العنوان مؤتمر جديد بعد أسبوع ... جاهلية القرن الحادي والعشرين في المؤتمرات الدولية للمرأة
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 30-مايو-2000
مشاهدات 52
نشر في العدد 1402
نشر في الصفحة 9
الثلاثاء 30-مايو-2000
أصبحت «المرأة» و«الأسرة» محورين أساسيين من محاور عمل التجمعات العلمانية وكثير من المنظمات والجمعيات «الحكومية وغير الحكومية» المتسترة برداء الحرية وحقوق الإنسان.
كما أصبح الشغل الشاغل لتلك التجمعات ولهذه المنظمات السعي لتقنين الإباحية والرذيلة باسم الحرية، والانتكاس عن الفطرة التي فطر الله الناس عليها وتعميم الشذوذ باسم حقوق الإنسان، وتقويض بناء «الأسرة» لأنها - في زعمهم - أكبر عائق من عوائق التقدم والرفاهية، وأقدم مؤسسة اجتماعية يدعون أن الرجل يتسلط من خلالها على المرأة ويمارس عليها أشكال القهر، ومن أجل التحرير المزعوم للمرأة فإنهم يرون ضرورة التخلص من الأسرة، واقتلاعها من جذورها، وإن أدى ذلك إلى التمرد على كل التعاليم الدينية والأخلاقيات الاجتماعية والمبادئ الفطرية الإنسانية التي أرست دعائم الشعوب والأمم على مر التاريخ البشري.
تلك هي رؤيتهم التي دأبوا على بثها بكل وسيلة ممكنة، وذلك هو برنامجهم الذي لم يسأموا من السعي لتحقيقه في الواقع وفرضه بالقوة، مستعينين بمؤسسات الهيمنة الدولية وفي مقدمتها الأمم المتحدة، وصندوق النقد الدولي، والبنك الدولي.
وفي السنوات الأخيرة تكثفت جهود الحركات النسوية ونشطاء «حقوق الإنسان» من أجل نقل تصوراتها وأفكارها عن المرأة والأسرة من حيز الكلام النظري إلى حيز التنفيذ العملي ومن الأطر الثقافية والاجتماعية الخاصة ببعض الشعوب والحضارات إلى النطاق العالمي العام، مستغلين طغيان موجة «العولمة».
وقد تم عقد سلسلة من المؤتمرات الدولية حول هذا الموضوع كان من أهمها: مؤتمر السكان بالقاهرة (١٩٩٤م) ومؤتمر التنمية في كوبنهاجن، ومؤتمر المرأة في بكين (١٩٩٥م) ثم مؤتمر الصحة الإنجابية بالقاهرة (۱۹۹۸م)، ومؤتمر العنف ضد نساء العالم في نيويورك (۱۹۹۹م)، وغير ذلك من المؤتمرات التي قد تكون اختلفت في عناوينها ولكنها اتفقت في أهدافها الساعية إلى هدم منظومات القيم والمبادئ والأخلاقيات الدينية التي تكفل كرامة المرأة أو التي تحفظ لها حقوقها الفطرية أو تعلي من شأن «الأسرة» ودور المرأة في بنائها، كذلك فإن تلك المؤتمرات اتخذت كوسيلة للترويج - عالميًا - للمفاهيم المنحرفة عن العلاقات الجنسية والدفاع عن الشذوذ باعتباره حقًا من حقوق الإنسان! وتسويغ الزنى ومطالبة الحكومات بدعم وسائل منع الحمل للمراهقات غير المتزوجات، وإضفاء الصفة القانونية على أنماط الشذوذ الجنسي باعتباره نمطًا جديدًا للأسرة!
ولم تقتصر خطورة تلك المؤتمرات على الترويج للأفكار الهدامة، والرؤى المنحرفة، بل تعدتها إلى البحث في آليات تنفيذها وفرضها على الشعوب والمجتمعات، وجعلها مرجعية دولية واجبة الاحترام وتجريم الخروج عليها.
