغربي.
خطط المستقبل
شكل المؤتمر لجنة يرأسها من الجانب الغربي د. مولدر ويشاركه من الجانب الإسلامي الدكتور أحمد صدقي الدجاني لمتابعة برامج الحوارات المقترحة. وقد اتفق المشاركون على عقد 3 مؤتمرات في العامين القادمين إن شاء الله
الأول: حول الشباب المسلم في أوروبا بين الذوبان والاندماج أو التفاعل الخلاق مع المجتمع خلال ۱۹۹۵م، وسيشارك فيه شباب مسلم من أوروبا أساساً بجانب بعض الشبابمن البلاد الإسلامية.
الثاني: عن المرأة، خلال عام ١٩٩٦م. الثالث: وضع اقتراح لمؤتمر عن تنظيم مؤتمر عن حقوق الإنسان على أساس فهم مشترك بينالإسلام والغرب. ووجهت دعوة للجنة المنظمة للاتصال بالجامعة الإسلامية في غزة بفلسطين للبحث عن إمكانية التعاون في مشروعات بحثية مع الجامعات الأوروبية.
الحوار الأوروبي العربي الشعبي
على هامش المؤتمر تم التعريف بمؤتمر قادم للحوار الأوروبي - العربي الشعبي أو كما جاء في التعريف بالإنجليزية "From below" وأهداف المؤتمر هي:- تشجيع الحوار والفهم والتعاون المشترك بين الشعوب في أوروبا والعالمالعربي
- مناقشة القضايا المتعلقة بالتنمية والتعايش المشترك القائم على التفاعل بين الحضارات الديمقراطية وحقوق الإنسان.
- تشجيع دور المنظمات غير الحكومية كجزء رئيس من المجتمع الأهلي (المدني).
- تكوين شبكة دائمة من المنظمات غير الحكومية بين أوروبا والعالم العربي.
ويركز المؤتمر على الحضور العربي من المغرب وتونس ومصر والمناطق الفلسطينية المحتلة. وهو يصب في الدوائر التي تحدثنا عنها.. وعنوان الجهة المنظمة والداعية للمؤتمر من أجل الاتصال بها هو:
Euro - Arab Dialogue from below wim Bartels Janneke houdijk IKV Post box 85893 2508 CN the Hague Phone: 3170 3207100 Fax: 3170-3242611 E- mail IKV @ AN TENNANL
لقاء مع رئيس البرلمان
كان من فعاليات المؤتمر ما يسمى برلمان الشباب، وقد أداره رئيس البرلمان الهولندي لمناقشة قضايا الشباب، وقد شارك في هذا البرلمان – وهي تجربة جديدة ومفيدة - قرابة ٦٠ شابا نصفهم تقريبا من الشباب المسلم الذي يمثل الجيل الثاني أو الثالث وله رؤية مختلفة وتلقى تعليمه في هولندا. وقبل انعقاد برلمان الشباب كان للضيوف من العالم الإسلامي لقاء مع رئيس البرلمان وتحدثنا معه عن العلاقة بين أوروبا والعالم الإسلامي وملخص ما دار في المؤتمر ثم دار حديث حول المشاكل التي تواجهها هولندا فكانتوفق ترتيبه
- البطالة.
- الجريمة المنظمة.
- ضعف الانتماء مما دفع البرلمان إلى التفكير في إصدار قانون يلغي التجنيد العسكري الإجباري.
قضايا الشباب
ودار حديث طويل حول المشاكل التعليمية خاصة أن الرجل كان وزيراً سابقاً للتعليم وشرح لنا أن المحور الرئيس للعملية التعليمية هوالإدارة الذاتية من جانب أولياء الأمور.
وفي برلمان الشباب الذي استمر حوالي 3 ساعات وحضرنا بصفتنا مراقبين كانت القضاياالمثارة هي:
- الثقافة التي يتبعها الطالب
- اللغة التي يتحدث بها الطلاب في المدارس، وهل يجوز الحديث في الفصل باللغة العربية أو التركية.
- الحجاب في المدارس
وهذه القضايا لا تشكل حتى الآن مواضيع في المدارس الهولندية كما هو الحال في فرنسا إلا أن الجميع يتحسب من انتشار حالة المواجهة التي بدأت هناك إلى بقية القارة الأوروبية. وقد كان حديثي أمام المؤتمر عن دور الشباب في البلاد الإسلامية موضحاً بحالة مصر، وتركز على الدور الكبير الذي يقوم به الشباب في الجامعات والنقابات المهنية والعمالية وكذلك المجالس المحلية، وكيف يمارس الشباب دوره في الحركة الإسلامية حيث يشكل أكثر من ٧٥% من أعضائها وقادتها؟ وتحدثت طويلا عن مشاكل الشباب وكذلك العنف وأسبابه وتصوره للمستقبل. كما تحدثت فتاة تركية لا أعتقد أنها تمثل الحركة الإسلامية عن فكرة جديدة يظهر أن مؤسسة الحوارات تتبناها بحماس وهي تتركز في أن يأخذ الشاب المسلم المولود في أوروبا بطرف من كلتا الثقافتين - ثقافته الأصلية الموروثة وثقافة الوطن الذي يعيش فيه، وقد سميت هذه العملية "Intercreation"، في مواجهة الأفكار المطروحة في الغرب والتي يطلق عليها "Assemilation" و "Lntegration" وفي الجملة فإن هذه التجربة جيدة، وقد كان أداء الشباب المسلم معقولا وحجتهم قوية في مواجهة زملائهم الذين انقسموا كالعادة إلى مختلف الأفكار والأحزاب
وختاماً:
أعتقد أن هذه اللقاءات ستستمر وتنمو وهي مرحلة جديدة يتعامل الغرب فيها مع الظاهرة الإسلامية ويدرسها ويحدد أسلوب التعامل معها، هل يبقى كما هو في حالة عداء ونفي لها؟ أم يحدث تغيير في الأسلوب مع بقاء أهداف الغرب كما هي؟ ويتوقف هذا على قرار الحركة الإسلامية وخططها المستقبلية وأدائها في الحوارات المتصلة والرسالة التي تقدمها للعالم كله. ولا أنسى أن أشير هنا إلى أن هناك عالمًا آخر غير الغرب وهو اليابان وكوريا والصين التي تحاول أيضا فهم الإسلام وموقف الحركات الإسلامية ولا نعطيه القدر الكافي من الاهتمام والمتابعة لأننا مشغولون بالغرب
وفي النهاية: الواجبات أكثر من الأوقات، والحياة لا تتسع لكل هذا النشاط فلابد من العمل المنظم والجهد المخطط والله الموفق والمستعان ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ (التوبة:105(