العنوان مؤتمر جينيف معركة السياسة السعرية
الكاتب عبدالله الصالح
تاريخ النشر الأربعاء 03-يونيو-1981
مشاهدات 70
نشر في العدد 531
نشر في الصفحة 36
الأربعاء 03-يونيو-1981
• تضارب الآراء وتصلب البعض كاد ينهي المؤتمر دون التوصل إلى قرار!
• مؤتمر جنيف يقرر تجميد الأسعار 36 دولارًا للبرميل وخفض الإنتاج بنسبة 10%.
في نهاية الأسبوع الماضي أنهت اللجنة الوزارية لمنظمة الأقطار المصدرة للبترول (أوبيك) اجتماعها الستين في جنيف بالتوصل إلى قرار بتجميد الأسعار لمدة ستة أشهر أخرى وخفض الإنتاج ابتداء من الشهر الحالي بنسبة 10%، وذلك بعد اجتماعات دامت يومين وصفت بالتوتر، فكيف تم التوصل لهذا القرار وهل هو في مصلحة أوبيك؟
والحقيقة إن حيثيات القرار توضح إلى حد ما كيفية اتخاذ القرار، قرار التجميد وافقت عليه جميع الدول بعد إلحاح شديد من وزير البترول السعودي أحمد زكي اليماني، أما قرار خفض الإنتاج فقد رفضته ثلاث دول هي السعودية والعراق وإيران، ولا يخفى أن حالة الحرب بين العراق وإيران هي التي أملت هذا الموقف على البلدين، ولذلك يبقى موقف السعودية هو الموقف الذي يستحق المناقشة.
في بداية الاجتماعات توقع وزير النفط الكويتي الشيخ علي الخليفة ألا يتوصل المؤتمر إلى قرار وذلك بسبب تباين وجهات النظر من جهة وتشدد بعض الأعضاء وإصرارهم على آرائهم.
تضارب في الآراء
ففيما قال مانع سعيد العتيبة وزير بترول الإمارات «لن أخفض سعري حتى لو اضطررت إلى وقف الإنتاج لمدة عامين» وفيما قال وزير البترول الفنزويلي كالديرون «سنبقي على سعر 36 دولار وإلا فليذهب عملاؤنا إلى مكان آخر» وفيما صرح معظم الوزراء المشاركون في المؤتمر بأنهم لن يخفضوا السعر كان أحمد زكي يماني يعلن «لن نخفض إنتاجنا و36 دولارًا لبرميل النفط سعر مرتفع جدًا»! وأبلغ الصحافيين أثناء الافتتاح «إنه لن يناقش في المؤتمر مسألة خفض الإنتاج السعودي وإنه يتوقع أن يقوم بعض الأعضاء بتخفيض أسعار نفوطهم»!
وفي مثل هذه الأجواء كان ميؤوسًا أن يتوصل المؤتمر إلى قرار. ولكن جهود علي الخليفة الذي تقدم بحل وسط دعم فنزويلا تكللت بالنجاح فكان أن تم التوصل إلى تخفيض أسعار النفط بمعدل 36 دولار للبرميل لمدة ستة أشهر على أن تخفض هذه الدول إنتاجها بمعدل 10% ابتداء من شهر يونيو الحالي. ولكن السعودية رفضت فكرة خفض الإنتاج وأصرت على معدل الإنتاج الحالي (10) ملايين برميل يوميًا فيما وافقت على رفع سعر نفطها من 32 دولار إلى 34 دولار.
وجهة النظر السعودية
ولكن ما السر في الموقف السعودي؟ يقول أحمد زكي اليماني: إن بلاده تتبنى سياسة سعرية قائمة على أساس ربط أسعار النفط بمعدلات النمو الاقتصادي والتضخم المالي للدول المستهلكة للنفط وللتوصل إلى ذلك فإن بلاده ترى خفض أسعار النفط لتتوحد في جميع دول الأوبك أولا، وهذا ما رفضته جميع الدول مما حدا بالسعودية إلى زيادة إنتاجها وعرضه في الأسواق بسعر أقل وذلك بغية إغراق السوق العالمي وزيادة المعروض من النفط على المطلوب منه لإجبار الدول الأخرى على خفض أسعارها!
ومن هنا فإن السعودية تعترف على لسان أحمد زكي يماني أنها أسهمت في «تخمة السوق» ولكنها في نفس الوقت تحتج بهذه التخمة المصطنعة لمطالبة الآخرين لخفض أسعار نفوطهم وإلا فإنها ستستمر في الإنتاج بالمعدل الحالي الذي يزيد بحوالي 1.5 مليون برميل يوميًا عن معدل إنتاجها العادي! وتقدر «التخمة» الحالية بحوالي 2.5 مليون برميل يوميًا من المتوقع أن تنخفض إلى مليون أو مليون ونصف برميل عندما تنفذ الدول العشر التي وافقت على خفض الإنتاج إنتاجها بنسبة 10%..
وهذا يعني أن أوضاع السوق العالمية ستظل على ما هي عليه في شهر ديسمبر القادم موعد اجتماع اللجنة الوزارية القادم، وبالتالي يتوقع المراقبون أن تظل الأسعار مجمدة طوال عام 1982!