وضمن هذا السياق الظلامي الذي يهدد الإنسانية كلها - وليس فقط أمتنا الإسلامية - تعقد الجمعية العامة للأمم المتحدة مؤتمرًا عالميًا تحت عنوان: المساواة النوعية «بين الذكر والأنثى» والتنمية والسلام في القرن الحادي والعشرين، وذلك في مدينة نيويورك في الفترة من 5-9 يونيو المقبل، ويهدف هذا المؤتمر إلى التوصل لصيغة نهائية لتوصيات ومقررات المؤتمرات السابقة بحيث تكون - تلك الصيغة - ملزمة للدول فيما يتعلق بقضايا المرأة والأسرة، بغض النظر عن الاعتبارات الدينية أو الخصوصيات الاجتماعية والحضارية، وذلك عبر إعادة تعريف مفهوم «الأسرة» وعدم قصرها على الزواج الشرعي بين رجل وامرأة وتقنين الشذوذ وتغيير نظام الميراث.. إلخ.
إن السبب الرئيس للمأساة الغير أخلاقية التي تعيشها المجتمعات الغربية أنها بدلًا من السعي للقضاء على الانحرافات اللا أخلاقية والمشكلات الاجتماعية عبر إزالة أسبابها وعلاجها من منظور عقدي واجتماعي وثقافي فإنها تلجا إلى الإقرار بأن المشكلة ستظل موجودة دون انتهاء، ومن ثم تسعى لتقنين وضعها، الأمر الذي يعني انتشار المرض واستفحاله بدلًا من زواله واندثاره.
إن تلك الانحرافات اللا أخلاقية والمشكلات الاجتماعية تعاني منها مجتمعات معينة نتيجة تخليها عن الدين والقيم والأخلاق كمرجعية لسلوكياتها وقيمة كبيرة في حياتها.. وبدلًا من الرجوع إلى الدين والقيم والأخلاق نجد الغرب يسعى لتعميم سلوكياته المنحرفة على بقية دول العالم وإكسابها وضعية قانونية دولية.
وبالرغم من تفاقم مشكلات الفقر وانخفاض مستوى المعيشة وانتشار الأمية، وتدهور الخدمات الصحية التي تعاني منها المرأة في بقاع كثيرة من العالم إلا أن تلك المؤتمرات لا توليها ما تستحق من اهتمام، وبدلًا من ذلك فإنها تركز جل نشاطها في الترويج لما تعتبره مفاهيم جديدة وأفكارًا متحررة تدعو إلى تقنين الفسوق والانتكاس عن الفطرة وبث الفتن والصراعات، في أساس تكوين المجتمعات ودعامتها الرئيسة وهي «الأسرة».
لقد اتخذ بعض وفود الحكومات العربية والإسلامية مواقف متحفظة على مقررات وتوصيات المؤتمرات السابقة، وكذلك فعل بعض الجمعيات والمنظمات الأهلية وامتنعت عن التصديق على أي مقررات أو توصيات تخالف قيم الإسلام أو تتناقض مع أحكامه وأخلاقياته.. وحذر كثير من العلماء ومجامع البحوث والهيئات الإسلامية، وحتى بعض الهيئات الدينية غير الإسلامية من أخطار الانجراف في هذا التيار الداعي إلى تدمير الأسرة، وإهدار كرامة المرأة وتحدي الأحكام التي أنزلها الله لتحكم العلاقات الإنسانية وتهدي البشرية إلى الصراط المستقيم.
والمطلوب الآن هو أن تنهض جميع الهيئات والمؤسسات والمنظمات الخيرية والدينية للوقوف موقفًا حازمًا تجاه مؤتمر نيويورك المقبل لإفشال مخططاته، والاعتراض على كل ما يخالف قيم الإسلام، وما ارتضى الله لعباده، والعمل معًا من أجل إنقاذ البشرية من جاهلية القرن الحادي والعشرين التي تسعى قوى الانحلال والتيارات الهدامة إلى تقنينها وعولمتها وفرضها بالقوة على كافة شعوب الأرض.
ومن الضروري أن يكون الحضور الإسلامي الرسمي والشعبي كثيفًا وفاعلًا في هذه المؤتمرات، وذلك لإعلان الموقف الإسلامي وشرح نظمه وقواعده السمحة، وبيانها للناس أجمعين، والتصدي لمحاولات فرض هيمنة النموذج الغربي على العالم، كما ينبغي التنسيق الجاد مع كل الجهات الحكيمة في العالم للتأكيد على ضرورة احترام القيم الدينية والمحافظة على الأسرة وتكريم المرأة بما كرمها به خالقها سبحانه وتعالى لا بما يزعمه دعاة الانحراف والفجور.