وللحقيقة فإن ربط أسعار النفط بمعدلات النمو والتضخم في الدول المستهلكة مطلب عادل وتؤمن به معظم الدول المنتجة، ولكن التساؤل الذي يظل بحاجة إلى توضيح هو هل أسعار النفط الحالية عادلة ومنصفة بالنسبة للدول المنتجة؟
وقبل الإجابة المباشرة على هذا التساؤل يحسن بنا أن نسترجع سجل أسعار البترول وجهود الأوبيك في ذلك.
حقيقة ارتفاع أسعار النفط
حتى عام 1970 لم يكن سعر البرميل من النفط الخام يزيد عن 1.7 دولار! أي إن أسعار النفط منذ الخمسينيات ظلت تقريبًا مجمدة حتى أوائل السبعينيات! بينما كانت أسعار السلع الاستهلاكية والرأسمالية المستوردة من الدول المستهلكة للنفط تزداد بشكل رهيب، وبفضل جهود الأوبك بدأت أسعار النفط تتعدل منذ عام 1973. ولكن هذه الزيادات أكلتها زيادة أسعار الواردات وتقلبات أسعار صرف العملات الأجنبية وخاصة الدولار.
ولتوضيح الصورة أكثر نستأنس بتقرير لمنظمة الأقطار العربية المصدرة للبترول (أوابك) صدر حديثًا.
يقول التقرير: إن أسعار النفط ارتفعت بصورة رسمية خلال الفترة 1974-1980 بمعدل 200% وإذا أخذنا في الحسبان ارتفاع مستوى التضخم في الدول الصناعية وانخفاض قيمة الدولار يكون الارتفاع الحقيقي في أسعار النفط طول تلك الفترة هو 7% سبعة في المائة فقط!
من هنا سمى بعض وزراء الأوبك قرار المؤتمر الستين بالقرار الأعوج.
خفض الإنتاج في صالح الطرفين
وخفض الإنتاج هو في مصلحة الدول المنتجة للنفط لعدة أسباب:
• يؤدي إلى بقاء النفط لأطول مدة ممكنة لأنه ثروة ناضبة لابد أن تنتهي في يوم من الأيام.
• النفط في الأرض أغلى وأكثر مردودًا من العملات الورقية التي تتآكل قيمتها الشرائية بسبب التضخم وتقلب أسعار صرف العملات.
• وفي الأجل القصير يعمل خفض الإنتاج على امتصاص «التخمة» أو الفائض النفطي في السوق العالمية مما يؤدي إلى تصحيح أسعار النفط وتعديلها.
وهو كذلك في صالح الدول المستهلكة لعدة أسباب:
• لأنه يطيل حياة النفط.
• لأنه يؤدي إلى استقرار الأسعار والسوق.
•لأنه يشجع على تطوير مصادر الطاقة الأخرى.
وحدة الأوبك
إنه بالرغم من موضوع هذه الحقائق إلا أن مؤتمر الأوبك منذ طرحت فكرة استراتيجية الأسعار والإنتاج في مؤتمر كراكاس في ديسمبر 1979 لم يستطع التوصل إلى وحدة الرأي حول هذا الموضوع مع أنه عقد منذ ذلك الحين حتى الآن خمس مؤتمرات في الجزائر وأبو ظبي والطائف وإندونيسيا وهذا المؤتمر في جنيف!
وقد دعا هذا الفشل المتلاحق في عدم التوصل إلى وحدة في الرأي بعض المراقبين إلى الخوف على أوبك وموقفها التفاوضي إزاء الدول المستهلكة، ويبدو أن هذا التخوف في محلة بالرغم من بقاء الأوبك كمنظمة واستمرار مؤتمراتها واجتماعات لجانها المتخصصة، فالتخوف في حقيقته هو أن تبقى الآراء الفردية بغض النظر عنه صوابها أو خطئها هي الدستور المعمول به.
وقد زاد هذا التخوف على مستقبل أوبك ما جرى في الاجتماع الأخير من التزام فريق بقرار دون قرار!
وعلى أية حال فإن الأوبك يمكنها أن تستمر في العمل المشترك على حد تعبير الشيخ علي الخليفة حتى لو لم يلتزم جميع الأعضاء بالقرارات، باعتبار أن هؤلاء لديهم وجهة نظر خاصة في تقدير المصلحة الوطنية لبلادهم! وهذا غالبًا ما يكون صحيحًا، ولكن السؤال لماذا الإصرار على الرأي الذي لا يسانده أي من الدول الأعضاء؟
النفط والسياسة
نعم قد يكمن الجواب في الناحية السياسية، فالنفط منذ أن اكتشف ارتبط بالسياسة أكثر من ارتباطه بالاقتصاد مع أنه ساحة اقتصادية، ولكن كثيرًا من دول الأوبك باتت ترفض تسيس النفط أو استخدامه سلاحًا في المعركة، كما أصبحت تدرك أن السلعة الاقتصادية من الخير لها أن تحكم بقانون الاقتصاد وحال العرض والطلب، والمطلوب من دول الأوبيك جميعًا وفي مقدمتها السعودية أن تعمل على إخضاع النفط وإنتاجه لضرورات الاقتصاد واستراتيجية التنمية في هذه الدول، أما أن يكون النفط مرة سلعة اقتصادية ومرة أخرى سلعة سياسية فلا يعود على هذه الدول إلا بالضرر وعدم الاستقرار، ونقمة الدول المستهلكة التي لا تحتاج إلى مسوغ أو مناسبة!
والأمل في الاجتماع القادم أن يوحد السياسة السعرية والإنتاجية للدول الأعضاء في أوبيك ونحن لشهر ديسمبر منتظرون!!